ويستمر الرنين

جرس أكسفورد الشهير يستمرّ بالرنين منذ العام 1840 وحتى الآن بصورة دائمة.
الجمعة 2019/10/25
الرنين مستمر

لم يكلّف أحد من الباحثين السياسيين العرب نفسه التفكير في لغز استمرار جرس أكسفورد الشهير بالرنين منذ العام 1840 وحتى الآن بصورة دائمة، بالاعتماد على بطارية لا يعرف أحد من أين تستقي شحنها مجددا.

179 سنة وأكثر من 10 مليارات رنّة قام بها هذا الجرس المجاهد في معمل كلاريندون منذ أن رفع يده عن بطاريته العالم الإيطالي جوزيبي زامبوني عام 1812. تلك البطارية التي تمثل أحد النماذج المبكرة للبطاريات الكهربائية الجافة في التاريخ، صحيح أن الجهد الذي تنتجه منخفض جدا، بحيث لا يمكن حتى سماع صوت الجرس بالأذن البشرية، إلا أنها تبقي الجرس يعمل.

لا يوجد سحر في الموضوع، الفكرة في جرس كلاريندون أن قطبين جافين يتصلان بطبقة عازلة من الكبريت. وكل منهما يتصل بجرس، وهكذا تكون النتيجة أن الرنين لن يتوقف إلا إذا تآكل الجرس أو انتهت طاقة البطارية، التجربة فيزيائيا لن تنتهي في يوم من الأيام، وسوف تستمر إلى الأبد، ما دامت الدائرة تدور، وهنا بيت القصيد.

ما دام الجهل ينتج الاستبداد والتطرف، فإن هذين العنصرين سيبقيان في حالة صراع دائمة، ويعيد كل منهما شحن الآخر إلى الأبد. العامل المشترك هو الظلام الفكري، والذي لا حل له إلا بالمعرفة والتنوير، وهذا غير ممكن التحقق بلا حريات. وهكذا سوف يستمر الرنين.

لنذهب إلى حالة أخرى مشابهة، اضطهاد المرأة ينتج مجتمعا نسويا زاخرا بالعقد، وأمهات يقمن بتربية أجيال من الذكور والإناث تتمتع بمزايا تلك العقد النفيسة، وسيعيد هؤلاء اضطهاد النساء والرجال حين يكبرون. ويستمر الرنين أيضا.

الفساد يأكل من إنتاج الدولة، ولا يمكن أن يستوي الميزان الاقتصادي بوجود الفساد، لأنه سيبحث عن التوسع وعن موارد جديدة له، وهذا سينتج خللا وانهيارا في الاقتصاد العام للدولة لا علاقة له بالسياسة ولا بالطائفية ولا بالمحاصصة، وإن لم تتم معالجته فستنهار الدولة وسيستمر الرنين.

دع مناهج التعليم المدرسية متخلفة وبدائية وتحرض على العنف والعبودية، وستحصل على طلاب يحفلون بالمزيد من التخلف، سينتجون مجتمعات متخلفة من جديد، ليستمر الرنين مجددا.

اكتب أدبا رديئا وصحافة رديئة وفكرا رديئا واصمت عن الرداءة وروّجها، وانظر كيف ستتحول بعد حين إلى ذائقة عامة منحطة، ستخلق بدورها ثقافة رديئة للعموم وللنخب في الوقت ذاته، وسوف يستمر الرنين طبعا. لا يحتاج الأمر لأكثر من رنين لا تسمعه الأذن البشرية، رنين من دمشق إلى بغداد إلى بيروت، لا يشعر به أحد، لكنه سيستمر ما لم يوقف مصادره أحد.

24