ومازال الاغتصاب مستمرا

الخميس 2013/10/31

نشر صديقنا الصحفي المعروف الأستاذ بكر عويضة مقالا في الأيام الأخيرة، عن حديث دار على مائدة غداء عام 2009 بيني وبينه وصديق ثالث، تناول حكاما ابتلي بهم الوطن العربي، جاءوا للحكم بالقوة وانتزعوا السلطة سطوا واغتصابا، وأعلنوا أنهم لن يغادروا الكرسي إلا بالقوة، هكذا كان يقول القذافي (وكان موضوع الحديث في تلك الجلسة) ليغلق الأفق أمام أي عمل سياسي يسعى للخروج بالبلاد من قمعه وقهره، إلا إذا اعتمد القوة والصراع المسلح، وطبعا كان مثل هذا الحل متعذرا، إن لم يكن مستحيلا، لأنه استطاع تسخير أموال النفط لشراء ترسانة عسكرية تضاهي أسلحة دول كبرى ليواجه بها شعبه، وباءت بالفشل كل جهود المعارضة الليبية لمنافسته في القوة العسكرية، أو إزاحته عن الحكم بالقوة، وهكذا كان يقول من قبله طاغية العراق صدام حسين باعتبارهما يمثلان نموذجين لا نظير لهما إجراما وقهرا وطغيانا في عصرنا الحديث، وفعلا لم يكن ممكنا ازاحتهما عن الحكم بغير ما توفر من تحالف عسكري دولي شاركت فيه أعظم قوى الأرض عتادا وتسليحا.

وبغض النظر عن الملابسات التي أحاطت باقتلاع كل منهما، فالخلاصة هي أنه جاءت القوة التي انتزعت منهما الحكم، وانتهى أمرهما إلى ما يجب أن ينتهي إليه كل طاغية، وتبقى المشكلة فيما حدث بعد زوال الطاغية، وكأن أسلوب انتزاع الحكم بالقوة والتشبث به والاستماتة حرصا عليه، صار تقليدا أرساه الطاغية ولا سبيل إلى تبديله أو تغييره بعد زواله، وطبعا تداخلت خطوط مذهبية وجهوية وطائفية وإثنية وقوى إقليمية وأخرى دولية في خلق حالة عراقية استعصت على الحلول، والوصول بالشعب العراقي إلى ما ينشده من استقرار وأمن وسلام وأسلوب ديمقراطي في إدارة البلاد بعد عشرة أعوام من زوال صدام.

أما ليبيا فهي حالة حديثة جدا، وما حصل فيها من احتراب ونضال لمجابهة الطاغية ما زال أمرا طازجا حديثا، ولا زالت دماء الشهداء لم تجف بعد، بل ولا زال الجرحى يرقدون في المستشفيات يتلقون العلاج، ولا زالت الملحمة التي خاضها الشعب الليبي ضد ترسانة الطاغية حية في أذهان مشاهدي التليفزيونات في مشارق الأرض ومغاربها، لأنها كانت منقولة بكل تفاصيلها، ليرى العالم الثمن الفادح الذي دفعه الشعب الليبي، لاقتلاع طاغية لعله الأكثر شراسة ودموية وإجراما بين الطغاة المعاصرين.

وكان فألا طيبا أن يجري الليبيون انتخابات عامة، ربما لأول مرة منذ استيلاء الطاغية على السلطة منذ أربعة عقود ونيف، وأن يدلي المواطن بصوته في اقتراع سري وتحت إشراف دولي، ليختار ممثليه في المجلس الوطني المخول بإدارة البلاد، ووضع الأسس الثابتة للدولة الجديدة، القائمة على الدستور وفصل السلطات والمساواة أمام القانون، وحقيقة أن يكون المواطن هو مصدر السلطة والتشريع وصنع القرار.

