وهم النفوذ الجزائري وتصدير المصالحة الوطنية

الخميس 2014/10/02

في العدد الصادر في هذا الشهر من المجلة الأميركية “ناشيونال انترست” نُشر مقال للباحث والمعلق السياسي المتخصص في شؤون شمال أفريقيا عماد مسدوه بعنوان “بدأت الجزائر تخرج من قوقعتها”. من الواضح للعيان أن دلالة عنوانه هذا تشير إلى أن النظام الجزائري قد شرع في التفكير في التطورات السياسية والأمنية في البلدان المجاورة لها. ولكي يبرر الباحث عماد مسدوه فرضيته، فإنه قام بتذكَيرنا بتراث الجزائر الخاص بعلاقاتها الخارجية المؤسس على عدم الانحياز، وعلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول سواء كانت مجاورة تشترك معها في الحدود أو كانت في أماكن أخرى بعيدة عنها.

إلى جانب هذا فإنه قد قدم مثالا للاستدلال على صحة فرضيته قائلا: “عندما فكرَت القوى الغربية في عام 2012 في عمل عسكري ضد المجموعات الجهادية في شمال مالي فإن الوفود الدبلوماسية الأوروبية والأميركية لم تنجح في محاولتها أن تكسب تأييد مسؤولي الحكومة الجزائرية”. في هذا السياق فإن مسدوه يقصد تلك الزيارات التي قام به، حينذاك، كل من وزيرة الخارجية الأميركية، ووزير خارجية فرنسا لوران فابيوس، فضلا عن عدد من المبعوثين الأوروبيين والأميركيين الكبار في عام 2012 لإقناع الجزائر بدعم التدخل العسكري والمشاركة فيه عسكريا.

لاشك أنَ هذه الفرضية والاستنتاجات هي في جملتها ليست صحيحة مئة بالمئة. صحيح أن النظام الجزائري لم يتورط عسكريا بشكل مباشر ومكشوف في مالي، ولكنه قد رضخ لمطلب فرنسا الأطلسية المتمثل في استخدام الأجواء الجزائرية كمنصَة مرور للطيران الحربي الفرنسي لتنفيذ مهامه في هذا البلد الأفريقي الجار. ومن جهة أخرى فإن عماد مسدوَه يرى أنه بإمكان الجزائر، التي تعرف استقرارا ماليا، وتملك معرفة بالجهاديين الإسلاميين، وتجربة في التصدي للإرهاب على مدى العشرية الدموية في فترة التسعينات من القرن الماضي، أن تصبح المرشح الأول للقيام بدور شرطي المنطقة. بهذا الخصوص بالذات يعتقد هذا الباحث أن “القيادة الجزائرية قد أظهرت، دائما، ممانعة كبيرة في تولي دور قيادي مؤكد وواضح في منطقة النفوذ التقليدي لبلادها، وأنَ هذا هو الوضع بالنسبة لقضايا الأمن على نحو خاص، حيث ابتعدت الجزائر عن القيام بعمل “الشرطي” في منطقة الساحل في أزمنة الأزمة”.

أعتقد أن تأويلات عماد مسدوه ذات بعد واحد ولا تكشف بوضوح ودقة عن الأبعاد والأسباب الذاتية، أي الداخلية التي تحول دون أن تلعب الجزائر دورا مؤثرا في منطقة شمال أفريقيا من ناحية، وفي الفضاء الأفريقي والعربي أو الدولي من ناحية أخرى.

أبدأ بدحض الأطروحة التي تتحدث عن وجود نفوذ جزائري في الفضاء المغاربي، وفي منطقة الساحل على ضوء حقائق التاريخ، والاقتصاد والاستثمار بكل أنواعه، والثقافة والإعلام، والتربية والتعليم، وترابط المجتمع المدني، وتكامل الموقف السياسي تجاه أمهات الأزمات والقضايا.

