ويقولون إن العراق سينهض من جديد بقيادة معصوم والعبادي والجبوري

الخميس 2014/10/23

عندما يختل التوازن الفكري والسياسي وتتفاوت المستويات المهارية والمهنية بين قيادات ومسؤولي السلطة أو الحكومة الواحدة في أي زمان ومكان، فإن الفشل سيكون مرافقا لهم ولها بالتأكيد، بغض النظر عن قدرات رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان حتى لو كانوا أصحاب كفاءات ومواهب وخبرات متراكمة، لأن قيادة الدولة سياسيا شيء، وإدارتها اليومية شيء آخر، وفي كثير من الأحيان يكون القائد أو رئيس الدولة وطنيا ونزيها كالرئيس الراحل عبدالرحمن عارف، ولكن العديد من ضباطه ووزرائه وسفرائه فاسدون، وثق بهم فتآمروا عليه وقذفوه إلى المنفى يلوك ذكرياته الأليمة.

والأمر نفسه ينطبق على الرؤساء نوري السعيد وعبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف وأحمد حسن البكر وصدام حسين، اتفقنا معهم سياسيا أو اختلفنا، فلا يستطيع أحد أن يشكك في وطنيتهم أو نزاهتهم، ولكن عيوبهم تكمن في حواشيهم من وزراء ومسؤولين ومرافقين وأقارب أساءوا وأفسدوا، ولا يقدر القائد أو رئيس الدولة، حتى لو كان عبقري زمانه، أن يُلمَّ بكل ما يحصل في البلاد من أحداث ووقائع، والمفارقة أن طبيعة الشعب العراقي تُحمّل الرئيس دائما مسؤولية الأخطاء التي تحدث في عهده، حتى لو كان مرتكب الخطأ شرطيا في مخفر مهجور أو ساعيا في دائرة هامشية.

مناسبة هذه المقدمة حدثان حصلا قبل أيام قليلة، أولهما استياء الرئيس فؤاد معصوم من نائبه الثالث نوري المالكي، الذي يقوم بزيارات إلى المحافظات ويعقد الاجتماعات مع المسؤولين فيها، ورئيس الجمهورية آخر من يعلم، ويطلع على نشاطات نائبه من التلفزيون. أما الحدث الآخر، فهو يتعلق باستكمال وزراء “الكابينة” الحكومية وتمرير وزيري الداخلية القيادي في ميليشيات بدر الشيعية محمد سالم الغبان، والدفاع اللواء المهندس خالد متعب العبيدي (السني)، ومن يطالع سيرتيْ الوزيرين الجديدين لابد أن يلاحظ البون الشاسع بين شخصيتي الاثنين وهما يقودان أخطر وزارتين متشابهتين في الأداء والمهمات.

وعندما نقول إن “الترويكا” الثلاثية الجديدة في العراق المتمثلة في رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان، ربما تكون مخلصة بالفعل وتسعى إلى الخير حقا، ولكنها ضعيفة وغير كفؤة لقيادة وتسيير شؤون البلاد، فإننا ننطلق من جملة اعتبارات ليس من بينها الانتقاص الشخصي لفؤاد معصوم وحيدر العبادي وسليم الجبوري، وإنما نحكم عليهم عبر ملاحظة مواقفهم ومتابعة أدائهم، فلو كان رئيس الجمهورية مُهاباً لمنع نائبه المشاكس من الخروج على سياقات العمل المألوفة وألزمه باحترام حدود وظيفته، ولو كان رئيس الحكومة حيدر العبادي منصفاً، لما قبل بشاب مليشياوي لا خبرة له غير قنص الأبرياء وتهجير الآمنين، وعاش في إيران وشارك في القتال ضد بلده العراق منذ عام 1981 إلى عام 2003، وزيرا للداخلية.

