وهم 28 و29 نوفمبر في مصر

الاثنين 2014/12/01

النتيجة التي خرجت بها مظاهرات يوم الجمعة الماضي في مصر، تقول إن الكـل خسر أوراقا ثمينة، الجبهة السلفية التي دعت إلى المظاهرات، وجماعة الإخوان التي حاولت ركوب الموجة، ومن لف لفهما من الحركات الإسلامية، فقد انكشف الوزن النسبي لهؤلاء، وبدا أنه ضئيل للغاية، ولن تثير أي دعوة أخرى أحدا، لا بالتعاطف معها، ولا الخشية منها، فالجميع تيقن أن الهالة التي أحاطت بالثورة الإسلامية المزعومة، دعائية وبلا مضمون حقيقي على الأرض.

حتى جهاز الأمن المصري، الذي بدا أنه تفوق يوم الجمعة بالضربة القاضية، خسر في المقابل جانبا من رصيده المعنوي، فالتضخيم والتحذير والتخويف من المظاهرات، إلى حد المبالغة، لم يكن يتناسب مع الحصيلة النهائية، التي أفرزها خروج الإسلاميين الضئيل إلى الشوارع، الأمر الذي ترك انطباعات سلبية، حيث أوحى استنفار جهاز الأمن لكثيرين أنه لا يزال قلقا من مظاهرات الإخوان، بما يتعارض مع تقارير رسمية سابقة ذهبت إلى القول بتضاؤل قدرتهم على الحشد إلى أدنى صورها.

نعم خرج بضع مئات من عناصر الإخوان إلى الشوارع، وارتكبوا بعض أعمال العنف، والتي وصلت إلى حد مصرع وإصابة أكثر من عشرة أفراد من الضباط والجنود، لكن النتيجة العامة غير منسجمة مع قوة الاستعداد والجاهزية والاستنفار، التي ظهرت في تحركات قوات الأمن، بالتالي فالتصور الاستثنائي لهذا اليوم، بقدر ما يحسب لمسؤولي الأمن في مصر، بقدر ما يمكن أن يحسب عليهم أيضا، ففي الأولى، تعززت معاني الجدية والالتزام والحسم وعدم التهاون أو التفريض في أمن البلاد، لكن الثانية أوحت بعدم القدرة على التوقع بدقة، وأن “الفوبيا” أو عقدة الخوف التي تسببت فيها أفعال الإخوان وحلفائهم خلال الفترة الماضية، دفعته إلى المزيد من الحذر، والإقدام على اتخاذ إجراءات غير مسبوقة، بشكل ربما أضر بمصالح المواطنين، وأساء إلى صورة رجل الأمن الواثق من نفسه، وجعلها موضع “اهتزاز”.

في اعتقادي، أن هناك أهدافا خفية من وراء خلق “وهم” اسمه 28 نوفمبر، عند الإخوان وجهاز الأمن، على حد سواء، فاليوم لا معنى سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا له، وقد مرت مناسبات أكثر أهمية وأشد حساسية (مثل ذكرى عزل محمد مرسي أو فض اعتصام رابعة) ولم تشهد مصر الحالة التي كانت عليها يوم الجمعة الماضي، من مبالغة في التعويل عليه، من قبل الجماعة، ولا حتى في درجة الاستنفار التي ظهر عليها جهاز الأمن المصري.

مع أن الدعوة إلى المظاهرات لم تكن إخوانية في الأساس، غير أن الجماعة دخلت على خطها بسرعة، وحاولت توظيفها سياسيا، لإحراج جهاز الأمن، وإرباك التصورات والخطـوات التي يسير على هديها النظام المصري، لكن كالعادة جرت الرياح بما لا تشتهي سفن الجماعة، فقد انكشف حجمها الهين أمام العـالم، وطفت على السطح سلسلة جديدة من التناقضات، تمثلت في اتساع الفجوة بين الشيوخ والشباب، وبدا كأن جهازها الإعلامي يسير في واد، ووسائل الإعلام المحلية، وحتى العالمية، تسير في واد آخر، عندما بالغ أنصار الجماعة في أعداد المتظاهرين، وكشفت الكاميرات ضآلة هذه الأعداد بلا مواربة.

الجماعة تعمدت المبالغة في عرض ما أسمته بالحشود الإخوانية، والقبضة الأمنية، وضاعفت أرقام ضحاياها، بينما عدد الضحايا في صفوف جهاز الأمن أكبر من المدنيين، من هنا تحول ما وصفه مراقبون بـ“معركة النفس إلى الأخير” إلى “خروج النفس الأخير”، بمعنى انتهاء زمن الرهان على مظاهرات الإخوان، كما انتهت لعبة السياسة معها على الطريقة، التي كان يجيدها نظام حسني مبارك، وتقلصت قدرتها على ممارسة العنف والإرهاب إلى صورة متدنية.

في المقابل، بدا جهاز الأمن مثل الفيل الذي يصارع نملة، فلم تكن الإجراءات الصارمة التي اتخذها خلال الأيام الماضية للتصدي للمظاهرات متناسبة مع الحدث، وبدت في نظر كثيرين على قدر لافت من التضخيم، لذلك فسر البعض الأعداد الكثيفة في الشوارع، كنوع من احتياطات الأمن، تحسبا لحكم البراءة المنتظر في محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك، في اليوم التالي لمظاهرات الإخوان، لقطع الطريق على تظاهر الشباب، ومنع الإخوان وحلفائهم من الاستفادة من الوضع، وقد نجحت خطة الخداع الأمنية في تمرير يومي 28 و29 نوفمبر بصورة سلمية، وأقل خسائر ممكنة.

الحاصل أن بعض الجهات الأمنية، خشيت أن يتحول يوم براءة مبارك إلى نقمة على النظام المصري الحالي، الذي سمح بالظهور السياسي والإعلامي لكثير من رموز عصره، فيتم استلهام ذكريات ثورة 25 يناير 2011، لحث المواطنين على الغضب والخروج إلى الشوارع، بذريعة أن مبارك ورجاله عادوا مرة أخرى، ليتحكموا في جزء من المشهد السياسي العام، لكن مرور هذا اليوم مرور الكرام، أكد أن يومي 28 و29 نوفمبر الجاري من الأيام العادية، التي لم تترك بصمات قوية على حياة المصريين، وأن “الطنطنة” التي تعالت في عدد من وسائل الإعلام غرضها تمرير المناسبتين في هدوء، ولا أستبعد أن يكون وهم 28 نوفمبر جرى اختراعه لتمرير حقيقة 29 نوفمبر الجاري.

إذا كانت خطة الخداع الاستراتيجي مرت بسلام، فإنها خلفت وراءها شكوكا حول أي استنفار قادم، فقد كسب جهاز الأمن المصري هذه الجولة، لكن لا أدري كيف سيتعامل مع اللامبالاة المتوقعة، والتي يمكن أن تبدو عليها غالبية ردود أفعال المواطنين في مناسبات قادمة؟

من هذه الزاوية، مرجح أن يستغل الإخوان هذه الثغرة، ومحاولة الاستفادة منها مع حلول الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، فالبروفة التي جرت في 28 و29 نوفمبر تركت جملة من الثقوب السياسية، من الضروري علاجها مبكرا.


كاتب مصري

9