وهم ريادة القطاع العام

الفساد الذي أصاب الهيكل العمومي، أشبه بالفيروس الذي ينتقل من الأعضاء التالفة إلى الأعضاء السليمة، ولا يمكن التداوي منه إلا بالبتر والحسم.
الثلاثاء 2019/03/12
أبواب موصدة

من يتحمل مسؤولية الجريمة التي هزت الوجدان التونسي الأسبوع الماضي، وكان مسرحها قسم الولادات في أحد المستشفيات الحكومية بالعاصمة التونسية، وتمثلت في التسبب بوفاة 12 رضيعا بفعل السيروم الملوث؟ لا يمكن التعليق على هذه المجزرة إلا بالغضب ثم الحداد ثم الغضب من جديد، إلى أن يُنقّى الجسم الطبي والإداري والسياسي من لوثة الجشع والفساد عبر محاكمة عادلة وحاسمة تقتص لهؤلاء الرضع الذين تسلمت عائلاتهم جثامينهم في توابيت كرتونية إمعانا في الإهانة والاستهتار.

هل كان بإمكان هذه المجزرة أن تحدث في إطار مؤسسة طبية ذات كادر صحي وإداري تراعى في عملية توظيفه شروط الكفاءة والصرامة والخضوع لسلطة القانون، بعيدا عن لوثة المحسوبيات والتراخي والاستسهال التي يعاني منها القطاع العام في البلاد العربية وباقي بلدان العالم الثالث؟

المؤكد أن ما يعرف بالقطاع العام في بلداننا ليس كنظيره في بلدان أوروبية مازالت تعول عليه وتحترم وجوده كضامن للفئات العريضة من ذوي الدخل المحدود، وكابح لتغول رأس المال كما هو الشأن في بلدان مثل فرنسا أو السويد، بل هو مرتع للفساد والتسيب أمام غياب سلطة القانون في بلداننا.

حتى هذه البلدان التي عرفت بإصرارها على عدم التفريط في القطاع العام بالشكل الكامل لاعتبارات سيادية ورقابية، خصوصا في الهياكل والقطاعات الحساسة مثل الصحة والتعليم والنقل، بدأت تعيد حساباتها لما لاحظته من تدنّ في الخدمات وخسائر في النفقات مقابل القطاع الخاص وما يوفره من عروض تنافسية.

بعض الأوساط اليسارية والهياكل النقابية التي ما تنفك تطالب الدولة بـ”عدم التفريط في القطاع العام”، تضغط عليها وتهددها بالإضرابات وشل حركة الإنتاج، هي في مجملها تعمل وفق مقولة “كلمة حق يراد بها باطل”، ذلك أن قسما كبيرا منها ينهج نحو خداع فئات عمالية بسيطة، وإيهامهم بأنهم يعملون لصالحها، في حين أنهم يجدون من القطاع العام وحالات التسيب التي تنهشه مرتعا للفساد والتكسب.

الدولة التي تصر على وهم ريادة القطاع العام كضمان لحماية الفئات الفقيرة في المجتمع، لم يعد بإمكانها إلا إدارة الفساد والتشجيع والتكتم عليه
 

زعامات حزبية عمالية ونقابية كثيرة بنت أمجادها على المتاجرة بمصلحة العمال والفقراء في العالم الثالث، وكانت النتائج كارثية كما هو الحال في بلدان من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية حتى أوروبا.

معظم الحلول التي حاول خبراء اقتصاديون محافظون اجتراحها في سبيل إنقاذ القطاع العام وتحسين قدراته التنافسية فشلت فشلا ذريعا، ومنها تطعيمه بالقطاع الخاص، ذلك أن الفساد الذي أصاب الهيكل العمومي، أشبه بالفيروس الذي ينتقل من الأعضاء التالفة إلى الأعضاء السليمة، ولا يمكن التداوي منه إلا بالبتر والحسم.

خبراء اقتصاديون كثيرون يعتقدون أن الوصفة الأمثل للأمراض التي تعاني منها الدول المترددة في مسألة الخصخصة بذريعة حماية صغار الموظفين، هي القطاع الخاص نفسه وقد أضيفت إليه الضمانات الاجتماعية. أما القائلون إن القطاع العام يوفر نوعا من الأمان فهم واهمون، ذلك أن ضمان الوظيفة لا يؤدي إلا إلى الخمول والكسل وقتل روح المبادرة والإبداع لدى العامل وسعيه للارتقاء الوظيفي وتطوير الذات في زمن العولمة والثورة الرقمية والتنافسية العالمية.

بات لا يختلف اثنان في أن القطاع الخاص يوسع الاستثمارات ويوفر فرص عمل ويمنح أجورا أعلى، بدلا من القبول بشروط دنيا للعيش بدافع وهم البحث عن أمان والخوف من شبح البطالة.

الطبقة العاملة في أوروبا وصلت إلى مستوى عال من الرفاهية على الرغم من أزماتها الحالية، والتي سوف تكون عابرة بلا شك، حيث تتمتع هذه الطبقات بشبكات الحماية الاجتماعية وتتملك أسهم الشركات، ولم تعد تحتاج إلى اللجوء للإضراب، على غرار ما كان يحصل في النصف الأول من القرن الماضي وما قبله.

مازالت أحزاب عمالية ومنظمات نقابية في بلدان عربية مثل تونس والجزائر وغيرهما، تتمثل نوعا من “الطهر العقائدي” وتتمسك بالإبقاء على هيمنة القطاع العام بدوافع شعاراتية واهية، متناسية أن دولا مثل ماليزيا وفيتنام والهند والصين قد خصخصت اقتصادياتها، سعيا وراء التوزيع الأكفأ للموارد وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني ورفع معدلات النمو وتوسيع فرص العمالة، وقد نجحت في ذلك نجاحا مبهرا.

الدولة التي تصر على وهم ريادة القطاع العام كضمان لحماية الفئات الفقيرة في المجتمع، لم يعد بإمكانها، وفق التغيرات الدولية واقتصاد السوق، إلا إدارة الفساد والتشجيع والتكتم عليه، والأمثلة كثيرة وتتكرر على شكل فواجع كل يوم.

12