"ويبلاش" مبارزة شرسة بين طالب ومدربه لتحقيق التفوق

الجمعة 2015/02/06
الفيلم يقدم طبيعة مجتمع أميركي لا يقبل بأنصاف الموهوبين

هناك عبارة يقولها مدرب الموسيقى الشرس لتلميذه الشاب الذي يرغب في قطع الطريق المستحيل، من أجل تحقيق “العظمة” في فيلم “ويبلاش”، هذه العبارة تأتي في سياق حوار مقتضب بينهما حول تلك العظمة، ومواصفات العازف “العظيم”، الذي يمكن أن يصل إلى هذه المرتبة ويدخل تاريخ الموسيقى في بلاده والعالم.

يقول المعلم للتلميذ في فيلم “ويبلاش”: إذا ارتكبت خطأ واحدا ستكون هنا نهايتك كعازف. يجيبه التلميذ: نعم فالعازف العظيم غير مسموح له بالخطإ. فيقول له المدرب: العظيم لا يرتكب خطأ أصلا.

هذه العبارة هي مفتاح فهم موضوع هذا الفيلم، الذي رشح لنيل خمسة من جوائز الأوسكار هذا العام، في مفاجأة سعيدة للسينمائيين الشباب الذين يتطلعون إلى إخراج أفلامهم الأولى، فهذا هو الفيلم الروائي الطويل الثاني لمخرجه دميان شازيل (30 عاما)، وهو الذي كتب له السيناريو أيضا.


مبارزة شرسة


الفكرة الأساسية للفيلم إذن، تكمن في فكرة تحقيق “العظمة”، أي بلوغ مستوى من المهارة الفنية لا يتوفر سوى للعظماء، وتحديدا في مجال ضبط إيقاعات موسيقى “الجاز” التي هي أساس فيلمنا هذا (عنوان الفيلم مستمدّ من اسم مقطوعة شهيرة من موسيقى الجاز).

فبطلنا الشاب “أندرو” الذي سجل بالسنة الأولى في مدرسة للموسيقى بنيويورك، استطاع أن يلفت نظر المدرب الغليظ القاسي الفظ “تيرنس فليتشر”، بمهارته في قرع الطبول، فيمنحه فرصة للارتقاء قافزا فوق عازفين أقدم منه، وأكثر رسوخا في الفرقة التي تعتبر الأولى في نيويورك.

البطل يرفض التمادي في علاقة عاطفية مع فتاة، حتى لا تعطله عن أداء المهمة المقدسة التي وهبها نفسه

ولا يقبل “فليتشر” بأي حال أن تهبط من هذه المرتبة، مهما كلفه هذا، ومهما بلغ في تطرفه، فهو يستخدم كل ما يمكن تصوّره من إهانات وشتائم وتهديدات باستخدام أفظع الألفاظ والأوصاف، بل ويصل إلى حدّ إلقاء الكراسي في وجوه العازفين، فهو لا يمكنه أن يقبل بارتكاب، ولو خطأ واحد، ويطالب بطلنا بأن يقسو على نفسه، ويصل في سرعته أثناء قرع الطبول إلى نحو 300 دقة في الدقيقة الواحدة، وعندما يعجز أندرو عمليا عن تحقيق هذا، يقصيه بقسوة من المرتبة التي رفعه إليها، مما يدفع الشاب الذي لا يريد أن يفشل كما فشل والده الطيب في أن يصبح كاتبا، إلى التدرب العنيف حتى تدمى قبضتا يديه.

يتجه الفيلم تدريجيا إلى أن يصل إلى مبارزة شرسة بين العازف الشاب والمدرب الفظ، بحيث يمكن القول إن موضوع الفيلم الذي يدور حول فكرة الصراع الهائل من أجل تحقيق الهدف لا يدور في فراغ، بل في إطار منافسة شرسة كامنة في طبيعة المجتمع نفسه، الذي لا يقبل بأنصاف الموهوبين.

كذلك يخلق ويشجع منافسات تمتلئ بالحقد والضغائن والكراهية، وقد تنتهي أيضا نهاية مأساوية، كما نرى في الحالة التي يتوقف أمامها الفيلم، ولو من خلال الحوار، وهي حالة العازف الذي يستنتج منها المشاهد أن طريقة المدرب “فليتشر” عنيفة، والعقاب الذي ينزله بالعازف عندما يعجز عن تحقيق ما يريده منه، يؤدّي به إلى الانتحار، وهو مصير يفلت منه بطلنا بفضل إرادته وتصميمه على تحدّي المدرب، حتى بعد أن يصاب في حادثة سيارة.

ويصلح المشهد النهائي الذي يختتم به الفيلم أن يكون نموذجا لتدريس الطلاب في معاهد السينما، من حيث إيقاعه السريع المتدفق، الذي يوازي بصريا إيقاعات الجاز، ثم تلك الإيقاعات الهادرة التي تنطلق من قرع الطبول بسرعة، بحيث يتحوّل “أندرو” من شاب يستجيب لتعليمات مدربه التي يحفظها عن ظهر قلب، إلى كائن يتوحّد مع الموسيقى والإيقاعات، ويبدع وحده.


