وودي ألن يعاود تساؤلاته المرهقة حول الحياة والموت في "رجل متطرف"

مرة أخرى يأتي وودي ألين بنفسه ليحضر عرض ومناقشة فيلمه الجديد “رجل متطرف” خارج المسابقة في مهرجان كان السينمائي، وهو الذي ظل لعقود من الزمن ممتنعا عن حضور المهرجانات السينمائية، إلاّ أنه خالف هذه القاعدة مع مهرجان كان تحديدا منذ سنوات قريبة.
الثلاثاء 2015/05/19
صراع محموم بين فوران الشباب ورجاحة العقل

كان (فرنسا)- “رجل متطرف” يبدو عملا مألوفا في سياق الأفلام التي يدهشنا وودي ألين بقدرته على ابتكارها عاما وراء عام، معيدا اكتشاف نفسه واكتشاف قدرة الفيلم على جعل أفكار الفنان التي ألفناها كثيرا، أفكارا جذابة تتميز بالطرافة والجدة، رغم ما قد يشوبها أحيانا من مغالاة في التمرد ورفض المألوف، بفضل قدرة الفنان على وضعها في سياق فني طريف لا يخلو بالطبع من القفشات الكوميدية المعروفة، وشخصياته المؤرقة التي تبدو وكأنها تبحث عن مخرج لها من هذا العالم الضيق القاسي، رغم ما يبدو من جمال ورونق وسحر في الطبيعة، وسكون واستقرار ظاهري في خلفية الصورة.

الفيلم تدور أحداثه حول “ثيمات” ألين المعروفة: الحياة والحب والموت والرغبة والعجز عن التحقق ولا جدوى العيش، والبحث عن مخرج للاستقرار النفسي، وتحقيق الفعل الصواب، ولو مرة واحدة، ومن خلال ارتكاب جريمة يراها البطل هنا مبررة تماما في سياق أنها يمكن أن تجعل هذا العالم المختل، المليء بالظلم والقسوة والبشاعة، أكثر اتزانا وعدلا.

وكلها أفكار يعبر عنها ألين من خلال شخصية “البطل” وهو هذه المرة ليس فنانا، بل هو أستاذ جامعي للفلسفة يدعى آب لوكاس، يقوم بدوره ببراعة جواكيم فينيكس، يأتي لتسلم عمله في جامعة جديدة في رود أيلاند، تسبقه سمعته كرجل رومانسي يميل إلى العزلة ويدمن على الشراب، يعاني من الاكتئاب بسبب إحساسه بعبث الوجود، مما يدفعه إلى ترديد أفكار جديدة في الفلسفة ينقلها لطلابه في الجامعة، تقوم على رفض الفلسفة المعاصرة من كانط وكيركغارد إلى سارتر وهايدغر.

وتصل عدميته السوداوية إلى حد اللعب بحياته عندما يقوم أمام مجموعة من طلابه بممارسة اللعبة التي اشتهرت بـ”الروليت الروسية” -من فيلم “صائد الغزلان” وليس من روسيا- أي المجازفة بالضغط على زناد مسدس محشو برصاصة واحدة وهو يصوبه نحو رأسه، فربما أصابته الرصاصة أو أفلت منها، وهو يكررها أكثر من مرة وسط فزع الطلاب. إنه رافض للفلسفة التي تعلمها، ويرى أنها مجرد هراء فارغ أو “استمناء فكري” أي لا تؤدي إلى فعل حقيقي يغير العالم نحو الأفضل.

لوكاس الذي يتردد في الفيلم أنه رأى زميلا له يُقتل في العراق بانفجار لغم، كما هجرته زوجته بعد أن وقعت في غرام أقرب أصدقائه، تسبقه أيضا سمعته كزير نساء لا يشق له غبار، تحاول “ريتا” زميلته المحبطة في حياتها الزوجية اجتذابه إليها بشتى الطرق، متصورة أنها ستحصل معه على وليمة جنسية معتبرة، وعندما يرضخ لإغرائها المتكرر أخيرا، تصاب بخيبة أمل عندما يفشل في ممارسة الجنس معها بسبب شعوره بالاكتئاب واليأس من جدوى الحياة نفسها.

لوكاس يرى في الفلسفة المعاصرة مجرد "استمناء فكري" لا يؤدي إلى فعل حقيقي يغير العالم نحو الأفضل

فلسفة الجريمة

من جهة أخرى، يقاوم لوكاس محاولات طالبة متفوقة عنده هي جيل (إيما ستون) التي تنجذب إليه وإلى أفكاره، وتدريجيا تجد نفسها واقعة في حبه، فتهجر خطيبها الشاب من أجله، لكن لوكاس يظل فترة مترددا في الاندماج معها، إلى أن يحدث أن يستمع الاثنان ذات يوم، أثناء تناول الغداء في أحد المطاعم، إلى شكوى امرأة لأصدقائها، من قاض متعسف يصدر حكما وراء آخر، بحرمانها من رعاية أطفالها منحازا لزوجها.

هنا يتشبث لوكاس بفكرة أن الخلاص من هذا القاضي أفضل للبشرية، وأن العالم سيصبح أفضل من غيره. ويبدأ في التخطيط لجريمته التي تتم في النهاية بطريقة يتصور أنها تكفل له تحقيق ما يعرف بـ”الجريمة الكاملة”، وبالتالي يحقق فكرته في عدم الاكتفاء برصد ما يحدث في العالم والتفلسف في تفسيره، بل ضرورة اللجوء إلى الحلول العملية، وهو يتساءل بصوت مسموع: ما جدوى أن تتمنى المرأة الضحية أن يُصاب القاضي الظالم بالسرطان؟ بل لا بدّ أن تعمل على أن يصاب به.

