ويحب ناقتها بعيري

في نوع من جلد الذات، أطلق القانطون من الديمقراطية في بلداننا العنان نحو تعليقات مفادها أن لا تعددية عندنا غير تعددية الزوجات والزيجات والانقلابات وأجهزة المخابرات.
الثلاثاء 2019/02/19
الرومانسية تنمو وتنتعش لدى شعوب المناطق الباردة (لوحة: حسن الساري)

الديمقراطية ـكما الرومانسيةـ تنمو وتنتعش لدى شعوب المناطق الباردة، ذلك أن المناخات الشتوية تصنع أناسا برؤوس باردة تتحمل الحوار وتقدّر الخلاف، ولكنهم بقلوب دافئة تحتفي بالحب وتكرم العواطف الإنسانية.

عندما تصل درجة الحرارة إلى الخمسين في الظل، ساعتها، لا يمكن للمرء أن يتخيل نقاشا ديمقراطيا مثمرا ورصينا دون أن تتشابك فيه الأيادي ويعلو الصراخ والسباب. أما عن الحالة الرومانسية فلطالما ارتبطت هي بدورها في الأذهان بالسير تحت المطر والجلوس عند المدفئة لتناول قدحي نبيذ على أنغام موسيقى هادئة.

مهلا، أعلم أن الكثير سوف يعارض فكرة احتكار الشتاء للرومانسيات محاججا بقوله إن الصيف بدوره، يمثل بشواطئه الخلابة ولياليه المقمرة أجمل الفضاءات الخاصة بالعشاق. لقد فات هؤلاء حقيقة مفادها أن الذين يؤثثون للمشاهد الرومانسية في الصيف، كانوا، أصلا، قد تعرفوا إلى بعضهم بعضا في الشتاء، وجاؤوا فقط ليستبدلوا مفردات فصل بآخر ثم أن أغلبية المستجمين هم سياح جاؤوا من مدن الشمال.

قس على ذلك في المسألة الديمقراطية وأهمية رسوخها وتجذّرها لدى شعوب المناطق الباردة، فمن يحاجج ويراهن بجدوى نجاحها في بعض مناطق الـ”خمسين درجة في الظل”، نسي أن هذا النوع من الديمقراطية ـ وإن نجحت فيه نسبيا بعض النماذج ـ هو نوع هشّ وسريع العطب كما أثبتت تجارب كثيرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية، ذلك أنه مستورد مثل نبتة تنمو في غير بيئتها.

هل تعني هذه المقاربة بين الديمقراطية والرومانسية وارتباط كل منهما بثقافات شعوب المناخات الباردة كما يدلل على ذلك الكثير من علماء الأنثروبولوجيا، أنه قُدّر علينا ـ نحن معشر الذين لوّحت الشمس جلودهم وقلوبهم ـ أن نظل في دائرة شريرة مغلقة، وقد حُرمنا من حياة سياسية وعاطفية سوية، وتليق بإنسانيتنا مثل بقية الشعوب؟

الحقيقة أن هذه النظرية تحمل في طيّاتها الكثير من الجور والاستعلاء إزاء شعوب المناطق الساخنة، تتجاهل مبادئ احترام الخصوصيات الثقافية وتكرّس نوعا من منطق المركزية الأوروبية، استسلم له الكثير من مثقفي نصف الكرة الجنوبي معتقدين أن المبادئ الديمقراطية ـكما السلوكيات الرومانسيةـ حكر على شعوب الشمال.

وفي نوع من جلد الذات، أطلق القانطون من الديمقراطية في بلداننا العنان نحو تعليقات مفادها أن لا تعددية عندنا غير تعددية الزوجات والزيجات والانقلابات وأجهزة المخابرات.

أما عن الرومانسية فكثيرة ولا تحصى تلك النكت المتداولة التي عادة ما يختلط فيها الحب بالطعام والسياسة بين العشاق والأزواج، وهي في غالبيتها تكرّس حالة من الدونية مقابل نماذج أوروبية، لكنّ قليلين هم الذين لم ينتبهوا إلى عمق وبساطة وشاعرية ما قاله أعرابي عن حبيبته في بيئة صحراوية شديدة الحر، “أحبها وتحبني، ويحب ناقتها بعيري”.

24