حب وكراهية


ينطلق الشاب معبرا عن إحساسه الشخصي بالرغبة في إثبات الذات أمام نفسه أولا، متفوّقا حتى على ما يمكن أن يتوقعه منه ذلك المدرب، الذي لا يكف حتى في وسط الحفل عن توجيه الشتائم والإهانات إليه، لكنه لا يملك سوى الإقرار ببلوغه العظمة في النهاية ولو بإيماءة بسيطة من وجهه، وابتسامة من وجه لا يعرف سوى العبوس والغضب.

المشهد النهائي الذي يختتم به الفيلم يصلح أن يكون نموذجا لتدريس الطلاب في معاهد السينما، من حيث إيقاعه السريع المتدفق، الذي يوازي بصريا إيقاعات الجاز

لقد رفض “أندرو” التمادي في علاقة عاطفية مع فتاة شعر بالانجذاب إليها، حتى لا تعطله عن أداء المهمة المقدّسة التي وهبها نفسه، أي أن يصبح عازفا عظيما، كما يتمرّد على رغبة أبيه في توجيه شكوى رسمية ضدّ “فليتشر”، الذي أثيرت حوله الكثير من التساؤلات، بسبب أسلوبه الفظ في التعامل مع العازفين الشباب بالمدرسة.

هناك ملامح علاقة حب وكراهية تربط بين التلميذ والمدرب، إنه يغفر له عنفه وفظاظته لأنه يعرف أنه على حق، إنه يرغب في دفع التلميذ إلى بلوغ المستحيل، وربما أن كل ما يمارسه من ضغوط شديدة أفادته في تحقيق هدفه.

المبارزة بين الاثنين، تشبه ما نراه في ميدان الرياضة أو الجيش، بين المدرب واللاعبين، أو بين المدرب والمجندين، ويشبه “فليتشر” الفظ كثيرا أولئك المدربين، الذين لا يعرفون حدودا للقسوة والفظاظة مهما بلغ بهم الأمر.

فهو على قناعة بأن الخشونة هي السبيل إلى تعليم الشاب كيف يقسو على نفسه، وبالتالي أن يتفوّق، لكن ما نراه في الفيلم يبلغ تصويره كحالة مرضية عصابية لا بدّ أن تكون لها أسبابها التي لا يحللها الفيلم؛ في مشهد واحد فقط تلاحظ وحدة “فليتشر” وحزنه، لمّا يروي قصة العازف الذي انتحر، وتدمع عيناه أمام العازفين، ولكن قبل أن يستسلم لما بدا عليه من ضعف بشري طبيعي، سرعان ما يستدرك، ويستأنف التدريب. “فمن الجيد أن يعمل المرء” كما يقول مغالبا مشاعره.

وبعيدا عن هذا المشهد لا يقدّم الفيلم أيّ تفسير أبعد من التفسير الأوّلي لجموح “فليتشر” وتطرّفه، الذي ربما كان يعكس تعويضا نفسيا عن فشل ما أو إحساس ما بالعجز في جوانب أخرى من حياته.


مساحة للإبداع


فيلم “ويبلاش” يدور حول شخصيتين أساسيتين، وبالتالي يضمن السناريو عملا متماسكا لا ينحرف عن مساره في دروب فرعية، ويثري ثيمة “المبارزة” وفكرة التنافس، مع منح الممثلين مساحة للإبداع والتجويد اللذين يصلا إلى أعلى مستوى.

وكما أن هناك مبارزة داخل الفيلم بين المدرب والتلميذ، هناك أيضا مبارزة على صعيد التمثيل بين الممثل العملاق ج.ك. سيمونز في دور “فليتشر”، والممثل الشاب ميلز تيلر في دور “أندرو”. ويحرص المخرج دميان على إبقاء الموسيقى في نطاق محكم، رغم وجودها المحسوس في الفيلم، إلاّ أنه يصل بها إلى الذروة في مشهد النهاية، والذي هو ذروة الفيلم الدرامية دون شك.

كما يستخدم اللقطات القريبة عند تصوير وجوه العازفين والآلات التي يستخدمونها، ويستخدم الحركات العصبية للكاميرا في الانتقال بين المدرب والعازفين، ويجعل “فليتشر” يستخدم قبضة يده وهو يقبض الهواء بعنف، دلالة على عدم رضائه عن الإيقاع.

ويلجأ أيضا إلى الكاميرا المحمولة الحرة أحيانا، خاصة بعد إصابة “أندرو” في حادثة السيارة، وإصراره على السير لبلوغ المسرح، واللحاق بالعرض الموسيقي في اللحظة الأخيرة.

ولعل أهمّ ما يميز الفيلم أيضا، ذلك المونتاج الدقيق الذي يجعل الفيلم بأسره يبدو مثل حركات متدفقة بإيقاعات الجاز، التي تمنح نوعا من الشجن ممزوجة بجمال من نوع خاص.

16