وهم المثقف

الجمعة 2016/07/01

تعلمنا أن آفة الرأي الهوى، وأن المبالغة في تقدير الأشياء وحجمها لا تقل خطورة عن التشدد، ولم يعلمنا كائن في عالمنا العربي الآني أن التمسك بالثوابت له ضريبة يجب أن تُدفع وأن نقبل بها، لا أن نزايد عليها ولا أن نتاجر بها. ربما بتأمل بسيط لوضعنا العربي عامة والمصري على وجه الخصوص، سندرك أن ثمة آفة جديدة للرأي غير الهوى تتشكل، أميل إلى تسميتها آفة “وهم المثقف”. فما تلك الآفة؟ وكيف تشكلت؟

تتكون الآفة إذن من كلمتين، الوهم والمثقف. ولو أردنا معنى الأولى سنجده طبقا لما تخبرنا به قواميس اللغة بأن كلمة “وَهْم” اسم من الفعل “وَهَمَ”، أقربها وأكثرها شيوعا في الاستخدام المعني عن التصور والتخيل، وفي معنى آخر نجدها بمعنى اللغط أو اختلاط الأمر كأن نقول “وَهم الرجل في صلاته”. والحقيقة أن الأمرين –الخيال والتصور، واللغط والخطأ- لهما تماس بدرجة ما. ففي ظني أن التصور والتخيل في درجات منه يُحدث لغطا ويربك التراتب المنطقي للأشياء فتبدو لأول وهلة بأنها خطأ وغير منطقية، وهو ما يميز صاحب الخيال والتصور عن شخص يفتقر إلى التخييل، بل هو نقطة إبداع المرء حين يكسر من خلالها حدود المنطق ويطلق التصورات التي لا يعتادها العامة. الخوف فقط أن يتحول ذاك التصور والتخيل إلى مرض ومتلازمة تطارد صاحبها غير منتبه إلى ضرورة التفريق بين ممارسته لها كمبدع وبين خطورتها في منطقة الواقع اليومي المُعيش.

وأما الكلمة الأخرى “المثقف”، فهي اسم مفعول من الفعل “ثَقَفَ”، والمثقف هو شخص له معارف ما غير محددة بمستوى تعليمه إن كان عاليا أو متوسطا، ومن الكلمة ينبني مصطلح “النخبة المثقفة” للدلالة على هؤلاء من أصحاب الفكر والمعارف. وفي واحد من مادة الكلمة الصرفية يأتي “المثقِف” –بكسر القاف- كاسم فاعل، فهو المهذب والمعلم المربي.

إذن لماذا يصير المصطلح هنا آفة؟

الحقيقة أن ذلك أساسه الشك في حقيقة تلك المعارف التي حصلها المثقف المصري في الآونة الأخيرة، خاصة في السنوات بعد ثورة يناير، فعلى ما يبدو أنه كان ثمة انفجار للتخييل والتصورات المنبنية على معارف غير منضبطة بالأساس وغير متيقن من صدقها ودلالاتها للارتكاز والبناء عليها. ربما كانت طبيعة الثورات في التاريخ الإنساني وما يصاحبها من حالات انفجارات إبداعية طارئة أوقعت البعض في وهم التصورات، بل وبنى عليها

ما اعتبره حقيقة مطلقة، ونادى بها، بل وتمترس حول ذاك الوهم باعتباره الحقيقة المطلقة.

لنأخذ مثالا بسيطا للوضع المصري وما حدث من انقسام في الرأي العام حول قضية فاطمة ناعوت وقبلها إسلام البحيري، ونحاول ربط مواقف المثقفين حول القضيتين، وبعيدا عن الموقف الأخلاقي أو الأدبي والكتابي مما قدمه النموذجان على اختلافهما، إلا أننا سنجد ذاك الوهم متأصلا في بعض تلك المواقف.

هؤلاء الذين سيطر عليهم وهم المثقف وراحوا ينعزلون في دوائرهم المغلقة أكثر وأكثر، للأسف لم تكن عزلتهم تلك عزلة المنتج المبدع المثير للشك في كل المسلمات التي يُدجن عليها الشعوب، إنما تحولت إثر هذا التوهم العظيم والتصورات التي تنبني عليه، إلى ما يشبه فوبيا المؤامرة، ويظل أسيرا لبراغماتيتها دون انتباه إلى أن الأحداث على الأرض كل يوم تتخطاه، وتبتعد عن دائرته التي أغلقها حول نفسه، فصارت معاييره للفن هي وحدها المعايير الصحيحة، وصار رأيه في الأدب هو وحده النقد المعتبر، وصار كل ما حوله مهددا لوجوده المنعزل ذاك، دون وعي منه أنه انعزل بالفعل، وربما للأبد، ولا أمل في عودة حكيمة تبصر وترى وتتماهى وتعرف كيف تتواءم وتتكيف لنشر ما ادعته في بداياتها حين قررت أن تكون ذاك “الكائن المثقف” قبل أن يتلبسه الوهم والتوهم، ويقعره في دائرة لا مناص منها.

وطبيعة هذا الوهم أنه سريع وحاد وغاضب وعالي الصوت، إلا أنه ضعيف الطاقة، فقد استهلكته عزلته حتى النخاع ولم يعد لديه ما يدعمه من داخله المبدعة نفسها التي راحت تكرر نفسها في كل ما يقدمه لمن أدخلهم تلك العزلة، ويتكور عليه في ذهنية راسخة بأنه المبدع المُلْهَم الذي فاز بعطية الإلهام، فكشف التخبط والزيف ولديه كل الحقائق، دون التورع عن تقديمها في شكل هزلي إلى هؤلاء الذين أدخلهم عزلته وغشيهم نفس التوهم.

كاتب من مصر

14