وهم أوزفيل

الجمعة 2017/06/16

ساحر مدينة “أووز” في نسختها اللبنانية هو الفنان/المواطن عياد ناصر، أما البقعة الغرافية لهذه المدينة الوهمية، فهي منطقة الأوزاعي القائمة على الساحل الجنوبي لمدينة بيروت بالقرب من مطار رفيق الحريري الدولي.

ومن المعروف أن هذه المنطقة تعاني الكثير من الإهمال والفقر، وقد يعود ذلك إلى أن عماراتها وأحياءها مبنية بشكل غير شرعي على أراض خاصة وعامة مخالفة لأبسط معايير الهندسة والسلامة العامة.

وحاولت السلطات الرسمية عبر سنوات إزالة المنشآت العشوائية وأخفقت في ذلك لأسباب سياسية معروفة، لتقف شاهدة بعد ذلك على امتداد وتسارع حركة البناء دون قيد أو شرط.

أطلق عياد ناصر على “مدينته” غربية النكهة اسما أجنبيا، وهو “أوزفيل”، ربما نسبة إلى الفيلم الكلاسيكي الأميركي الشهير “ساحر أووز″، ثم شرع في تحويل الأوزاعي إلى “أوزفيل” البحرية بمساعدة فنانين أجانب وبعض الفنانين اللبنانيين و”تجميلها” من خلال طلاء الأبنية بالألوان الصاخبة ورسم الغرافيتي على جدران المنازل المُنهكة.

ويُذكر أن من الرسومات أكثر من رسم يجسد كاريكاتيريا وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقد شارك في مهمة “محاولة تبديل مشهد الفقر والحرمان” أو الأجدر القول، محاولة تمويه المشهد وستر دلالاته الاجتماعية والسياسية والبيئية، أطفال من المنطقة.

لا يمكن إنكار أن لهذا المشروع إيجابيات عديدة من ضمنها مشاركة الأهالي ولا سيما الأطفال في التلوين ورؤية الحياة من منظار الفن مفتوح الأفق، بعيدا عن نظرية “إما قاتل أو مقتول”، وأيضا يُعد الاختلاط بفنانين أجانب أمرا إيجابيا جدا، لأنه يؤمن اللقاء مع الآخر المختلف والشبيه في آن واحد.

كما يؤكد مجددا مشروع تلوين مظهر الواجهة البحرية لبيروت على أنها مدينة منذورة للتناقض ومجبولة بالتناقض، إضافة إلى ذلك لا يجب إغفال المبادرة الفردية التي جعلت هذا المشروع ممكنا، وهي أيضا تأكيد على أن المبادرات الفردية هي أكثر ما يحرك الساكن في مدينة تقاوم الاختناق تحت ضربات الفساد المتتالية، وإن كانت في أحيان كثيرة تخفق في تحقيق ذلك عن غير قصد.

ولكن، ومن الناحية الأخرى يلفت تنفيذ المشروع إلى سذاجة قصوى في النظرة إلى الألوان، فليس للون قيمة إيجابية بحد ذاته، بل يمكن أن يعكس هولا وتشويها وبشاعة، وليس بالضرورة أن يكون اللون، دائما، مهرّجا أو مهرجانا يزرع الفرح والحياة أينما حلّ.

وتكفي رؤية استخدام الألوان الأكثر “فرحا” في أخطر اللوحات التشكيلية المعبرة عن الرعب والموت والأفخاخ المموهة التي تنتظر ضحاياها في سكون احترافي، ونذكر أيضا في هذا السياق أفلام الرعب التي توظف الألوان الصاخبة لإرساء جوّ أصم يُنذر بالأسوأ.

عدا أن معظم الرسومات المنفذة في منطقة الأوزاعي تتميز بنفحة غربية بارزة مسكوبة على جدران هشة ومتقشرة، تريد غير صخب الألوان، لكي تعيش فعلا في حيز آخر، وحتما ضمن منطق آخر.

ويتمنى مؤيدو حملة التلوين العشوائية أن يتمكن عياد ناصر من تلوين كل الشوارع الفقيرة في بيروت، ويتمنى الآخرون ألا يتمكن من ذلك حتى لا تصطبغ الألوان المُستخدمة حينها بقهر ساكني الشوارع وليس العكس، وأيضا كي لا يستحيل البلد إلى مهرج فوضوي وعملاق يضحك في وجه سكانه وزائريه ضحكته المرعبة والنتنة التي تخفي النخر والتشظي وكل شيء بعيد كل البعد عن الفرح.

ربما لئن كان لا بد من “تجميل” تلك المنطقة فزرع النباتات التي تعيش في المناخ البحري، أو ربما ترميم ما يمكن ترميمه حتى إشعار آخر يتعلق بقانونية ما يحدث في تلك المنطقة وغيرها من لبنان، أصوب من رسم ابتسامة متشنجة على وجه منطقة ستغرق بالأمطار والنفايات عند أول زخة مطر شتوية، لتستحيل الألوان المتحللة والمتقشرة إلى ذكرى حزينة تضاعف من مأساوية النظرة إلى الحياة، ولتصبح مُدرجة، هي الأخرى، في خانة الأسى مهما تورّدت نبراتها.

ناقدة لبنانية

17