ويرنر هيرزوغ مخرج سينمائي كوني عابر للانتماءات

الأحد 2015/03/01
ويرنر هيرزوغ الراصد بعين الكاميرا لصراعات الإنسان والطبيعة

نحن الآن في عمق الصحراء العربية، هناك على امتداد ورزازات ومراكش المغربيتين ثم تخوم البتراء الأردنية وحيث سيقف المخرج الألماني ويرنر هيرزوغ إلى جانب نجمة هوليوود نيكول كيدمان لتؤدي دور المرأة التي يعرف اسمها وسيرتها أغلب العراقيين وهي الميس بيل، الكاتبة والرحالة والمعمارية والسياسية والجاسوسة البريطانية التي لعبت دورا مهما في تاريخ منطقة الشرق الأوسط والعراق خاصة، الفيلم هو “ملكة الصحراء” أحدث أفلام هيرزوغ . خلّف الفيلم وراءه أصداء شتى بعضها غير راض.. لكن الأمر بالنسبة إلى هيرزوغ مختلف تماما فهو بهذا الفيلم وهذه المعالجة يكون أولا قد واصل احتفاءه بالطبيعة وهي مسألة أساسية في تعامله مع الفن السينمائي ووظيفته، وثانيا أكد رؤيته بأنه ليس راويا للتاريخ وهو ما كان يبحث عنه كثيرون في هذا الفيلم، قدم إنسانة تمارس حياتها الطبيعية في حقبة ما، بل والمصادفة أنها كانت أول امرأة تحتل دور البطولة في فيلم من أفلام هيرزوغ، إذ أن كل أبطاله وطيلة مسيرته هم من الرجال ولعل في مقدمتهم النجم الراحل ذائع الصيت والصديق الشخصي لهيرزوغ الممثل كلاوس كينسكي.

من عمق الصحراء العربية إلى جبال الأنديز ووهاد ووديان نيكاراغوا إلى سهول لاووس ما انفك هيرزوغ متنقلا من بيئة قاهرة وساحرة إلى أخرى وهي بيئات أفلامه ومن خلال مسيرة حافلة تمتد إلى نصف قرن، أزمنة وتحولات تبدأ منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة يطل البافاري العتيق شابا يافعا تتردد في أصداء المدينة التي نشأ فيها ترانيم الشاعر البافاري ماكس كونز “اللهم احفظ بافاريا طبيعتها، وأرضها الخصبة من جبال الألب إلى نهر ماين”، هناك كان أول انغمار لهيرزوغ الشاب مع الطبيعة والإنسان وهي الثنائية الأثيرة التي ظلت ملازمة له طيلة حياته وحتى هذه اللحظة.


الحضارة قشرة جليد


الحضارة بالنسبة إليه ليست إلا قشرة جليد على سطح محيط يكتظ بالفوضى والظلام، ذلك ما يردده، وهي الإشكالية التي خاض فيها طويلا في تلمّس اضطرابات تلك الحضارة وتحولاتها، كائناته مصدومة من تلك الفوضى وذلك الظلام كما جسدها في فيلمه “الجندي الصغير -1984”، حيث الفرد ملاحق بوجه من أوجه الحضارة ألا وهو الصراعات والحروب لا سيما وهيرزوغ يلاحق مخلفات النازية والحرب العالمية الثانية وهو يقدم مثل هذا الجندي المأزوم، في فيلم “دروس الظلام – 1992” وفي فيلم “أزرق وحشي – 2005” ثمة تأكيد على نزعة هيرزوغ في تلازم حلقات الصراع مع هذه الحضارة المثقلة بعقدها ومشكلاتها، فهو يبني فكرة مبكرة ومشروعا في مرحلة ما ثم ليعود لمعالجته مجددا في فيلم آخر بعد ذلك بسنوات وهذان الفيلمان يكملان ما طرحه قبل ذلك في فيلمه “فاتا مورغانا -1972” لتتشكل ثلاثية تتعلق بالإنسان وأزماته في صلتها بالطبيعة.

منذ البدايات لم يعد هيرزوغ مجرد مخرج ألماني يصور في بلاده وموضوعاته يستمدها من حياة بلاده، إنه أكثر مخرج ألماني عالمية فهو يبحث عن الموضوعات التي تستجيب لرؤيته في كونية السينما وكونية المشكلات التي يواجهها الإنسان وها هو يبحر باتجاه أفريقيا مبكرا، لإعادة استكشاف وقراءة للحياة والثقافة والإنسان ومباشرة إنتاج ثلاثة أفلام في العام 1969 فيما يمكن أن نسميه بالمرحلة الأفريقية من مسيرته وهي مرحلة غنية وبالغة الأهمية وهذه الأفلام هي “الأطباء المحلّقون في شرق أفريقيا – 1969” وهو فيلم ثائقي يرافق أطباء سافروا إلى شرق أفريقيا لغرض ملاحقة وباء التراخوما المنتشر هناك والقضاء عليه، ثم فيلم “مستقبل المعاقين 1971” ثم فيلم “أرض الصمت والظلام – 1971” وجميعها عنيت بالمعضلات الحياتية والأوبئة التي تعصف بالقارة وهو أمر سيواصل هيرزوغ البحث فيه عائدا إلى أفريقيا ومواجهة إمبراطورية بوكاسا وذلك بعد عشرين عاما وتحديدا في العام 1990 ليقدم فيلم “أصداء من الإمبراطورية الكئيبة” ليمعن تحريا في تلك الفظائع التي ارتكبت على يديْ ذلك الحاكم الرهيب وفي عهده وبما فيها أكل لحوم البشر، وقد استغرق هيرزوغ في استقصاء الظاهرة عميقا وشكل فيلمه صرخة مؤثرة.

