وماذا عن إرهاب الدولة: قراءة فرنسية في نشأة الإرهاب

الأحد 2014/08/31
طفل سوري: ضحية إرهاب الدولة

باريس- منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، اقترن الإرهاب العالمي في الأذهان بالتطرف الإسلامي، ولكنّ أهل الاختصاص يذكّرون بأن طرق الإرهابيين ومنظومتهم الفكرية ظهرت في الغرب، وجذور الإرهاب نبتت في أحضانه قبل أن يصبح سلاح المستضعفين ضد الأقوياء، ثم وسيلة لقلب الأنظمة. ذلك ما يبينه المؤرخ الفرنسي جيل فيرّاغو في كتاب بعنوان “تاريخ الإرهاب”.

يتصدر الإرهاب اليوم عناوين الصحف والنشرات الإخبارية والبرامج الحوارية، ولكنه لا يزال موضوعا إشكاليا من حيث تحديد مفهومه وتاريخ ظهوره. ورغم التحاليل التي أسهب رجال القانون والسياسة والإعلام وحتى علماء الاجتماع في طرحها وتفصيل القول فيها، ظلت المقاربة التاريخية التي تنزّل هذه الظاهرة في إطار ينأى بها عن كونها مجرد سلسلة متعاقبة من الاعتداءات والقضايا العدلية حلقةً مفقودة، لأنّ للإرهاب مهادا شهد نشأته، وتاريخا سجّل ولادته ودوّن استشراءه عبر العالم واستمراره.

هذه الحلقة نهض لسدّها المؤرخ الفرنسي جيل فيرّاغو، الأستاذ المحاضر بجامعة نانتير ومعهد العلوم السياسية بباريس، في كتاب عنوانه “تاريخ الإرهاب”، يقترح في متنه رؤية شاملة لهذه الظاهرة للإمساك بالظروف التاريخية التي بزغ فيها العنف السياسي وعمّ المجتمعات.


قتل الملك


وجّه فيرّاغو بحثه خارج دائرة الأحكام الأخلاقية والترتيبات القانونية، واستند إلى مراجع ووثائق عديدة للبحث في جينالوجيا الإرهاب. وفي رأيه أن جذوره ذات صلة بعمليات “قتل الملك” (régicide) أو “قتل الطاغية” (tyrannicide) أي أن يتولى فرد أو نفر اغتيال حاكم غير مرغوب فيه لجور أو فساد أو خيانة أو لأسباب أخرى، وهي عمليات لا تعدمها أي حضارة من الحضارات ولا ينقصها منظرون أو مدبرون.

ثم تحول هذا النوع من الاغتيال غداة الثورة الفرنسية، يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول 1880 تحديدا، يوم أخطأت عملية دُبّرت ضد نابليون بونابرت هدفَها بشارع سان نيكيز في قلب باريس، وأدى انفجار العربة المفخخة إلى مقتل أربعة أشخاص وجرح آخرين وأضرار مادية ضخمة. وهي أول مرة يستعاض فيها عن الخنجر أو السيف أو المسدس بالقنبلة.

وكان نابليون أول من وصف المعتدين بالإرهابيين لظنه أنهم ينتمون إلى لجنة السلامة العامة التي اتسم حكمها بالترهيب والترويع (1793-1794). ثم ظهر المصطلح في معجم الأكاديمية الفرنسية عام 1798 ليصف نظاما سياسيا يستعمل الترهيب أداة لفرض سلطته.

فضل الكتاب ليس في سبق التأريخ للإرهاب فقط وإنما في وضع السؤال حوله والنظر إليه في وجهيه أي إرهاب الأقليات وإرهاب الدول

في العشريّات اللاحقة اتسعت دائرة العنف السياسي واجتاحت عدوى الاغتيالات الملوك والأباطرة والطغاة في شتى أنحاء أوروبا وأميركا، طوال قرن أي من 1814 إلى 1914، وانتقل هدفها من الحاكم إلى أتباعه ورموز نظامه. ففي روسيا مثلا، لم يكن القيصر وحده مستهدفا من قبل الراديكاليين الذين كانوا ينعتون بالعدميين وإنما أيضا الوزراء وقادة الشرطة والدوقات، وبذلك تحوّل الأمر من محاولة اغتيال معزولة إلى سلسلة اعتداءات.


تاريخ الإرهاب


دشنت فرنسا الوجه الجديد للإرهاب خلال السنوات 1880 و1890، عندما صار العنف السياسي لا يقتصر على الأشخاص بل يمتد إلى الطبقات الاجتماعية المهيمنة ومواقع السلطة، حيث كان بعض الثائرين على النظام القائم يطلقون النار على البورجوازيين “تلك الكتلة الحمقاء المتعالية التي تنحاز دائما إلى جانب الأقوى” كما يصفها أحد الناقمين، أو يفجرون القنابل في أماكن التقائهم. وعادة ما تنشأ علاقات سرية تجمع الإرهاب بترويع الدولة.

