وودي آلن أفلام جديدة وولع بإغواء الفتيات الصغيرات

الأحد 2015/02/22
مشهد من فيلم "منتصف الليل في باريس" واحد من أحدث أفلامه وأروعها

يعتبر المخرج الأميركي وودي آلن Woody Allen الإضافة السينمائية الأهم إلى الكوميديا السينمائية الأميركية منذ عصر الكوميديا الأول، عصر شارلي شابلن وبستر كيتون وأرنست لوبيتش والأخوين ماركس، وغيرهم. وهو نموذج للسينمائي الذي يعبّر من خلال أفلامه، عن رؤيته الخاصة للعالم، كما تحمل أفلامه بصمته الشخصية، وفلسفته الخاصة، مع قدرة واضحة، على لمس الكثير من الأفكار التي يمكن للمشاهد في أيّ مكان من العالم التفاعل معها، وهو أيضا فنان سينمائي شامل، فهو يكتب أفلامه ويخرجها ويقوم بدور البطولة فيها، ويكتب لها الموسيقى أحيانا.

أخرج آلن حتى الآن نحو خمسين فيلما منذ أن بدأ الإخراج قبل 48 عاما، وهو عدد كبير ربما لم يتوفر لمخرج أميركي آخر غيره إخراجه في هذه الفترة الزمنية. ومن بين أفضل 100 فيلم كوميدي في قائمة معهد الفيلم الأميركي، توجد خمسة أفلام من إخراج وودي آلن هي “آني هول” (يحمل الرقم 4)، و”مانهاتان” (رقم 46)، و”خذ الفلوس واجري” (رقم 46)، و”الموز” (69) وأخيرا “النائم” (80).

وحصلت أربعة من أفلامه على جائزة الأوسكار، كما وصلت أفلامه 28 مرة لترشيحات الأوسكار، 16 مرة لجائزة أحسن سيناريو، وسبع مرات لأحسن إخراج، ومرة واحدة لأحسن ممثل. والغريب أنه لم يحضر ولو مرة واحدة حفل توزيع جوائز الأوسكار، كما أنه لا يقرأ المقالات النقدية عن أفلامه، ولا يلقي بالا للسوق، أي ضرورة أن تحقق أفلامه عائدا ماليا ملموسا.

وودي آلن يعمل حاليا على الانتهاء من تصوير فيلم جديد سيكون -كالعادة- من تأليفه وإخراجه، لكنه لا يشارك في بطولته، كما كان الأمر في فيلمه الأخير مباشرة “سحر في ضوء القمر” Magic in the Moonlight. وستقوم ببطولته أيضا، إيما ستون (26 سنة)، الممثلة ذات العينين الواسعتين الزرقاوين، التي تألقت في فيلم “بيردمان” ورشحت عن دورها فيه لجائزة الأوسكار لأحسن ممثلة ثانوية. يشاركها بطولة الفيلم الجديد الذي يتكتم آلن على اسمه حتى الآن، جواكيم فينيكس وجايمي بلاكلي وباركر بوسيه.

وفي خطوة اعتبرت انقلابا كبيرا في مسيرة عمل المخرج الشهير أعلنت شركة أمازون أخيرا، أن وودي آلن سيقوم للمرة الأولى، بإخراج مسلسل تلفزيوني، لم يتمّ اختيار اسم له بعد، ولم تصرح الشركة المنتجة كذلك بعدد حلقاته، لكنها قالت إن الحلقة الواحدة ستدوم نصف ساعة. أما وودي آلن نفسه فقد علق على موضوع اتجاهه لإخراج مسلسل تلفزيوني بقوله وبطريقته المرحة: لا أعرف كيف تورّطت في هذا الموضوع، ليست لديّ أدنى فكرة، ولا أعرف من أين سأبدأ، وأظن أن شركة أمازون ستندم على ذلك.

وودي آلن في فيلم "النائم" الذي اعتبر من أكثر أفلامه نجاحا وشعبية


بدايات مبشرة


بدأ وودي آلن التمثيل عام 1965 عندما كتب وشارك في بطولة فيلم “ما هو الجديد ياقطتي؟” ?What is New Pussycat -الذي أخرجه كليف دونر- مع نخبة من ألمع نجوم السينما مثل بيتر سيللرز وبيتر أوتول ورومي شنايدر وأورسولا أندريس. ثم شارك في التمثيل وكتب السيناريو لعدد من الأفلام أشهرها “اعزفها ثانية ياسام” للمخرج هربرت روس، ثم بدأ يخرج أفلامه التي يكتبها بنفسه.

