وهم الحب

الخميس 2016/08/18

طالما تساءلت عن أفضل طريقة تحافظ بها المرأة على رجل تحبه، فلا تفقد مع الوقت حبه لها واهتمامه بها، أو العكس، كأن تفقد امرأة الاهتمام والعناية بالرجل الذي تحبه أو أحبته يوما. الحياة معقدة، كما نعرف، والبشر يدخلون بعد فترة من الحياة معا في دائرة الروتين اليومي الممل، فيتحول الحب إلى نوع من الاعتياد على وجود الآخر.

لكن ماذا عن الشغف، الجنون، الاندفاع، ولهاث القلب الذي تبدأ به علاقات الحب؟ أين يذهب كل هذا مع الوقت؟ كيف نستعيده لو أحببنا؟ وهل يمكن لهذه الحالة أن تستمر معنا مدى الحياة؟

الباحثون يقولون لا، فالحب، وفق دراسات كثيرة، لا يعيش أكثر من عامين أو ثلاثة على أقصى حد، على الأقل الحب بمفهومه الذي ذكرناه سابقا، أي ذلك الدوران اللاهث للدم في عروقنا، قلوبنا التي تكاد تتوقف من لمسة واحدة، جلدنا الذي يتحول إلى نيران تنهشنا حتى نكاد نشم حروقه. لهفتنا، نومنا المتقطع، السعادة التي تغمرنا، وإحساسنا بالجمال وبأنفسنا، وهو ما ينتج عن الهرمونات التي يفرزها المخ مثل هرموني “دوبامين”، و”اندروفين”.

هذا ما يؤكده باحثون في موضوع الحب، مثل الباحثة الفرنسية في علم الأعصاب، لوسي فانسون، التي أصدرت كتابا بعنوان “كيف يحدث الحب؟” شرحت فيه العوامل الفيزيائية والعصبية التي تحدث للبشر عندما يحبون، ولماذا يختارون شخصا دون غيره، ووافقها الباحث الأميركي ويليام روبنسون في أن الحب يحدث من خلال الدماغ عبر إفراز هرمونات معينة، لا تستمر في الغالب أكثر من ثلاث سنوات، مشبها الأمر ببطارية تنتهي صلاحيتها بعد هذه الفترة.

ربما لهذا السبب قال الشاعر محمود درويش في واحدة من قصائده “لا أريد من الحب إلا البداية”، وربما لهذا السبب أيضا يكتب بعض الشعراء فقط عندما يكونون في حالة حب. يبدو الأمر محبطا على نحو ما، فإذا كان الحب لا يستمر أكثر من 3 سنوات، فما هذا الذي نشعر به إبانها؟ وماذا يحدث بعد أن يتركنا؟

الأرجح هو أن الحب في مفهومه الكاسح، الجارف، العنيف يتحول إلى محبة هادئة، ناعمة، مستديمة، ومتسامحة، وهي التي تبقى ترافقنا لسنوات طويلة، لأنها أقل اندفاعا، وأكثر قدرة على التعايش مع الهزات والأزمات، وبالتالي أطول عمرا من الحب.

الذين يتساءلون عن كيفية استعادة الحب، عليهم في هذه الحالة، ألا يستعيدوه، وإنما أن يذهبوا به إلى الأمام، إلى المرحلة التي يتحول فيها من حالة، إلى حياة، ومن القوة والاندفاع، إلى التسرب الهادئ الجميل، ومن العنف، إلى التسامح واللين والتقبل.

وحدهم الشعراء والموهوبون سيظلون في بحث دائم عن تلك النار التي تندلع فجأة في صدورهم فتوقظ أرواحهم وتفتح وجدانهم، وتحرك أحاسيسهم حتى حدها الأخير، ذلك أن الحب أكثر الأدوات قدرة على استنفار الحواس وإلهامها، وتحفيزها. الحب بهذا المعنى، حالة شعرية، أو فنية، أكثر منه حقيقة ملموسة، وربما لهذا السبب لا يعيش طويلا، إلا إذا ارتبط بعوامل مثل الحرمان والشوق وعدم بلوغ المحب لحبيبه، فيتحول من شعور إلى هوس وذهان.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21