وماذا بعد قرار المقاطعة

الخميس 2016/01/07

جاءت ردة الفعل السعودية تجاه الاعتداءات الإيرانية على سفارة خادم الحرمين الشريفين في طهران وقنصليته العامة في مشهد سريعة وفاعلة ومؤثرة للغاية، وتبعها عدد من الخطوات الداخلية الشعبية والرسمية على حد السواء. فقد رأينا التسابق نحو المقاطعة التجارية، ثم تبع ذلك قرار إيقاف التعامل التجاري مع إيران.

ردة الفعل هذه لم تكن الوحيدة، بل رأينا السودان يتخذ نفس الخطوة السعودية ويقطع علاقاته الدبلوماسية مع طهران، وكذلك تفعل البحرين، بينما تخفّض الإمارات تواجدها الدبلوماسي وتسحب الكويت سفيرها للتشاور، ممّا جعل إيران تقدم اعتذارا إلى منظمة الأمم المتحدة وهو اعتذار غير مفيد وغير مقبول إلا أنه قد يخفف من حدة القلق الأممي للأمين العام. هذه الخطوة السودانية تسببت في إحراج كبير لباقي دول الخليج العربي، إذ أنه من غير المهم أن تكون الخطوة السودانية أكبر من خطوات الكويت أو قطر أو سلطنة عمان، لكن المهم جدا أن تكون خطوات الدول الخليجية أكبر من الخطوة السودانية. هذا ما يجب، أو على الأقل بعضا مما يجب.

الاعتداءات الإيرانية كانت بسبب تدخلها الوقح وغير المسؤول في شأن داخلي سعودي يتعلق بالقضاء وأحكامه. كثيرة هي تلك المرات التي ذكرت فيها السعودية أن القضاء لديها مستقل وأنه موكل بقضايا معينة محددة فوضه فيها ولي الأمر، وأن ولاية الأمر لا تتدخل في الشأن القضائي على الإطلاق ما لم يتجاوز القضاء صلاحيته باستلام قضايا ليست من اختصاصه. عدا ذلك فولي الأمر لا يمكن له أن يتدخل في حركة القضاء وتسلسله وإجراءاته وأحكامه وغير ذلك، لأن قناعة ولاة الأمر باستقلال القضاء معناه قناعتهم بقوتهم وقوة دولتهم لأن اللحظة التي يضعف فيها القضاء ويصبح أداة في يد الحكومة، تضعف فيها الدولة وتصبح آيلة للسقوط. لهذا لا يتدخل المسؤولون بالدولة في الشأن القضائي إلا لإصلاح الخطأ فقط لا غير. فإن كان حال دولتنا كذلك، فكيف يمكن قبول التدخلات الرعناء التي قام بها مسؤولو إيران، وتبعها رئيس دويلة الشيطان حسن نصرالله، وأعلنوا اعتراضهم على إعدام شخص واحد فقط من أصل سبعة وأربعين متهما ومحكوما بالإعدام.

هذا الاعتراض سبقته عدة تهديدات لعدم تنفيذ الحكم مما يعكس مدى الصلف والغرور وخداع الذات الذي تعيشه إيران في عالمها الوهمي الذي رسمته لها أميركا في منطقة الشرق الأوسط. تلك التهديدات جعلت من المسؤولين الإيرانيين يعيشون وهم على ثقة مطلقة بقوة دولتهم وقدرتها على اتخاذ قرارات بديلة عن القرارات السعودية وقدرتها على تنفيذها أيضا بأيد سعودية، فقد تعودوا في المنطقة على أن العراقي هو من يقتل العراقي برغبة إيرانية، والسوري يفعل ذلك بالسوري واللبناني باللبناني واليمن باليمني، وأيضا برغبة إيرانية.

