وماذا عن جواز السفر المصري؟

الدول التي تحظى جوازات سفرها باحترام في الخارج لا تعاني هوسا وطنيا عموميا أجوف توجزه كلمتا "الدولة أولا"، وإنما تمارس واقعا طبيعيا لا يعلن عنه، ويسهل تلخيصه بكلمتي "المواطن أولا".
الثلاثاء 2018/12/11
بعد حرب 1973 لم يلتقط الرادار اسم مصر

في حين نال جواز السفر الإماراتي المركز الأول عالميا، بإتاحته للمواطن دخول 167 دولة، (113 دولة لا تحتاج إلى تأشيرة مسبقة، و54 تعطي التأشيرة في المطار)، نتساءل: وماذا عن جواز السفر المصري، وقد جاء في المركز 74، متقدما، عربيا، على دولة جيبوتي؟

لا أنا ولا غيري تنقصنا معرفة مركز جواز السفر المصري، ويكفينا المرور مصادفة أمام أي سفارة عربية أو أجنبية، وخصوصا في حي الزمالك، لرؤية الراغبين في الفوز بتأشيرة. خليط من قاهريين غيّروا مواعيد استيقاظهم، وقادمين من الأقاليم فجرا ضابطين توقيتهم على إيقاع قنصليات لا تنتظر أحدا.

وقبل فتح شباك صغير يسمح بتمرير ملامح الوجه والمسوّغات المطلوبة، تمتد طوابير المشتاقين الغاضبين من الرصيف إلى الشارع، في استنساخ عصري لظاهرة عمال التراحيل قبل ثورة 23 يوليو 1952، وكانوا يغتربون عن قراهم، للعمل “فَواعْليّة” في الوسايا، وهي إقطاعيات الباشوات، لموسم زراعي يستغرق بضعة أشهر، مقابل قرشين ونصف القرش لكل يوم عمل، من الشروق إلى الغروب.

يقاس نجاح أي ثورة، أو تجربة بناء دولة، بالقدرة على تغيير أنساق سياسية واقتصادية يترتب عليها إعادة التراتب الاجتماعي، وشعور الفرد بأنه مواطن تعطيه الدولة حقوقه في الصحة والتعليم والعمل، والأهم من هذا كله أن تحترم كفاءته وتصون كبرياءه، فالذي يهون على بلده يستباح.

تلك فترة شهدت تغييرا حقيقيا في مصر، وكان توقيت القاهرة حاضرا في مطارات العواصم الكبرى.

ومنذ بدأت طوابير عمال التراحيل الجدد تشدّ الرحال إلى خارج الحدود، تراجعت الصورة الذهنية عن مصر لدى الآخرين؛ لأن الأصل نفسه أصابه العطب.وصعدت مراكز عربية لا يثقل ذاكرتها وهمٌ بالتفوق التاريخي، ولا يلهيها “أفعل التفضيل” عن الوعي بأن العالم لا يجود، ولو بالشفقة، على من يتباهى بمقولة “كان أبي”.

لا علاقة للكبرياء الوطنية بالفقر، ولا لارتقاء جواز السفر بالثراء، ففي العالم العربي بلاد لو قُسمت ثرواتها ومواردها الطبيعية بالعدل على عدد المواطنين، لجاءت ضمن الدول العشر الأكثر ثراء في العالم، ولكنها تأتي في تصنيف جواز السفر بعد جيبوتي.

وقل ما شئت عن استبداد جمال عبدالناصر وأفرغه من سياقه، ولكن جواز المصري، آنذاك، كان يسبق جواز السفر الجيبوتي بكثير.

وبالمصادفة شاهدت فيلما تسجيليا أجنبيا يستعرض معالم القاهرة في العام 1969، بدءا بميدان التحرير والشوارع النظيفة والروح العالية للبسطاء المبتسمين الحالمين بمصر جديدة، وهذا ما نفتقده حاليا في ظل غليان مكتوم، لا يحول دون السؤال عن موعد الانفجار القادم.

ويقول مخرج الفيلم، بعد أن طاف الشوارع بالكاميرا، إن قاهرة الستينات، بملايينها الأربعة، عاصمة عصرية حيوية، لا تقل جمالا ونظاما عن باريس ولندن وبرلين وروما ونيويورك.

سجل الرجل بالصورة ما لم يعرفه الكثيرون في الخارج عن مصر، ولم يشر بالطبع إلى ما كان معروفا من السفر بالضرورة، وهو وجود توقيت القاهرة في مطارات تلك المدن الكبرى.

اختفى الإلهام بعد حرب عام 1973، فلم يلتقط الرادار اسم مصر.

أسدل الستار وأطفئت الأنوار، وأنهت اتفاقية كامب ديفيد دور مصر، ويمكن القول إن الولايات المتحدة الأميركية سمحت بما جرى في 6 أكتوبر 1981، أو على الأقل استراحت لذلك المشهد. وبعد سبات طويل بدّدت ثورة 25 يناير 2011 ذلك الضباب، وخرج الشعب إلى نور ثورة ملهمة أعادت الثقة بأن “الشعب يريد”، وأنجزت خلع حسني مبارك.