في هذا السياق فإن الجزائر المستقلة لم تبن أية شراكة عضوية حقيقية مدعمة بالمؤسسات ذات الطابع البنيوي السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو الإعلامي في هذه الفضاءات المتاخمة لحدودها. وبالعكس فإن علاقاتها الاقتصادية الأساسية ليست مع هذا المحور التاريخي القديم، وإنما مع المستعمر والمتمثل الآن في المحور الفرنسي/ الأطلسي بالدرجة الأولى، وتأتي في الدرجة الثانية الصين والبرازيل وروسيا وبعض دول النمور الاقتصادية في العمق الآسيوي. أما على صعيد بناء الشراكات الثقافية والإعلامية والتعليمية المصيرية فلا وجود لدور جزائري في بلورتها وتنفيذها، عدا فقاعات بعض المظاهر الموسمية الشكلية التي لا تشكل أية قاعدة صلبة تبنى على أساسها استراتيجيات فاعلة بموجبها يتحقق التكامل الذي يبرز على أساسه النفوذ أو التأثير الجزائري المزعومين سواء في شمال أفريقيا أو المشرق أو منطقة الساحل أو في العمق الأفريقي.

جراء هذا بقيت المنطقة المغاربية، والعربية في المشرق، وكذلك العمق الأفريقي مسرحا للنفوذ الغربي وهو الوضع الذي يقلب الطاولة على حقائق التاريخ المعاصر وفي المقدمة تاريخ التحرر الوطني الجزائري نفسه. نعم، لا أحد ينكر العامل الذاتي في حركة التحرر الوطني الجزائري ودوره في معادلة قهر الاستعمار الفرنسي في الجزائر، ولكن لابد من التوضيح أيضا أن الدول المجاورة مثل تونس وليبيا والمغرب قد لعبت دور الحاضنة التاريخية للكفاح الوطني الجزائري المسلح سياسيا ولوجيستيا وماليا، مثلما قامت بتسهيل دخول السلاح لصالح المجاهدين الجزائريين من بوابات حدودها.

وفضلا عن ذلك فإن دولا عربيا ساندت الجزائر وفي المقدمة العراق الذي لا يجب أن ينسى لأنه كان قد قرَر ميزانية مالية معتبرة مستمرَة لصالح حركة التحرر الوطني الجزائري، إضافة لدعمه السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، كما أن مصر-رغم سلبية ما روَجه فتحي الديب/ الشخصية المصرية الأمنية المتنفذة في عهد عبد الناصر، من مزاعم الوصاية المصرية المطلقة على الكفاح الجزائري- لم تقصر إعلاميا ودبلوماسيا وفي مجال تزويد الكفاح الجزائري بالأسلحة، سواء دفع ثمنها من صناديق الثورة التحريرية الجزائرية المودعة في القاهرة، أو من ميزانية الشعب المصري. إضافة إلى ما تقدم فإنه ينبغي التذكير بالدعم الذي قدمته القوى الدولية المناهضة للاستعمار الفرنسي/ الغربي، والذي استفادت منه حركة التحرر الوطني الجزائري.

إن هذا البعد التاريخي البارز والمهم لم يستثمره النظام الجزائري ماديا ووفق خطة استراتيجية دائمة تضمن تشييد فضاء التعاون الحقيقي والمبدئي المؤدي تدريجيا إلى تشكيل تحالف أمني واقتصادي وثقافي وإعلامي وسياسي ودبلوماسي وعسكري، تتحرك الجزائر في فضائه في إطار النفوذ القوي المشترك في الساحة الدولية. أما ما يتعلق بما يقال عن تصدير المصالحة الوطنية التي أعقبت العشرية السوداء إلى ليبيا فإن المعارضة الجزائرية، بغض النظر عن مشكلاتها وعدم فاعليتها ميدانيا، فإنها “تنتقد عجز المصالحة داخليا” في الوقت الذي “تبحث السلطة عن تصديرها إلى الخارج” حسب التعليق الذي نشرته جريدة الخبر الجزائرية التي لاحظت أنه منذ “صدور ميثاق السلم” قد تمَ “القضاء على 17 ألف إرهابي” الأمر الذي يعني في التحليل الأخير أن الصراع المسلح لا يزال قائما في الجزائر. ومن جهة أخرى فقد نقلت الجريدة نفسها عن فطيمة يوس رئيسة جمعية المفقودين في العشرية السوداء قولها إن ميثاق السلم هو “بمثابة تعذيب معنوي لعائلات المفقودين”.


كاتب جزائري

9