وبدا للوهلة الأولى وكأن حديقة البلاد قد أضحت مزهرة مشرقة تنبئ بربيع حقيقي ينتفع به الشعب الليبي بعد أربعة عقود عجاف، ثم فجأة أطلت بين أزهار الحديقة نباتات موحشة كأنها رؤوس الأفاعي، نمت نموا شيطانيا، ومدت سيقانها تخنق الزهور والأغصان وتمتد بأشواكها وروائحها العفنة، وإذا بالانتخابات مجرد صورة كاريكاتيرية، والمجلس مجرد هيكل كارتوني، وإذا السلطة وقوة الحكم في يد أجسام غريبة زرعها شيطان التطرف والتعصب والغلو الديني، بالإضافة إلى النعرات العنصرية، والتحيز الجهوي والمناطقي والعشائري والقبلي، وميليشيات تتولى الاستيلاء على مقدرات البلاد دون شرعية ولا تفويض شعبي، وخارج صناديق الاقتراع، وهي التي تفرض إرادتها وتبسط سلطتها إرغاما وقوة فوق أعضاء المؤتمر الوطني العام نفسه وتهددهم بالتوابيت، تضعها في طريقهم، وبالابتزاز في أكثر أنواعه انحطاطا، بل وسجنهم وتهديد حياتهم كما قال أعضاء المؤتمر أنفسهم وتكتب القوانين الصادرة عن المؤتمر كما يقول رئيسه السابق السيد المقريف لا بإرادة حرة حسب قناعات الأعضاء، بل بحبر البنادق كما جاء في تعبيره. فأي قوانين هذه وأي شرعية، وبأي حق يتم تطبيقها، وإلزام المواطنين بالامتثال لها، إذا كانت قوانين جاءت عن طريق العسف والقوة، والإجرام، فقد قرأنا تصريحا للسيد وزير الخارجية الليبي قال فيه، بأن هناك ستة عشر ألف سجين جنائي هرب من السجن وامتشق السلاح، وانظمّ لهذه الميليشيات التي تحكم البلاد، وتفرض سلطتها بالقوة على الأجسام الشرعية وعلى رأسها المؤتمر الوطني العام، والمجلس الوزاري المنتخب.

وكما رأينا جميعا وصلت المهزلة إلى اختطاف رئيس الوزراء من غرفة نومه، وسوقه إلى السجن والمحاسبة، ولا نجد بعد إطلاق سراحه من تمت محاسبته أو القبض عليه ليمثل أمام العدالة، بل رأينا مشهدا عبثيا ينتمي إلى مسرح اللامعقول، عندما خرج رجل في قاعة المؤتمرات الصحفية التابعة للمؤتمر الوطني العام، يقول أنه هو الذي قاد ركب المسلحين إلى مكان رئيس الوزراء واختطافه بملابس نومه، وحجز في المكان الذي حقق فيه معه. وهو عمل يرقى إلى مصاف الخيانة الوطنية، ومثله أعمال أخرى مثل الاستيلاء على موانئ النفط، واستخدامها استخداما خاصا أو تعطيلها عن العمل، في تناغم مع دعاوى انفصالية، حتى وإن استخدمت حجة الفيدرالية، ولا يكتفي صاحب الدعوة بإشهار دعواه، وإنما يريد فرضها على أغلبية المواطنين، دون اعتبار لما أسفرت عنه انتخابات المؤتمر الوطني العام ولا المجالس المحلية ولا أي جسم منتخب، وإنما يريد فرض سياسة الأمر الواقع، ويذهب إلى إنشاء حكومة انفصالية، ومجلس وزراء انفصالي، تحت سمع الدولة وبصرها.

إنه منطق القوة، تعيد إنتاجه قوى تنتمي إلى عالم العصابات، تشربت فكر الطاغية واقتدت به، ومارست أسلوبه في القمع والاغتصاب، وحان الوقت أن نرى انتفاضة جديدة، وربما ثورة تضاهي في قوتها الثورة ضد الطاغية، لاجتثاث هذه العصابات المارقة، وهذه القوى المافيوزية الإجرامية الخارجة على القانون، وردعها بكل ما يملكه الشعب من قوة وسلطة وشرعية وجبروت.


كاتب ليبي

9