لوكاس يشعر بالتوازن بعد نجاح الجريمة، ويصبح أكثر إقبالا على الحياة ويشرع في استكمال كتابه عن الفيلسوف كيركغارد، ويندمج في علاقته بطالبته الحسناء، كما يبحث فكرة تراوده للسفر إلى أوروبا، إلاّ أن الأمور تتعقد، والشكوك تتناثر من حوله، تبدأ من ريتا التي يتضح أنها كانت تعرف الكثير عن خطته لقتل القاضي، ثم تنتقل الشكوك إلى الطالبة جيل التي تواجهه لينتهي الفيلم نهاية غير متوقعة.

إننا هنا أمام قاتل لم يرتكب فعل القتل بدافع شخصي مثل الانتقام أو السرقة أو الغيرة، بل من أجل “هدف نبيل” و”إنساني”، وهو على قناعة تامة بأنه فعل الشيء “الصواب” -كما يقول- ولكن جيل ترى أن ما فعله جريمة كاملة وعمل غير أخلاقي.

لوكاس يشعر بالتوازن بعد نجاح الجريمة، ويصبح أكثر إقبالا على الحياة ويشرع في استكمال كتابه عن الفيلسوف كيركغارد

تتردد في الفيلم أفكار كثيرة ومناقشات، حول الروائي الروسي ديستويفسكي صاحب “الجريمة والعقاب”، والفيلسوف الوجودي سارتر “الآخرون هم الجحيم”، وهايدغر الذي يرى للوكاس علاقة بينه وبين الفاشية، كما تدور مناقشات حول فكرة الاضطرارية، وعجز الفلسفة ليس عن تفسير العالم فقط بل عن تغييره.

هنا أيضا، مرة أخرى، تظهر فتاة شابة تمثل فوران الشباب والرغبة الشديدة في المعرفة وحب الاستطلاع، تنجذب إلى رجل يكبرها في السن هو لوكاس، الذي ربما يكون المعادل لوودي ألين نفسه المهووس بهذه الفكرة، أي فكرة انجذاب فتاة جميلة صغيرة إلى رجل يكبرها في العمر، بسبب أفكاره الذكية وجاذبيته الذهنية وثقافته وموهبته الفنية، تفضله على شاب من أبناء جيلها، طيب ورقيق لكنها تراه سطحيا.

هذه الفكرة تكررت في الكثير من أفلام وودي ألين، كما تبدو معظم أفكار الفيلم الفلسفية وقد سبق أن طرحها ألين بشكل أو بآخر في أفلامه السابقة، ولكن براعة ألين ككاتب ومخرج، تكمن تحديدا في قدرته على أن يعيد صياغة أفكاره كل مرة، في سياق مختلف، ومن خلال شخصيات تمتلك جاذبيتها من داخلها، دون أن تبدو وكأنها مجرد أصداء لصوت ألين وحواراته الداخلية مع نفسه.

عن السرد السينمائي

السرد يسير في اتجاه واحد صاعد، ولكن من خلال وجهتي نظر تكملان المسار: وجهة نظر لوكاس ووجهة نظر جيل بصوتيهما من خارج الكادر للربط بين أطراف الموضوع، والتعليق عليه.

الفيلم ينتهي بأن يلقى القاتل جزاءه، وهي نهاية أخلاقية تقليدية “سعيدة” تغلق الدائرة

والعالم الخارجي في الفيلم من خلال الأماكن البديعة التي يدور فيها التصوير: الحدائق، المطاعم، قاعات الموسيقى، إلخ… كلها تبدو تعبيرا عن جمال فائق في العالم يتناقض تماما مع الحس العدمي لدى الشخصية الرئيسية، ومع ذلك البحث المرهق من جانب جميع الشخصيات عن التحقق والسعادة وتصويب أخطاء الحياة.

يستخدم ألين كعادته التكوين في الكادر السينمائي، وحركة الكاميرا البطيئة المحسوبة والتي تقترب أو تتابع أو تبتعد عن الشخصيات حسب المواقف المختلفة، والألوان المتنوعة الثرية، الأحمر والبرتقالي والأصفر والأزرق، والإضاءة الخافتة والألوان القاتمة في مسكن لوكاس، ولا شك أن الفضل في جمال الصورة ورونقها يعود إلى مدير التصوير الإيراني داريوش خونجي، وهذا هو فيلمه الرابع مع وودي ألين، والفيلم الخامس لألين الذي يستخدم التصوير للشاشة العريضة.

وكعادته أيضا يبرع ألين كثيرا في تحريك الممثلين والتحكم الدقيق في مكونات الصورة وضبطها مع حركة الممثل داخل الكادر السينمائي، وضبط علاقته بغيره من الممثلين، ودفع الحيوية والحركة داخل ديكور المشهد، وجعل الحوار ينساب بصورة تلقائية، وإن غلبت عليه أحيانا الصبغة المباشرة.

ينتهي الفيلم بأن يلقى القاتل جزاءه، وهي نهاية أخلاقية تقليدية “سعيدة” تغلق الدائرة، وتوصل رسالة مبسطة ومعتادة هي أن “الجريمة لا تفيد” و”من حفر حفرة لأخيه -أو لصديقته- وقع فيها”، وربما لا تبدو هذه النهاية متسقة مع الفكر السينمائي لوودي ألين الذي سئل في المؤتمر الصحفي لمناقشة فيلمه في “كان”، عما إذا كان قد فكر من قبل في ارتكاب جريمة قتل، فأجاب: نعم وحتى هذه اللحظة.

16