وهن سياسي بريطاني حيال إيران وقطر يضر بمصالحها

انتقد خبراء ومراقبون تردد الموقف البريطاني حيال إيران وقطر بعد ثبات دعمهما للإرهاب ونشرهما للفوضى في المنطقة. ورغم أن بريطانيا تعاني من هجمات إرهابية في الآونة الاخيرة، حيث يحاول داعش التربص بأمنها في رد انتقامي على التحالف الدولي، إلا أنها لم تبد صرامة في سياستها الخارجية، فبينما كان ترامب حازما في سياسته ضد التشدد الإسلامي، فإن موقف بريطانيا لا يتوافق مع المسعى الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمكافحة ظاهرة الجماعات والميليشيات الإرهابية التي تلقى دعما وتمويلا من النظامين الإيراني والقطري ويفسر ذلك برغبة لندن في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية من جهة، وبحالة الضعف التي تعيشها حكومة تيريزا ماي وانشغالها بالخروج البريطاني من أوروبا من جهة أخرى.
الخميس 2017/10/26
التركيز على ملف البريكست أفقد لندن بوصلة إدارة الملفات الكبرى

لندن - يشتد الجدل في بريطانيا حول الموقف الواجب على لندن اتخاذه إزاء إيران وقطر من زاوية مواجهة الإرهاب ومن زاوية موقع بريطانيا الأساسي ضد الإرهاب في العالم.

ويعود مصدر هذا الجدل إلى اتهامات تكال للحكومة البريطانية بأن موقفها من طهران والدوحة لم يكن حازما ولا يتوافق مع المسعى الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمكافحة ظاهرة الجماعات والميليشيات الإرهابية التي تلقى دعما وتمويلا من النظامين الإيراني والقطري.

وترى أوساط بريطانية مطلعة أن استغراق حكومة تيريزا ماي في مسألة البريكست وضع لندن في موقع مرتبك وهامشي في ما يتعلق بسياسة البلاد الخارجية.

وتضيف الأوساط أن بريطانيا التي تعمل على الخروج من الاتحاد الأوروبي لاستعادة استقلالها التاريخي العريق، تظهر ضعيفة ومتصدعة في مواجهة استحقاقات دولية كبرى تتطلب من بريطانيا، بصفتها دولة عظمى، أن تلعب دورا أساسيا، بل محوريا، تجاهها.

موقف بريطاني مرتبك

يستغرب دبلوماسيون أوروبيون فقدان لندن لبوصلتها في مسائل تتعلق بمواجهة الإرهاب، لا سيما وأن بريطانيا عانت بشدة من هذا الإرهاب ومازالت تعيش الحذر منه في كل ساعة.

وقال هؤلاء إن تقارير متخصصة علنية وسرية صدرت عن مؤسسات أمنية بريطانية كانت اتهمت خلال السنوات العشر الأخيرة إيران وقطر بالتورط في علاقات ملتبسة مع جماعات إرهابية، ومع ذلك فإن موقف لندن هذه الأيام يسعى لمسك العصا من الوسط وعدم اتخاذ مواقف واضحة قد تساهم في وقف سلوكيات داعمة وممولة للإرهاب باتت في العقود الأخيرة من عاديات مشهد القرن الحادي والعشرين.

استغراق تيريزا ماي في مسألة البريكست وضع لندن في موقع هامشي في ما يتعلق بسياسة البلاد الخارجية

ونشرت صحيفة ديلي تليغراف مقالا لكون كوفلين، محرر الشؤون العسكرية، بعنوان “لا يمكن لبريطانيا أن تقف مكتوفة الأيدي حيال قطر”.

ويقول كون كوفلين إنه يجب الأخذ بعين الاعتبار تعليق ستيف بانون، الذي ساهم بدرجة كبيرة في رسم السياسة الخارجية الأميركية في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين قال إن أهم مواجهة في العالم الآن ليست مع تنظيم داعش، بل المواجهة بين المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية المعتدلة من ناحية وقطر من الناحية الأخرى بشأن دعمها للإرهاب والتشدد الإسلامي وعلاقاتها الوثيقة مع إيران.

وينقل عن مصادر برلمانية بريطانية أنه قد يكون جيدا وقف المهزلة القديمة التي كان يوصف بها الموقف البريطاني باعتباره تابعا في المجمل لموقف الولايات المتحدة الأميركية، لكن هذا المنحى لا يعني الانخراط في سياسات تختلف عن تلك التي في واشنطن حتى حين تدفع المواقف الأميركية باتجاه استراتيجيات تاريخية كبرى ضد الإرهاب، لا سيما في النسخة التي تنتجها طهران وشبكات الحرس الثوري في العالم.