وكان أول أفلامه كمخرج عام 1966 هو فيلم “ما الخطب أيها النمر ليلي؟” ?What’s Up Tiger Lily الذي اقتبسه من فيلم ياباني، ثم “خذ الفلوس واجري” (1969) ثم “الموز” (1971). ومن أهم الأفلام التي كتبها وأخرجها في السبعينات “كل ما تريد أن تعرفه عن الجنس وتخشى أن تسأل عنه” (1972)، و”النائم” (1973)، و”الحب والموت” (1975)، و”أني هول” (1977). وعندما أخرج فيلم “داخليات” (1978) كان يحاول للمرة الأولى، الابتعاد عن أسلوبه الكوميدي المعروف، وأن يقدّم عملا دراميا جادا. وكانت تلك أيضا، المرة الأولى التي يتخلى فيها عن التمثيل في أحد أفلامه، ويكتفي بالكتابة والإخراج فقط.

يعتبر فيلم “النائم” (1973) Sleeper من الكلاسيكيات الكوميدية الرفيعة في السينما الأميركية. وهو يشبه عالم جورج أورويل المستقبلي، ويصوّر رؤية متخيلة للمجتمع الشمولي، الذي يسحق إرادة الفرد، لكنه ينجو بالحب. ولكن الأهم من الفكرة، الأسلوب السينمائي الخلاب الذي يعالج به آلن الموضوع، وابتكاراته المذهلة في تصميم المشاهد والحركة وخلق المواقف الطريفة المحملة بعشرات التساؤلات في الوقت نفسه.

في فيلم “أني هول” (Annie Hall (1977 يتجه وودي آلن إلى محاولة سبر أغوار النفس البشرية وتعقيداتها، وربما تكون شخصية بطله ألفي سنجر التي يقوم بها هنا، امتدادا على نحو ما، لشخصية الأم في “داخليات”، فهو يندفع تحت إلحاح رغبة داخلية عميقة لإفساد حياة الآخرين وقدرتهم على الاستمتاع. إنها شخصية قلقة منفصلة تطرح الكثير من التساؤلات عن سرّ فشل العلاقة الزوجية، ومعنى الوجود، واللذة الجنسية.

وفي فيلم “مانهاتان” (1979) الذي صوّره آلن بالأبيض والأسود كما سيفعل مع عدد من أفلامه في تلك الحقبة، تبدو جميع الشخصيات في حالة قلق، مضطربة، بسبب عجزها عن التعبير بصدق عن مشاعرها، وهي تعاني من فشل علاقاتها السابقة التي سبق أن حركت داخلها المشاعر الحقيقية، وبالتالي أصبحت كل الشخصيات تمارس نوعا من الخيانة ولو بالفكر.


حنا وأخواتها


وفي فيلم “حنا وأخواتها” (Hanna and Her Sisters (1986 يصل وودي آلن إلى درجة عالية من النضج الفني، وفيه تتجسد خبرته سواء على مستوى الأسلوب، أو على مستوى الفكر والرؤية السينمائية. وفيه يطرح الكثير من التساؤلات حول الحب والجنس والمرض ومعنى الحياة، ومغزى الموت، ومعنى الوجود نفسه، وجود الإنسان ووجود الله، وطبيعة المشاعر الغامضة الكامنة في داخلنا، ووهم الإحساس بالخطر، وخوفنا من الموت، بينما نعجز عن تحقيق قيمة للحياة نفسها.

يبدأ الفيلم باجتماع أفراد أسرة نيويوركية، يعملون جميعا في الفن والمسرح والتمثيل، للاحتفال بنجاح مسرحية “بيت الدمية” التي تقوم ببطولتها ابنة الأسرة “حنا” (ميا فارو) وحولها يوجد والدها الذي يعزف البيانو، وأمها التي تغني، وزوجها “إليوت” (مايكل كين)، وهو محاسب الفرقة المسرحية، وأطفالها، وشقيقتاها.

هناك سعادة سطحية ظاهرة، تخفي تحتها الكثير من التناقضات والمعاناة، فزوج حنا يطارد شقيقتها الصغرى، التي تعيش مع رسام يكبرها كثيرا في العمر، فهي بحاجة لمن يرعاها ويوجهها، خاصة أنها تعاني من إدمان الخمر، وشقيقة حنا الأخرى لا تكاد تستقرّ على عمل معين، بل تظل تنتقل من الغناء إلى التمثيل إلى تصميم الأزياء ثم تحاول الكتابة للمسرح، لكنها تبقى مضطربة تعاني من عدم التحقق، وقد أدمنت الكوكايين بعد فشل تجربتها العاطفية.