لكنه سيعود إلى البيئة التي نشأ فيها مستكشفا ما حلّ بها في فيلم “قلب الزجاج 1976” الروائي الطويل الذي تقع أحداثه في بافاريا، فيلم عن تلك المدنية الهشة في وسط صخب المجتمع الصناعي الذي يتقاذفة النفاق، هذا ما صرح به مع أن الفيلم لم يحظ بنجاح كبير لكن ذلك لم يثن هيرزوغ عن المضي في مشروعه ولكن هذه المرة من زاوية الإنسان من خلال فيلم “لغز كاسبار هاوزر” وكاسبر هنا شخصية تواجه قدرها في العزلة عن الحياة في السجن ولمّا يخرج إلى الواقع يجد أن من الصعوبة بمكان أن يتناغم مع تلك المدنية البافارية المجنونة والصاخبة، نوع من الإحساس المضني بالاغتراب والعزلة عن الواقع.

الحضارة بالنسبة إلى هيرزوغ ليست إلا قشرة جليد على سطح محيط يكتظ بالفوضى والظلام، وهي الإشكالية التي خاض فيها طويلا في تلمس اضطرابات تلك الحضارة وتحولاتها

كاسبر ليس إلا عيّنة من عينات الشخصيات التي قدمتها السينما الألمانية الجديدة، الجيل الذي بلا أب مثل كاسبر المتروك لقدره ومصيره، الضائع وسط زحمة الحياة وصخبها ووسط أمواج الأنانية السائدة في المجتمع وهو ما سيؤكده لاحقا وبنفس المسار في فيلمه الوثائقي القصير “لا أحد سيلعب معي- 1976” الذي هو أقرب إلى الشاعرية في تتبّع إشكالية العزلة الفردية.


براكين الوعي


بالنسبة إلى هيرزوغ بيئة الإنسان كما حضارته مشتركة في الشكل والجدلية المرتبطة بوجود الإنسان ذاته ولهذا فإنه يتتبّع فرضياته في تلك البيئات المتنوعة ومنذ مراحله التي أسست لرؤيته، ها هو في الفيلم الوثائقي “لاسوفرير 1977” ينتقل إلى إحدى جزر الكاريبي وهي جزيرة جوادالوب وحيث يواكب انفجار أحد البراكين لكنه بموازاة ذلك بصدد انفجار الوعي، البشر المحيطون بالمكان في صلتهم بتلك الطبيعة الصاخبة وكان هيرزوغ قد عرض حياته إلى خطر حقيقي أثناء التصوير.

ملاحقا موضوع الإنسان والطبيعة من قارة إلى أخرى وها هو في صحراء الكويت في العام 1991 راصدا الآثار التدميرية الهائلة لحرائق آبار النفط إبان حرب الخليج الثانية وذلك من خلال الفيلم الوثائقي “دروس من الظلام” وهو رسالة إدانة صارخة للحروب وما جرّته على الكوكب من خراب، ثم لينتقل بعد ذلك إلى بيئات أخرى مختلفة تماما عن الشرق، إلى المكسيك وغواتيمالا ليمضي زمنا هناك لتقديم ثلاثة أفلام هي “السيد الموثق -1999” و”الحج إلى هناك- 2001” و”عجلة الزمن- 2003”، ما اعتبر خليطا من الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا، وارتباطا بسلوك الإنسان في بيئة شديدة الخصوصية. كان لقاؤه المبكر مع دعامات السينما الألمانية أو ما عرف بالسينما الألمانية الجديدة من المحطات المهمة، وكان ذلك بعد رحلاته الاستكشافية والتأملية من أوروبا إلى أميركا الشمالية وأفريقيا التي استغرقت سنوات عدة ليعود إلى ميونيخ عام 1968 فيلتقي المخرجين الكبيرين فولكر شولندروف وراينر فاسبندر اللذين يعدان بالإضافة إلى هيرزوغ وفيم فيندرز ومارغريت فون تروتا المؤسسين الحقيقيين لتيار السينما الألمانية الجديدة لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية وثورات أوروبا السيتنات، لكن بالنسبة إلى هيرزوغ لا وجود لمثل هذا التيار إطلاقا، إذ أن لكل مخرج تجاربه، من وجهة نظره، ومن غير الممكن عمليا جمع تجارب مخرجين في شكل تيار، كما أنه يشكك في انتمائه هو أصلا لتيار كهذا لأنه لا يتعاطف كثيرا مع الدراسات النمطية التي تعنى بالتصنيف على أساس الأجيال والتجارب والمدارس على صعيد البلد الواحد. إضافة إلى ذلك فإنه لطالما انتقد كثيرا من الأفلام الألمانية معلنا أنها أشكال سينمائية في شكل خطاب سينمائي محلي خالص، بينما هو منذ البداية سار على مسار مختلف يجسّد عالمية السينما وعالمية أفلامه بالتحديد لهذا ليس مستغربا أن أفلامه بصفة عامة لم تنل النجاح الباهر الذي تستحقه في ألمانيا في مقابل نجاحها عالميا.

