وهج النص ودهشة المتلقي

الجمعة 2017/05/12

شاركتُ مؤخراً بلجنة تحكيم أدبية لنصوص باللغة الهولندية النيدرلاندية المحكية في إقليم الفلاندر بالمملكة البلجيكية، هذه التجربة وضعتني كمتلقِّ خاضع في الهوية واللغة والمنطق للثقافة العربية، أمام مواجهة حقيقية مع آلية التلقي لنصوص مكتوبة بلغة أخرى، اكتشفت أنَّ مسافة التوتُّر تساوي النقطة صفر تماماً، علاقتي مع النصوص انطلقت في عملية التقييم من عقلي الباطن الذي يحمل في مكوناته الإرث الحضاري والثقافي والهُويَّاتي الصادر من الثقافة العربية باعتبارها في الأساس الراسخ في داخلي. ما استوقفني أكثر هو التقارب وأحياناً التطابق في الاختيارات بين خمسة محكَّمِين من ثقافات مختلفة في مرجعياتها.

البحث في نظرية التلقي ينطلق عادة من فكرة النقد القديم القائم على الانطباعية قبل أن يتم إخضاع كل هذه الدلالات إلى تقسيمات معرفية تشير إلى حقول متنوعة منها الجمالي والنفسي والاجتماعي، وصولاً إلى النصيَّة في صورِها العديدة كالبنيوية، التجريب، التفكيك، الضدية، الأسلوبية، السيميائية، مروراً بفرضية “موت المؤلف”، كل هذه المعطيات نقلت النقد أو التلقي من حالة الانطباعية القائمة على الذائقة إلى حالة الانطباعية المتمردة على كل المدارس النقدية.

هذا التأسيس ينقلني إلى المتلقي الذي بدأ بناء انطباعاته على أساس التوقُّع، كما في حالة الشعر الجاهلي، ثم طوَّرها عن وعي أو دون وعي إلى انتظار الأفق سواء خضعَ هذا الانتظار لجملة من المعارف التي تؤدي إلى نتائج متقاربة أو أوصلتهُ إلى نتائج متناقضة لا تنسجم مع تخيلاته خلال مرحلة التفاعل مع النص، فالتفاعل مع النص يبدأ من العنوان والمتن على حدٍّ سواء، وبالضرورة لا تعني المتلقي كثيراً آليات السرد أو البناء الدرامي للحكاية وتنامي الشخصيات في فضاءات مفتوحة أو مغلقة، إنها حالة من الانسجام أو عدم الانسجام وفق النقد الانطباعي في مرحلة ما بعد الحداثة.

ما أكَّدَتهُ محاكمة نصوص بلغة غريبة لها محمولاتها الدلالية المختلفة عن مرجعياتي هو أنَّ مهمة الناقد المُحكِّم قائمة في جوهرها على حالة الإضافة إلى النص، وإن ” العدول” في هذه الحالة يأتي تأكيداً على ضرورة إظهار فكرة دون أخرى وليس انتقاء فكرة مقابل تهشيم ثانية، هكذا يُبنى التعامل مع نص مفتوح على مجموعة من المتلقين ذوي المرجعيات المختلفة، فكل متلقّ يُدخِل النص وفق معطياتِه الذاتية المبنية أصلاً على جملة من التصورات الأساسية القائمة بدورها على مُخرَجَات متنوعة تتغذَّى من فصل اجتماعي وتاريخي وديني ربما.

إن مقدار الوهج المنبعث من النص يساوي ويعادل قيمة ومقدار استهلاك المتلقي منه خلال عملية التواصل، وهذا الاستهلاك متصل بدوره بالحكاية وشخوصها، وهو مبني في تفاصيله على الموقف المسبَق من الأدب الذي يتم التعاطي معه، فالأدب المقروء بلغة أجنبية بالنسبة إلي كقارئ عربي لا يتوقف فقط عند أبجدية مختلفة عن تلك التي أفكِّر بها بل هو محمول على مرجعياتِه التي لا تصلُ في أغلب الأحايين إلى متلقّ يحمل موروثاً مختلفاً عن مبدع النص.

الأعمال الأدبية المبنية على تصورات دينية أو روايات تتصل بشكل أو بآخر بتاريخ يتضمن تفاصيل محكيات “ميثولوجية دينية”، في الغالب يتم تلقِّيها بأي لغة كما لو كانت هي اللغة الأم، لأنها ترجع في جوهرها إلى عمود فقري واحد تفرَّع لاحقاً بتعابير مختلفة وظلَّ يتغذى على الأصل، أذكر هنا مثالاً عنوان ” طريق الآلام” ومرادفه اللاتيني “Via dolorosa”.

هذا العنوان يحمل في دلالاته ما يستطيع القارئ -مهما كانت مرجعياته الثقافية- أن يربطه بتصورات مسبقة قابلة للتفاعل والاحتكاك مع النص باعتباره مفتوحاً على احتمالات دينية ترتبط بخطوات السيد المسيح عليه السلام في القدس الشريف، بينما تتخذ نصوص أخرى أشكالاً مختلفة من التلقي قائمة على وجهتي نظر متضادتين، الروايات العربية عن الأندلس والروايات الإسبانية عن ذات الجغرافيا والتاريخ. يبرز هنا مثال آخر عن صورة العربي في الأدب الإسرائيلي وصورة الإسرائيلي في الأدب العربي، فهل تتوقف عملية التلقي لدى عربي يقرأ بالإسبانية أو العبرية عند جماليات اللغة وتركيب الصور المبتَكَرة في النص أم أنَّ تأثير الأبجدية في التلقي هنا يتوقف عندما يتصل الأمر بتناقضات الروايات التاريخية وتضادها في أحيان كثيرة؟

كاتب سوري

14