وماذا بعد يا بيروت

قبل ظهور الخميني لم يكن مواطنٌ إيراني أو عراقي أو سوري أو لبناني أو يمني يعرف القتل الجماعي، باسم الله ورسوله وآله، ولم يعتد على حروب الطوائف التي مزقت شمل الشعوب الآمنة.
الأحد 2020/08/09
ركام ودخان ودم

في مشهد سخيف وصفيق ومقزز وفيه كمية هائلة من الغرور والعنجهية والخيال المريض ظهر حسن نصرالله في حديث تلفزيوني وهو يبشر بقدرته على قتل عشرات الآلاف في ميناء حيفا، بإرسال "كم صاروخ من عنا تنزل على حاويات نترات الأمونيا فتكون قنبلة نووية" من نوع جديد وفريد.

وكثيرون صاروا يعرفون أن لحكومات إسرائيل المتعاقبة، منذ نكبة قيامها وحتى يوم تفجير بيروت، مبدأ ثابتا يقوم على أساس "أموت أنا أم يموت غيري"، ووفق هذا المبدأ الشيطاني الشرير كانت تستبق كل خطر محدق بأمنها، فعلا أو افتراضا، فتضرب وتوجع، أيا كان الذي يموت أو لا يموت ببارود صواريخها وقنابلها، يسندها جيش واسع من الجواسيس المزروعين في غرف نوم أناس كثيرين في عواصمنا العربية يدّعون القوة والجبروت، وهم غافلون.

وعلى هذا الأساس سيكون احتمالا قويا أن تكون الفاجعة ردا من نتنياهو على حسن نصرالله لإفهامه أن الصفعات اليومية التي يوجهها له ولحاضنته إيران في سوريا وربما في العراق وإيران ذاتها هي اللغة البديلة التي لا يفهم حزب الله الإيراني اللبناني غيرها.

وسواء كان التفجير الذي حوّل بيروت اليافعة والنافعة الماتعة إلى ركام ودخان ودم ودموع كان بصاروخ إسرائيلي على مستودع رقم 9 وليس 12 في ميناء بيروت المملوك بالكامل لحزب الله، أو بفعل فاعل غير إسرائيل، أو حتى بتماس كهربائي، فإن الفاعل الحقيقي هو حسن نصرالله، شخصيا، ومن فوقه إمامُه حسين هذا الزمان، علي خامنئي، وقبله إمامُه الأول والأكبر والأعلى، آية الله الخميني.

هل تذكرون كيف كان لبنان والعراق وسوريا واليمن والمنطقة كلها قبل مجيء هذا الجراد المعمم الخبيث؟

فقبل ظهور الخميني لم يكن مواطنٌ إيراني أو عراقي أو سوري أو لبناني أو يمني يعرف القتل الجماعي، باسم الله ورسوله وآله، ولم يعتد على حروب الطوائف التي مزقت شمل الشعوب الآمنة، وأفقرتها، وحرمتها الحرية والأمن والاستقرار.

وتعالوا نتذكر فواجع الأيام السود من أولها وحتى النهاية. فقد طرد صدام حسين الخميني من العراق، وكان لاجئا، ورماه على حدود الكويت في 5 أكتوبر 1978، بطلب من حكومة إيران، وبسبب مهاجمته العلنية لاتفاق الصلح الذي وقعه صدام مع الشاه في الجزائر، ثم رفضت الكويت دخوله إلى أراضيها، ثم فجأة هبطت طائرة فرنسية خاصة فحملته معززا مكرما إلى باريس، ومنها عاد منتصرا إلى طهران، وعلى متن طائرة فرنسية خاصة أيضا، في الأول من فبراير 1979، وخرجت لاستقباله الملايين من الإيرانيين المتفائلين بعودته، متدينين وعلمانيين ويساريين وقوميين، آملين أن يكون الحكم الجديد بداية لعدالة كانت مفقودة، وانطلاقا لمسيرة البناء والرخاء والحرية والأمن والاستقرار.

ولكنه خيب آمالهم بأن دشن عهده باعتقال العشرات من الآلاف، وبمسلسل اغتيالات وإعدام وانتقام وبحروب طائفية مع شعوب المنطقة، وفق نظريته التي تقول بضرورة تصدير الثورة إلى دول الجوار العربية، بحجة تحرير فلسطين والصلاة في القدس بعد محو إسرائيل.

ومنذ ذلك اليوم وحتى يوم الثلاثاء الأسود البيروتي الماضي سالت دماء غزيرة، واحترقت منازل، وتهجرت جموع، واختفت جموع، وتلونت إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن بالسواد، وامتلأت بالمآتم والجنازات التي لا تنتهي.

وكان المؤمل أن يفتح غياب الخميني صفحة إيرانية جديدة من الفهم الواقعي لتعقيدات المنطقة، ويُرسي قواعدَ تعامل جديدة بينها وبين جيرانها، أقل ما تتميز به هو تفادي حرب جديدة، ساخنة أو باردة، مباشرة أو بالنيابة، لتفويت الفرصة على القوى الحاقدة الخارجية والداخلية الراغبة في إشعال نارها من جديد.

ولكن الشجر المر لا ينضح عسلا، والأفعى لا تقطر إلا بسُمّ. والخلاصة أن كل ما سال من دم، وما سوف يسيل، سواء من المنتفضين الذين حملوا السلاح لقتاله من الأبرياء الساقطين بنيرانه، معلق برقبة ذلك الولي الفقيه.

فلولا قواته ومخابراته وشبيحته وحزبه اللبناني وميليشياته العراقية والسورية واليمنية والفلسطينية والأفغانية، ولولا مؤامراته وتعدياته على جيرانه، وتهديده للأمن الدولي وإضراره بمصالح العالم، لما كرهته أميركا وإسرائيل وأوروبا، ولما بدأت حروب الردع والقصقصة لأجنحته في المنطقة، ولما كان انفجر بيروت الأخير.

أما من يتحدث عن التحقيقات ومن يطالب بها ومن ينتظرها فليس مصيبا ولا عادلا وربما ليس فيه عقل.

فالمتخصصون في موضوع نترات الأمونيا يؤكدون أن هذه النترات لا تحترق. أبدا أبدا. وهذا يعني أن الذي احترق وشابَهَ انفجار قنبلة حسن نصرالله النووية لا يمكن أن يكون الرصيف 12، كما يروج كثيرون.

أما الذي انفجر فهو الرصيف 9، بكل ما فيه من مواد معدة لتصنيع الصواريخ، وهو، وفق معلومات مؤكدة، مملوك بالكامل لحزب الله، وخارجٌ عن سلطة أي حكومة.

ودون العودة إلى الحديث عن فظاعة ما جرى لبيروت نتساءل، ماذا سيفعل ذوو 140 شهيدا، والمئات من المفقودين، والآلاف من الجرحى والمصابين، والملايين الذين تضررت منازلهم وأماكن عملهم ومصادر أرزاقهم؟ هل سيسامحون الجاني وعفا الله عما سلف، مثلما كانوا يفعلون من سنين طويلة، أم سيهبّون بالعصي وسكاكين المطابخ لملاحقة المرتزقة والمخربين، وتحرير وطنهم الجميل من أدران الخفافيش التي لا تعرف سوى الشر، ولا تتقن غير الغدر، ولا يهمها من يموت ومن لا يموت؟

6