هيرزوغ يحول الكون إلى موضوع سينمائي أما الطبيعة فتستمر ميدانا للفيلم، من عمق الصحراء العربية إلى جبال الأنديز ووهاد ووديان نيكاراغوا الى سهول لاووس متنقلا من بيئة قاهرة وساحرة إلى أخرى

إبان لقائه ذاك كان قد أخرج توا فيلمه الروائي الطويل الأول “علامات الحياة” الذي لم يكن الا سبرا لأصداء ومخلفات الحرب العالمية الثانية من خلال ثلاثة من الجنود الألمان الذين تعصف بهم دوامة الحرب ليبدأ بعد ذلك أول تعاون بينه وبين الممثل الكبير كلاوس كينسكي، ذلك التعاون الذي امتد على خمسة أفلام ناجحة عدت محطة مهمة من محطات حياة ومسيرة هيرزوغ – كينسكي، ففيلم “أغوير غضب الرب” فيلم بقي في الذاكرة وشكل علامة مهمة في مسار هيرزوغ، قصة تاريخية عميقة الجذور في التاريخ الأسباني وكما في حضارة الإنكا، ليتكامل التعاون بين كينسكي وهيرزوغ في أفلام “نوسفيراتو – 1979” و”ويزيك – 1979” و”فريزرالدو – 1982” و “كوبرا فيردي -1987” ليرثيه بعد رحيله بسنوات من خلال الفيلم الوثائقي “أعز أصدقائي -1999” ليتوقف خلاله عند أهم محطات كينكسي وعبقريته.


هيرزوغ يجدد قواعد الصورة


دهشة اكتشاف السينما ظلت ملازمة لهيرزوغ (مواليد 1942) منذ بداياته وفيلمه القصير الأول كان عمره آنذاك 19 عاما وحمل عنوان “الهراقلة” وقدم تجربته تلك من خلال عالم بناء الأجسام، ثم فيلمه التجريبي القصير “الكلمات الأخيرة- 1968” عن رجل يكون في مواجهة واقع حياتي وإنساني مضطرب مما يجعله عاجزا عن النطق أو التعبير عمّا يعيشه.

يجمع دارسو هيرزوغ على أنه اشتغل على إيجاد قواعد جديدة للصورة، قواعد تقوم على وعي يرى ما أمامه على السطح لكنه يغوص عميقا في الظواهر ولهذا فقد عرف بجرأته البالغة التي مازال سائرا عليها في الدّمج بين الوثائقي والدرامي من منطلق ما يسميه هيرزوغ ذلك التلازم المبهر بين الحياة والواقع باعتبارهما أرضية الوثائقي وبين الدراما باعتبارها روح الفيلم الروائي مستخدما في كثير من الأحيان الشخصيات من الحياة ومن الواقع نفسه وبعضهم لم يمثلوا في حياتهم وهو ما جسده مرارا.

مسيرة هيرزوغ تعج بالجوائز والترشيحات ومنها فوزه بسعفة كان 1982 عن فيلمه “فيتز كرالدو” وهو امتداد لأفلامه التي تضع التحدي السياسي والتاريخي في وجه العوالم المليئة بالجريمة والخراب وطمس السلام الفردي والإنساني والتي تضع أمام أبطاله تحديات وجودية عميقة تحول غالبا بينها وبين أحلامها العريضة وتدفعها إلى صراعات، والحاصل أن أغلب أفلام هيرزوغ وبعد أكثر من 25 فيلما روائيا طويلا وقصيرا وأكثر من 35 فيلما وثائقيا فضلا عن المسرحيات والأوبرا التي أخرجها، نجده يشتغل على محاور ثلاثة أساسية وهي: أزمة الإنسان المعاصر والمجتمع الذي تثقله الأزمات وقوة الطبيعة المحاطة بأعداء الطبيعة.

فأصل السينما عند هيرزوغ جاء من حكايات الريف ومن السيرك وليس من الفن أو من الدراسـات الأكاديمية وهو السينمائي الذي لا يعد أفلامه نوعا من أنواع الفن بل مواد فنية أقرب إلى روح الشعر، وهو الذي يقال فيه الكثير باعتباره واحدا من أهم المخرجين في تاريخ السينما العالمية.

10