ورأى خبراء بريطانيون في شؤون العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي أنه لم يعد جائزا التعامل مع هذه المنطقة تعاملا لا يرى من عواصم بلدانها إلا خزانا ماليا لا تفريق بين مواقفها وسياساتها وخياراتها.

وأضاف هؤلاء أن الموقف الذي اتخذته السعودية والإمارات والبحرين ومصر بمقاطعة قطر هو موقف شجاع واستثنائي وقاطع ضد دعم وتمويل الإرهاب في العالم، فيما تعاملت معه بريطانيا بصفته نزاعا محليا ليس في مفرداته ما يتسق تماما مع تقارير المخابرات البريطانية نفسها ومع مواقف سياسية سابقة صدرت عن لندن في مسائل إدانة تمويل الإرهاب والدول الداعمة له.

ويقول كوفلين في مقال بصحيفة ديلي تلغراف إن الخلاف الدبلوماسي بين قطر والسعودية والإمارات ومصر والبحرين تصدر عناوين الكثير من الصحف، ولكن القليل من خبراء السياسة الخارجية الأجانب تعاملوا مع الأمر بالجدية التي يتم التعامل بها مع قضايا خارجية أخرى مثل أزمة الصواريخ الكورية الشمالية.

وحذرت أوساط اقتصادية بريطانية من أن سعي لندن للحفاظ على علاقات مالية واقتصادية مع قطر بشكل متواز مع علاقات شبيهة مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، يعكس عدم إدراك الحكومة البريطانية بالجوانب التي تغيرت في المنطقة والتي خرجت عن تقاليدها القديمة.

ورأت هذه الأوساط أن القفزة النوعية التي تنتهجها الرياض، سواء في الرؤية 2030 التي يروج لها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أو في القرارات الجذرية التي أنشأت هيئة الترفيه والسماح للمرأة بقيادة السيارة، تتسق تماما مع روحية القرار الذي قادته الرياض لإحداث قطيعة مع قطر بصفتها داعمة للانغلاق الذي يمثله الإسلام السياسي وممولة للإرهاب الذي أساء لسمعة الإسلام المعتدل في العالم أجمع.

ولفتت هذه الأوساط إلى أن مستقبل بريطانيا الاقتصادي مع منطقة الخليج متوقف على مدى دعم لندن، كما عواصم دولية أخرى، للجهود التي تبذلها دول الخليج للاتساق مع معايير العصر.

شوارع لندن يتربص بها المتطرفون، في حين أن رد الحكومة البريطانية لا يبدو حازما تجاه من يقف وراء التطرف

والتقت هذه الأوساط مع المتسائلين عن موقف لندن الملتبس والرمادي إزاء جماعة الإخوان المسلمين التي خرج الإرهاب تاريخيا من معطفها منذ تشكلت على يد حسن البنا.

ويقول كوفلين إنه مع اقتراب نهاية العام الأول للرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، أصبح من الواضح أن ترامب ينظر إلى العالم على أنه منقسم إلى دول تؤيد الولايات المتحدة ومصالحها ودول لا تؤيد واشنطن.

وعند تطبيق ذلك على الشرق الأوسط، حسبما يقول كوفلين، فإن التطرف الإسلامي يمثل تهديدا للمصالح الأميركية، وبالتالي فإنه من المرجح أن تعارض الولايات المتحدة قطر وإيران اللتين لديهما باع طويل في دعم التطرف الإسلامي.

ونقل عن مصادر قريبة من وزارة الخارجية البريطانية أن جدلا يدور داخل جدران الوزارة حول الموقف الأصح الواجب أن تتخذه الدبلوماسية البريطانية لمقاربة ملفي قطر وإيران.

وأكد هؤلاء أن أجواء عدم رضا تسود الطاقم الدبلوماسي البريطاني جراء المواقف التي يتخذها وزير الخارجية بوريس جونسون والتي تبتعد في ميوعتها عن تقاليد السياسة الخارجية البريطانية.

وكشفت هذه المصادر أن موقف لندن الذي تجنب التحيز في مسألة النزاع مع قطر أوهم الدوحة بأن لندن تغض الطرف عن سلوكياتها، كما أوحى للبريطانيين أن لندن تتعامل مع قطر ومع الدول التي تقاطع دعم وتمويل الإرهاب بنفس القواعد والمعايير.