وأشاد بالمصريين العالمُ كله، باستثناء الخائفين من شعوبهم، ودخل ميدان التحرير القاموس الشعبي الدولي، بدلا من ترجمته الحرفية السابقة “Square Liberation” وتجمّل مطار القاهرة بإشادات زعماء العالم.

كان أولهم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما “يجب أن نربّي أبناءنا ليصبحوا كشباب مصر”، وقول رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني “لا جديد في مصر، فقد صنع المصريون التاريخ كالعادة”.

وقول رئيس الوزراء النرويجي ينس شتولتنبرج “اليوم كلنا مصريون”. ودعوة هاينز فيشر، رئيس النمسا، إلى منح المصريين جائزة نوبل للسلام؛ لأنهم “أعظم شعوب الأرض”.

وكذلك قول ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، “يجب أن ندرس الثورة المصرية في المدارس”.

لحظة فارقة كانت كفيلة بحمل جواز السفر المصري والقفز به إلى مرتبة متقدمة في التصنيف الدولي، ولكننا بدّدناها، وأزلنا من الإعلام الرسمي وإعلام رجال المال ما يذكّر بها، وجرت تعرية مطار القاهرة من جداريات وثّقت مأثورات زعماء العالم عن روعة الثورة. وساءت الصورة الذهنية عمّا كانت في عهد حسني مبارك، وأصبحت مصر حصّالة تتلقى “الرز” مقابل الكرامة، فكيف يصعد جواز السفر وحامله مهان في بلده؟

تجيب أدلة وقرائن كثيرة عن السؤال السابق، وأستشهد بدليل واحد على هذا الهوان، من قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي اختفى في 25 يناير عام 2016، في الذكرى الخامسة للثورة، وعثر على جثته بعد أيام، وأظهر تشريحها تعرّضه للتعذيب.

في 13 مارس عام 2016 قال رئيس مجلس إدارة أكاديمية أخبار اليوم محمد الهواري لتلفزيون أحد رجال المال إن وزارة الداخلية تأخرت في إعلان نتائج التحقيقات بسبب “مشكلة.. مش لاقيين كبش فداء”.

وفي 24 مارس 2016 أعلنت الشرطة تصفية عصابة متخصصة في السرقة بالإكراه وينتحل أفرادها صفة الضباط، وهم: طارق سعد عبدالفتاح وابنه سعد طارق ومصطفى بكر عوض وصلاح علي سيد.

وقالت إنها عثرت لدى شقيقة القتيل الأول على حقيبة بها جواز سفر ريجيني. وفي 25 مارس 2016 نشرت صحيفة اليوم السابع، المقربة من أجهزة الأمن، أن جهات التحقيق وجهت إلى رشا سعد عبدالفتاح، شقيقة القتيل، تهمة التستر على مجرم وإخفائه عن العدالة، والاحتفـاظ بمتحصلات سرقة المتهم مع علمها بنشاطـه الإجرامي.

ولم تقنع هذه الرواية وزير الخارجية الإيطالي، باولو جنتيلوني، الذي رد بأربع كلمات هي: “إيطاليا تصر: نريد الحقيقة”.

وفي الأسبوع الماضي حدد مدّعون إيطاليون خمسة ينتمون إلى جهاز الأمن الوطني، يشتبه في تورطهم في خطف جوليو ريجيني، منهم لواء وضابطان برتبة عقيد وضابط برتبة رائد.

لم توجه إيطاليا إلى الضباط المصريين تهمة القتل والتعذيب التي نالها أربعة مصريين تمت تصفيتهم، ولا حرمة لدمائهم، وربما لم يحملوا يوما جواز سفر.

الدول التي تحظى جوازات سفرها باحترام في الخارج لا تعاني هوسا وطنيا عموميا أجوف توجزه كلمتا “الدولة أولا”، وإنما تمارس واقعا طبيعيا لا يعلن عنه، ويسهل تلخيصه بكلمتي “المواطن أولا”.

وفي مصر تكاد الجباية تكون قانونا صريحا في المصالح الحكومية، وفي الشارع يتواطأ عليها جباة وضحايا، ومن أجل جنيهين اثنين تسيل دماء وكرامات. وسبق لشرطي أن قتل مواطنا مسكينا طالبه بدفع جنيهين ثمنا لكوب شاي، وقبل أيام، بداية ديسمبر 2018، رفضت فلاحة في عقدها السادس، كانت تبيع البرسيم بمحافظة القليوبية، أن تدفع لموظف جنيهين، فأهانها ورمى البرسيم في الشارع، وذهبت مع زوجها إلى الوحدة المحلية لتقديم شكوى، فقابلها الموظف نفسه، وأهانها من جديد.

لعل هوان جواز السفر عقاب على التفريط في لحظة الثورة، ولا أبلغ من قسوة هذا الشعور أكثر من رفض السفارة البريطانية إعطاء الكاتب المصري شوقي جلال تأشيرة دخول للعلاج.

الرجل الذي ترجم في العام 1970 رواية “المسيح يصلب من جديد” لنيكوس كازانتزاكيس سألني: هل يمثّل رجل في السابعة والثمانين خطرا على الإنكليز؟ وضحكنا ضحكا كالبكاء.

9