وودي آلن ومايا فارو في تخطيط كاريكاتوري

أما حنا فهي الوحيدة المتوازنة بسبب نجاحها في العمل، لكنها تبدأ في الشك في زوجها الذي يكون قد بدأ علاقة عاطفية ساخنة مع شقيقتها الصغرى. أما الزوج السابق لحنا (يقوم بالدور وودي آلن نفسه) فهو منتج تلفزيوني، يخشى أن يكون مصابا بسرطان المخ ويشرف على الموت، يبدأ في تأمل مسار حياته، فقد فشل في الإنجاب في الماضي، وفشل في المحافظة على زواجه من حنا، يستقيل من عمله ويبدأ في البحث عن معنى لحياته، في الكنائس أولا ثم في شوارع نيويورك حيث يلتحق بدعاة ديانة الهاري كريشنا البوذيين، ثم يحاول الانتحار لكنه يفشل، وهكذا. إنها دراما ممتعة تتفجر بالمواقف الطريفة، تنتهي نهاية سعيدة، ولكن تحت سطح تلك السعادة، لا تزال هناك تلك المشاعر الغامضة التي يمكن أن تطفو على السطح في أيّة لحظة، فيفسد كل شيء.

نلاحظ هنا كما في عدد كبير من أفلام آلن مثل “مانهاتن” و”آني هول” وأيضا فيلمه الأحدث “سحر في ضوء القمر” ولع آلن بتصوير العلاقة بين رجل متقدم كثيرا في العمر، مع فتاة تصغره كثيرا، كما لو كان آلن نفسه يعبر عن رغبة داخلية في أن تظل دائما لديه القدرة على جذب الفتيات، ليس عن طريق الوسامة الشخصية، فآلن ليس من الممكن اعتباره وسيما بأيّ مقياس، بل بفضل تفوقه وذكائه ومواهبه المتعددة وقدرته على التفكير والحديث الممتع، وما يناقشه من تساؤلات تنفذ إلى عقل الفتيات الصغيرات وتجذب الكثيرات منهن. وخصوصا أن آلن كان قد انفصل عن زوجته وبطلة العديد من أفلامه “ميا فارو” عام 1992، بعد أن أقام علاقة عاطفية مع ابنتها بالتبني، سوون يي بريفين وكانت في الثانية والعشرين من عمرها بينما كان هو في السابعة والخمسين.

وفي فيلم “مانهاتن” يقوم بدور كاتب مسرحيات كوميدية في الثانية والأربعين من عمره، يرتبط بعلاقة مع فتاة في السابعة عشرة من عمرها، ولكنه يسأم تلك العلاقة رغم تعلق الفتاة به، وهو الذي يدفعها للانصراف عنه، ثم يقع في حب عشيقة أقرب أصدقائه.

وفي فيلمه الأحدث “سحر في ضوء القمر” (2014) الذي تدور قصته في عام 1928، نرى كيف ينجذب رجل تجاوز الخمسين من عمره (كولن فيرث) إلى فتاة في نصف عمره (إيما ستون)، رغم التناقض الكبير بينهما، فهو مؤمن بالعلم، لا يعتقد بوجود عالم ميتافيزيقي ولا حياة بعد الموت، يحاول أن يكشف احتيال وزيف الفتاة التي سيطرت على عقول ومشاعر أسرة أميركية تقيم في جنوب فرنسا، بدعوى أنها تستطيع معرفة الغيب، واستدعاء الأرواح، وعندما ينجح في ذلك يكون قد وقع في حبها، رغم أنه لا يزال يرفض منطقها البسيط الذي يتلخص في أن الإنسان في حاجة إلى قليل من الوهم لكي يستمرّ في الحياة، أما هو فيرى أخيرا أن الحب، وليس الإيمان بالغيب، هو ضمان سعادة الإنسان.

يطرح آلن مجددا نفس تيماته المألوفة التي نراها في كل أفلامه: التشكك، القلق الوجودي، معنى الحياة، الحب كوسيلة للنجاة، والسحر الذي يصنع الوهم لكنه لا يقدّم حلا، وهل تتوقف الحياة طبقا للمشيئة الإلهية، أم لأن العلم فشل في القيام باللازم؟ هل تنجو خالته من الحادث الذي تعرضت له لأن “الله استجاب لدعائه للمرة الأولى -وربما الأخيرة- في حياته، أم لأنها وجدت “أطباء ماهرين” كما يقول لصديقته؟

آلن سيعود بفيلم جديد ومسلسل جديد، وهو يبدو غير مكترث أصلا بالمزاعم الجديدة التي أثارتها ضدّه مؤخرا “ديلان فارو”، إحدى بنات زوجته السابقة ميا فارو، عندما نشرت مقالا في “نيويورك تايمز” تتهمه بالاعتداء الجنسي عليها عندما كانت في السابعة من عمرها، وهي المزاعم التي أنكرها وسيظل ينكرها باستمرار. ولكن من يدري؟

16