وفيما اعتبرت مراجع بريطانية أن تمسك جونسون بالاتفاق النووي مع إيران يتواءم مع موقف بقية الدول الموقعة على هذا الاتفاق ما عدا الولايات المتحدة، فإن منابر أخرى في بريطانيا حذرت من الإشارات المضللة التي يمكن أن يرسلها موقف لندن إلى النظام السياسي الحاكم في طهران.

ويلفت خبراء بريطانيون في الشؤون الإيرانية إلى أن الموقف الأميركي الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب أدى إلى انهيار آمال نظام ولاية الفقيه وحرسه الثوري بإمكانية التطبيع الكامل مع الدوائر السياسية والمالية والإقتصادية وفق القواعد التي يعمل وفقها نظام الجمهورية الإسلامية، وأن مواقف بريطانيا، إضافة إلى فرنسا وألمانيا، المتمسكة بالاتفاق أعادت إحياء الأمل لدى المحافظين الممسكين بالسلطة في إيران وسببت إحباطا لدى قوى الاعتدال والإصلاح والانفتاح والتغيير في هذا البلد.

ورأت مراجع بريطانية أن المواقف الخليجية الأميركية ضد قطر وإيران تعتبر فرصة تاريخية نادرة تضع خطا فاصلا وواضحا بين من يرفض الإرهاب وبين من يدعم الإرهاب، وأنه فيما كان تعريف الإرهاب ملتبسا في العقود السابقة، فإن العالم مجمع هذه الأيام على نفس التعريف الذي لا يختلف سواء ضرب هذا الإرهاب في الموصل أو لندن أو سيناء أو إسطنبول، وأنه من المخجل أن تتردد بريطانيا في اتخاذ موقف صارم في ما يحظى بإجماع أممي حياله.

ويقول مقال الديلي تلغراف إنه مع اقتراب الحملة العسكرية ضد تنظيم داعش من نهايتها، يتوجب على دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا أن تعمل معا وبقوة للحيلولة دون امتداد التشدد والتطرف إلى دول ومناطق أخرى.

ويرى كون كوفلين كاتب المقال أنه بينما يبدو ترامب حازما في سياسته ضد التشدد الإسلامي، فإن بريطانيا تبدو غير حاسمة في تعاملها مع الأمر وترسل رسائل متضاربة حيال قطر.

كون كوفلين: لا يمكن لبريطانيا أن تقف مكتوفة الأيدي حيال دعم قطر لمنظمات إرهابية

ضعف داخل حزب المحافظين

يرى مراقبون لحكومة تيريزا ماي أن رئيسة الوزراء البريطانية تعاني من ضعف داخل حزب المحافظين كما داخل ائتلاف حكومتها كما في مواجهة الاتحاد الأوروبي في مسألة التفاوض حول نسخ متعددة للبريكست. ويذكّر هؤلاء أن ماي حاولت في الأيام الأولى على رأس حكومتها بعد استقالة ديفيد كاميرون أن تستقوي بالتقارب مع المجموعة الخليجية كأداة من أدوات سلطتها الجديدة في لندن، ويحذرون من أن مواقف حكومتها من مسألة النزاع مع قطر ستكون أحد اسباب تراخي الهيبة البريطانية في العالم واقتراب صورة بريطانيا من صورة دولة هامشية تسعى بضعف لإرضاء كافة الأطراف.

ويقول كون كوفلين في الديلي تلغراف إن عدم اتخاذ وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون موقفا حازما قاطعا في ما يتعلق بأزمة قطر أغضب حلفاء بريطانيا في الخليج.

وأضاف أنه مع اقتراب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الحكومة تسعى لإيجاد فرص تجارية جديدة، ولهذا يتوجب على بريطانيا أن تعرف من يخدم مصالحها ومن يعاديها.

وعلى هذا يرى كون كوفلين أن ما يخدم المصالح البريطانية ليس بيع المقاتلات لقطر، ولكن توطيد الصلات مع حلفاء مثل السعودية. وطالب معلقون بأن تستعيد بريطانيا موقعها كدولة عظمى وأن تلعب دورا قائدا في الملفات الدولية الكبرى، لا سيما تلك المتعلقة بملفات دعم الإرهاب بالنسختين الإيرانية والقطرية.

ولفت هؤلاء إلى أن واشنطن تفتح ملف الإرهاب منذ ذلك الهجوم الذي طال ثكنة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في بيروت عام 1983، فيما تهمل بريطانيا مسؤولياتها في الرد على سلسلة طويلة من عمليات الإرهاب التي طالتها قبل شهور فقط.

6