وربما أن هذا يعود إلى بعض النجاحات التي حققتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن فاعتقدت أنها قادرة على ذلك أيضا في المملكة العربية السعودية. وربما أن هذا يعود إلى سوء فهمها للصمت السعودي حيال تلك التهديدات أو حيال تلك الموجة العنيفة من الشتائم والتدخلات الجوفاء في حادثة التدافع في موسم الحج المنصرم والتي بدأت برئيس دولة العصابات وتحميله مسؤولية التدافع للقيادة السعودية لإخفاء الدور الذي قام به حجاجه. أو تصريحات السيد رفسنجاني وسؤاله عن سبب تكرار هذه الحوادث وإجابته بأنها نتيجة لسوء الإدارة في تغافل واضح ومكشوف عن الأسباب الحقيقية لذلك التدافع ودور حكومته في حدوثه. أو اتهامات علي شمخاني ومحاولة خلط الأوراق بغباء غير طبيعي حينما اتهم السعودية بإرسال قوات النخبة للبحرين واليمن وترك الحجيج مع عديمي الخبرة إلى آخر تلك الترّهات. أو ربما أن هذا يعود إلى الحملة الإعلامية ضد الأمير الشاب محمد بن سلمان التي وصفته بالشاب النرجسي الفاقد للتجربة والمتهور الذي تسبب في قلق كبير لكبار الأمراء في الأسرة السعودية الحاكمة، نتيجة للانزعاج الإيراني من الأمير للدور الذي يمارسه ويلعبه باحتراف ومسؤولية في حرب اليمن. وهي الحرب التي تعتبرها وسائل الإعلام الإيرانية الأداة والوسيلة والتي ستمرغ أنف السعودية في التراب وستجعلهم يحققون ما تريده لهم أميركا من قوة وتفوق ونفوذ في الشرق الأوسط. أو ربما أن الأمر يعود إلى جميع ما سبق.

لتلك الأسباب كانت الصدمة الإيرانية كبيرة، وأمام تلك التهديدات التي أطلقتها، وأمام تلك الصورة الذاتية التي عاشتها خلال الفترة الماضية، وخصوصا بعد الاتفاق النووي، ما جعلها ترتكب ذلك الخطأ الكبير بانتهاك حرمة السفارة والقنصلية. وهو الأمر الذي سيجعلها تدفع ثمنا غاليا بالفعل لا بالقول.

محاولات التهدئة التي تقوم بها بعض الدول الغربية، والإسلامية كتركيا مثلا، أو الآسيوية كروسيا، هي محاولات بائسة وفاشلة فقد حان وقت التصعيد وسيستمر من الطرفين حسب إمكانات كل طرف. هنا سيتضح للعالم مدى قوة إيران، ذلك النمر الورقي، وأين تكمن قوته بالفعل. سيتضح للعالم أن قوتها ليست في أكثر من العصابات التي تتحكم فيها في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين. سيتأكد الجميع أن هذه الدولة هي الراعي الفعلي والمميز للإرهاب وهي المحرك له والدافع والمحفز. سيكتشف العالم العلاقة الوطيدة التي تربط تلك الدولة المارقة بعصابات داعش وأبنائها وقيادتها. أما السعودية فستبين للعالم أنها قادرة، بفضل الله تعالى، على صد جميع المحاولات الإرهابية، كما أنها قادرة على التعامل الجيد والحاسم والحازم مع تلك العصابات في البحرين واليمن، وأي مكان تظهر فيه.

منذ العام 1979 وحتى اليوم وإيران لم تتوقف عن محاولاتها تحقيق حلم الخميني والسيطرة على الدول العربية. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما قد سلمت لإيران مفتاح أحلامها وسهّلت لها تحقيقه بانسحابها من الساحة وترك المنطقة في فراغ تستغله إيران كما استغلته روسيا، فلا أعتقد أن السعودية ومصر والإمارات يمكن أن تترك لإيران فرصة للسيطرة والتحكم في دول لم تقع تحت يد عصاباتها حتى الآن، كما أنها ستعمل، بجدية، لتخليص اليمن من العصابة الإيرانية الحوثية هناك. لذلك أعتقد أن هذه الصفعة السعودية ستجعل من إيران نمرا ورقيا معزولا في المنطقة. وهذا يعني، بكل بساطة، انتفاء إمكانية السيطرة على أي جزء لانتفاء عامل التواصل.

لكن، هل هذا يكفي كحل للتدخلات الإيرانية ولسوء الأخلاق الإيرانية؟

لا أعتقد ذلك، بل أرى، ولا زلت أكرر ذلك، أن على السعودية والدول القادرة على التأثير أن تتحرك لدعم الشعوب والأقليات التي تحيط بالفرس لكي تتحرك بحثا عن الاستقلال. ولعل أول تلك الشعوب هو الشعب العربي الأحوازي الذي لا يزال يقاوم الاحتلال الفارسي منذ العام 1925 وحتى الآن.

كاتب سعودي

8