فالمصالح المكلفة بمقاومة الإرهاب غالبا ما تمارس الاستفزاز والخداع، كما هو الشأن في روسيا القيصرية. لذلك يحرص فيرّاغو على التمييز بين عنف الدولة، وهو أمر معروف ومشروع إذا كان خاضعا للقانون، وترويع الدولة، الذي دأبت عليه المنظمات السياسية المعاصرة والأنظمة الشمولية.

في تاريخ الإرهاب وفي التاريخ بشكل عام، شكّل عام 1914 قطيعة. حيث ناب عن العصر الأول للإرهاب، الذي كان سياسيا واجتماعيا بالدرجة الأولى، عصر ثان من العنف، متنوّع الدوافع، سياسية واجتماعية لا محالة، ولكنها قومية ودينية وطائفية أيضا.

وتكرّس الإرهاب كسلاح للمستضعفين ضد الأقوياء: أيرلنديون ضد الإنكليز، أرمن ضد الأتراك، فرنسيون ضد قوات الاحتلال الألماني، جزائريون ضد المستعمرين الفرنسيين، فلسطينيون ضد الصهاينة، إسلاميون ضد الأميركان والأنظمة الخاضعة لها.. وبانتشار وسائل الدمار المستحدثة، صار الهدف أكثر اتساعا، وصار الإرهاب يُعرَّف بكونية ضحاياه، لا يستثني أي بقعة من بقاع العالم، في تمدد مطلق للمفهوم الأصلي لقتل الطاغية.


إرهاب الدولة

الكتاب مقاربة تجمع بين التاريخ والثيمة


والكاتب هنا، رغم تنويهه، عند سرد محاولة اغتيال نابليون، بأن المنتصرين هم الذين ينعتون خصومهم وأعداءهم بالإرهابيين، يخلط بين من يحمل السلاح لدفع الغاصب وتحرير الوطن، وبين من يغتال الأبرياء للتنديد بجور حاكم أو تحقيق مأرب شخصي أو فئوي، فالمدافعون عن أهلهم وحرمة ترابهم أو الساعون إلى طرد المحتل هم في كل الشرائع مناضلون ومقاومون ومجاهدون..

كما أنه غفل سهوا أو عمدا عن إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل وخصوصا الولايات المتحدة، واكتفى بذكر حربها على الإرهاب عام 1970 في عهد الرئيس نيكسون، وإحيائها عام 2001 في عهد بوش الابن. واعتبر في حديث لاحق أدلى به لإحدى القنوات التلفزيونية أن ما تقوم به أميركا هو سياسة دولة عظمى تلجأ إلى الحرب وزعزعة الاستقرار، وأن وثائق تورطها في دعم الإرهاب تعوزه، وأضاف أن الإرهاب ليس حربا بل هو عنف مغاير، مصدره أقلياتٌ ناقمة، أو أنظمةٌ توتاليتارية.

الكتاب مقاربة تجمع بين التاريخ والثيمة، وكل فصل فيه يسلط الضوء على فضاء جغرافي محدد أو أيديولوجيا مخصوصة للوقوف على لحظة ظهور العنف وفواعله وأهم أحداثه، والتعرف على الأجوبة السياسية التي تحاول المجتمعات والأنظمة إيجادها.

علما وأن الطرفين يقفان أحيانا في طرفي نقيض، فسياسة مكافحة الشبكات الإرهابية في الغرب مثلا، كان لها أسوأ الأثر على نظام الجباية ونسب التأمين والقوانين المنظمة للبريد والنقل، وعلى الحريات الفردية خاصة، حيث دعّمت تلك التشريعات أجهزة الأمن والاستخبارات ومنحتها نفوذا خوّل لها وضع شرائح عريضة من المجتمع تحت المراقبة.

ويخلص الكاتب من هذه الجولة التي مسحت قرنين من إرهاب الأفراد وإرهاب الدول إلى الاعتقاد بأن البشرية مقبلة على مزيد من الأعمال الإرهابية المريعة، فالإرهاب في رأيه هو المستقبل.

وفضل الكتاب ليس في سبق التأريخ للإرهاب فقط وإنما في وضع السؤال حوله والنظر إليه في وجهيه أي إرهاب الأقليات وإرهاب الدول، ليعالج من زاوية المؤرخ ظاهرة سبق لعلوم إنسانية أخرى أن تناولتها بالعرض والتحليل، ويفهم كيف يتكرّس العنف السياسي والإرهاب في وضع أزمة أو توتر، وما هي الكيفية التي تتفاعل بها المجتمعات والدول مع هذا العنف، أو تستغله لفائدتها.

13