ويبقى أردوغان هو الرابح الأكبر

الاثنين 2016/07/18

إنها هديّة السّماء لرجب طيب أردوغان. هذا هو أدقّ وصف يمكننا أن نصف به المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها تركيا مساء الجمعة الماضي. لا نعرف عن الذين يقفون وراءها سوى أنهم ضباط معدودون في الجيش التركي. قيل عنهم إنهم من أتباع رجل الدين فتح الله غولن، أو هكذا قال أردوغان وأنصاره منذ الوهلة الأولى. صحيح أن الاتهام هنا موجه إلى العدو اللدود لأردوغان، والذي، على منوال معظم أعدائه الكبار، كان صديقه الأكبر، وهنا يكمن المعنى البراغماتي الأكثر ابتذالا للسياسة، غير أن ذلك الاتهام وإن كان سهلا على اللسان فمن الصعب التأكّد منه بالبرهان، لا سيما وأن غولن لم يتردّد منذ الساعات الأولى في التنديد بالمحاولة الانقلابية. لكن، مرّة أخرى، قد تضيع الحقيقة في غمرة الاستثمار السياسي للعملية.

غير أن الذي يلقي على المحاولة الانقلابية المزيد من الغموض هو توقيتها الذي لا يناسب أيّ أحد في واقع الحال. بل لعله توقيت خاطئ من وجهة نظر الجميع على وجه التقريب. فلقد استعاد أردوغان للتو علاقته مع إسرائيل، وأنهى الخصومة مع الدب الروسي، وبدأ يمهد الطريق لتطبيع العلاقة مع سوريا الأسد، وقد تكون مصر في الطريق. ما يعني أنّ أردوغان بدأ بنفسه يقود انقلابا أبيض على السياسة التي اجترحها منذ بدء ما كان يسمّى بالرّبيع العربي، وذلك لأجل العودة إلى سياسة صفر مشاكل، أو هكذا يبدو الرهان. وهو رهان يرضي الجميع، داخلا وخارجا. ما يعني أن السؤال الكبير، على ماذا حاول الانقلابيون الانقلاب؟

ليس ثمة من شك في أن أردوغان يبقى الرابح الأكبر من هذا الانقلاب الفاشل، لا سيما بعد أن استسلم الانقلابيون المدججون بالدبابات والطائرات بنوع من السلاسة والسهولة، ما جعل الأمور تتجه بيُسر نحو الفشل السريع الذريع. فعلا، فإن الأقدار غالبة كما كانت تقول العرب قديما، لكن بعض الأقدار وبعض المصادفات تشبه هدية السماء.

الآن، في كل الأحوال، فقد فشلت مغامرة الانقلاب. وهذا خبر جيد بالنسبة إلى أنصار الديمقراطية والحريات الفردية في العالم. وهو أيضا خبر جيد بالنسبة إلى أنصار أردوغان في العالم الإسلامي بصرف النظر عن أطيافهم. لكن الخبر غير الجيّد أن أردوغان قد يتجه بقوة أكبر نحو المزيد من التحكم في المؤسسة العسكرية “العثمانية”، ونحو التخلص من خصومه داخل معظم مؤسسات الدولة، سواء تعلق الأمر بالجيش أو الشرطة أو القضاء أو الإعلام، وسواء تعلق الأمر بأتباع رجل الدين فتح الله غولن أو بغيرهم. وهو المسار الذي بدأه مباشرة بعد أقل من ساعتين عن فشل الانقلاب الفاشل، من خلال إقالة المئات من القضاة، فضلا عن اعتقال عدد من العسكريين. وفي الواقع، لا تخفى مشكلة أردوغان مع القضاء بسبب رفضه إعلان حظر حركة “خدمت” لغولن.

سينجح “الإمام المغدور” في استثمار التعاطف الشعبي معه للتغاضي عن عودة العلاقة مع إسرائيل دون رفع الحصار عن غزة، والتغاضي عن الاعتذار “غير المتوقع” الذي قدّمه السلطان العثماني للقيصر الروسي، والتغاضي عن أشياء أخرى في الداخل والخارج. بل سيغفر له الناس كل خطاياه طالما “نواياه طيّبة”، وسيرتفع رصيده في صناديق الاقتراع، وسيضعف معارضوه أكثر من أي وقت مضى، وسينجح في تغيير الدستور واحتكار المزيد من الصلاحيات تحت مسمّى النظام الرئاسي بصلاحيات واسعة، وستشهد التعددية في تركيا أوقاتا عصيبة.

خرج الشعب التركي لنصرة أردوغان، في مشهد معبّر بكل المقاييس. دون أن ننسى أن المؤسسة العسكرية نفسها قد لعبت الدور الأكبر في إحباط المخطط الانقلابي بتلك السرعة. لكن، يكفي القيام بتأمل بسيط في وجوه العديد من الخارجين وشعاراتهم، حتى يغمرنا الشعور بالقلق حول ما يسمّى بـ”شعوب أردوغان”، من حيث أمزجتها، حساباتها، أحلامها، وأوهامها.

الوقوف ضدّ الانقلاب لا يعني أنّ النقاش العمومي يجب أن ينتهي وأن النقد السياسي يجب أن يتوقف. ذلك أن توقف النقد وإنهاء النقاش سيعنيان الموت السريري للديمقراطية.

كاتب مغربي

8