"وما بعد ذلك" مغامرة في الفراغ الأثيري بأسلوب الفيلم الوثائقي

لا شك أن اكتشاف المجهول عبارة وعلامة مميزتان لأفلام الخيال العلمي، وقاسم مشترك لتلك المساحة من متعة الغوص في المتاهة والمغامرة. فهذا النوع من المعالجات هو أحد دوافع الولع بفيلم الخيال العلمي لجهة الذهاب بالمشاهد بعيدا في معرفة المجهول الذي غالبا ما يتم بناؤه ببراعة وعلى درجة عالية من الإقناع بما يمنح المشاهد رغبة في تتبع المسار الدرامي وما سيفضي إلى نهاياته.
الاثنين 2018/01/22
كسر ذلك الحاجز الإيهامي

هناك معالجات نمطية شكلت ميزة بارزة لأفلام الخيال العلمي، حتى صار التجريب والخروج على ما هو سائد من شكل وأسلوب مهمة صعبة ليست متاحة بسهولة لمخرجي هذا النوع الفيلمي.

في فيلم “وما بعد ذلك” للمخرج هاسراف دولول هنالك الكثير من مميزات أفلام الخيال العلمي المعتادة، لكنه يقدم معالجة سينمائية مختلفة لمخرج ذي خبرة عميقة في المؤثرات البصرية في فيلمه الروائي الطويل الأول، إنه ببساطة مزج جريء بين الوثائقي والروائي. وإذا كنا أشرنا إلى فكرة المغامرة ومتعة الاكتشاف فإن ذلك كان هو محور الفيلم وثيمته الأساسية.

يحكي الفيلم عن فِرَق بحثية متخصصة تضم كبار العلماء في وكالة الفضاء، اكتشفوا وجود “فراغغ” أثيري مجهول لأول مرة خارج عن معايير الزمان والمكان والجاذبية المعتادة، ويقع في نقطة ما من المجرة مما يتطلب إرسال رواد فضاء في مكوك فضائي إلى ذلك الفراغ.

المعالجة السينمائية في هذا الفيلم ليست مألوفة كثيرا بل إن إقدام المخرج عليها لا يخلو من الجرأة الملحوظة

يتطور المشروع إلى فكرة تطوير كائن نصف بشري ونصف روبوتي يطلق عليه مشروع “الإنسان اثنان صفر”، حيث يتم الاحتفاظ بالدماغ البشري في مقابل استخدام باقي الأجزاء صناعيا وربطها بمجسات عصبية تأتمر بأمر الدماغ البشري، لكن المهمة مع بعض المتطوعين تفشل وتنتهي بالموت حتى يقع الاختيار على جيسيكا (الممثلة نويلين كومسكي) على الرغم من أنها من ضمن فريق الباحثين، إلا أنها تتطوع للقيام بالمهمة متخلية عن حياتها الشخصية.

وفق هذا المسار تدور الأحداث وتتسارع، وخلال ذلك تجري مقابلات مع كبار المشرفين على المشروع وخاصة الخبراء الثلاثة: جيليان (الممثلة جين بيري) وأليكس (الممثل نيجيل باربر) والعالم جاكوب (الممثل ديفيد بيلي).

واقعيا لا تبدو المعالجة السينمائية في هذا الفيلم مألوفة ولا معتادة كثيرا بل إن إقدام المخرج على هذا النوع من المعالجة لا يخلو من الجرأة الملحوظة. فمن يشاهد الفيلم بحسب تمييزه المسبق ما بين الوثائقي والدرامي سوف يدرجه في قائمة الأفلام الوثائقية، وفعلا قامت بعض المواقع السينمائية بإدراجه وتصنيفه ضمن الوثائقي.

لكن إذا كان ذلك التصنيف صحيحا، فلماذا تمت الاستعانة بممثلين على درجة عالية من الاحتراف في مقدمتهم الممثلون الثلاثة الذين قادوا المهمة وتقمصوا أدوار باحثين متمرسين في شؤون الفضاء؟

في موازاة تلك المقابلات التي كانت تجري تباعا مع الأشخاص الثلاثة كانت التجارب متواصلة على مشروع الإنسان الروبوتي، وعرض المشكلات التي تعترض فريق العمل للوصول إلى نتائج مثمرة. تلك الخطوط السردية الكثيفة والمتداخلة لم تضعف الدراما الفيلمية بل قدمت متعة في السرد الفيلمي لا تبدو مألوفة كثيرا، فضلا عن تقديم الشخصيات وهي أكثر حيوية وعفوية وهي تعرض واقع حال ما تم التوصل إليه من نتائج.

من الميزات الأخرى في هذا الفيلم أنه يندرج في قائمة الأفلام المستقلة وقليلة التكلفة على الرغم من المتطلبات الإنتاجية في بناء المناظر بشكل مقنع

الشكل والأسلوب غير المعتاد كثيرا في الأفلام الدرامية هو أن يتم عرضها في قالب وثائقي، وهي خطوة جريئة في كسر الإيهام بالحقيقة التي هي ركن أساسي من أركان الدراما، فالتلقي في الدراما تأسس على ذلك النوع من المشاركة الوجدانية والتفاعل مع الشخصيات وكأنها تعيش في الواقع أما هنا في هذا الفيلم فقد تم التنويع في عرض المعلومات عن طريق كسر ذلك الحاجز الإيهامي.

ومن جهة أخرى كانت مقنعة تماما كما ونوعا المعلومات التي كان يقدمها الخبراء الثلاثة فقد قدموا أنفسهم على أنهم على درجة عالية من الاحتراف، فكانوا يقومون بالتعليق تباعا على ما يجري ويقدمون حقائق علمية غزيرة حفل بها السيناريو، وعلى الرغم من كونها حقائق علمية مجردة فقد تم عرضها بسلاسة.

ولعل الخبرة الواسعة للمخرج في مجال استخدام المؤثرات البصرية، إذ عمل في العديد من الأفلام متخصصا في هذه المؤثرات، هي التي ساعدته في حشد فيلمه بتلك العناصر البصرية المكملة فلم يكد يخلو مشهد من المشاهد إما من معلومات وجداول وومضات وعلامات تحذير وبيانات أو من رصد للفراغ الأثيري الذي هو المحور والتحدي الأساس في تلك الدراما لسبر أغواره أو في تتبع فرق الباحثين المنجذبين إلى الشاشات يراقبون المهمة ومسارات المكوك الفضائي.

ومن الميزات الأخرى في هذا الفيلم أنه يندرج في قائمة الأفلام المستقلة وقليلة التكلفة على الرغم من المتطلبات الإنتاجية في بناء المناظر بشكل مقنع، لكن الحلول في مجال التصوير والمونتاج قد ساهمت في سد الكثير من الثغرات وبدا الفيلم متماسكا بصريا ومقنعا.

ومما ساهم في التنويع المكاني وتاليا البصري هو كثرة الانتقالات بين الشخصيات والاماكن مما كسر الرتابة في تعليق الشخصيات الثلاث، فضلا عن حضورهم المؤثر في أثناء وبعد المواقف الحرجة والأكثر تصعيدا دراميا كاختفاء أحد رواد الفضاء أو انقطاع التواصل مع جيسيكا أو غير ذلك من تحولات درامية مؤثرة.

16