ومسبّقاً لن يجد الغبان صعوبة في وزارة الداخلية لأن طبيعتها وأساليب العمل فيها منذ عشر سنوات تكاد تتطابق تماما مع فكره واهتمامه، لأنها وزارة مليشياوية بالكامل، استقتل المالكي ورفيقه الوكيل الأقدم عدنان الأسدي على تحويلها إلى وزارة، جميع المسؤولين الكبار والصغار فيها من قادة وأفراد المليشيات الشيعية وضباط (الدمج) الذين أمضى أقل واحد فيهم في إيران 14 سنة متصلة، وهم لا ينكرون ذلك ويعتبرون هروبهم إليها، مثل هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة قبل 1335 عاما.

ويبقى السؤال مطروحا: كيف السبيل إلى الإصلاح في وزارة تنخرها الطائفية والفساد، وكيف سيكون التغيير نحو الأفضل وتحويلها إلى وزارة لكل الشعب، وليس لطائفة معينة أو فرقة معروفة، ورئيس البرلمان يضع يده على خده ويزعم أن مجلسه سيحاسب أداء هذا الوزير وغيره إذا أخطأ أو أفسد؟ الحقائق المرة تؤكد أنه لا يستطيع تطبيق عُشر القانون على وزراء حاليين، نعرف جيداً أنه لا يقدر على رفع حاجبه عليهم ومنهم الغبان.

لا نغالي إذا قلنا إن وزير الداخلية الفعلي سيكون هادي العامري رئيس ميلشيا بدر لا غيره، وهو كان المرشح الساخن لها طيلة الشهرين الماضيين، ولكنه لم يحصل عليها لما أشيع عن (فيتو) أميركي عليه، باعتباره من أتباع إيران، فعمد إلى ترشيح أحد مساعديه لها، وكأن الغبّان لا يرتبط بالدولة (الشقيقة) ولا يحظى برعايتها، ولا يعرف قاسم سليماني من قريب أو بعيد، وللمعلومات فإن وزير الداخلية الجديد كان مرافقا للجنرال سليماني في زيارته (التفقدية) لناحية آمرلي في محافظة صلاح الدين، التي أدى على خرائبها رقصته المشهورة!

صحيح أن وزير الدفاع الجديد خالد متعب العبيدي عميد في الجيش السابق ومهندس طيران ورادار واتصالات عسكرية، ولكن ماذا تنفع هذه الشهادات والخبرات في جيش قادة وحداته جاءوا إما بالرشوة أو الواسطة أو عن طريق الدمج، والأخيرة هي الأخطر، إذ أقدم بول بريمر الحاكم الأميركي (المدني كما سموه)، على قبول أكثر من عشرين ألف منتسب من المليشيات الشيعية بين ضابط وضابط صف في الجيش الجديد الذي شكله قبل رحيله، فمنظمة (بدر) مثلا قدمت 1500 ضابط، وقدم عضو سابق في مجلس الحكم الانتقالي عبدالكريم العنزي وحده 1200، وقيسوا على ذلك بالنسبة إلى حزب الدعوة ومشتقاته، والجميع يعرف أن هذه الأحزاب والمليشيات لا تملك هذه الأعداد، وإنما فتحت سجلا للمتطوعين وفق دفعهم النقدي وحسب الرتبة التي يريدونها، كل رتبة بـ(10 ملايين) دينار، وهناك حكايات في هذا الشأن موثقة بالأسماء والتواريخ تصنف من النوع المضحك المبكي.

وسلفا سيخفق العبيدي في وزارة الدفاع وهو محاط بشلة من القيادات العسكرية الراشية والمرتشية والدمجية والطائفية والمليشياوية، ليس قادرا على إزاحتها لأنها مسنودة من جهات ودول، وسيكون كـ”الأطرش في الزفة” حتى لو حمل مهارات، عبدالعزيز العقيلي وعبدالجبار شنشل ومحمود شيت خطاب وسعيد قطان وهشام صباح الفخري، أساتذته في العلوم العسكرية وجميعهم من أصول موصلية مثله ولكن…!


كاتب سياسي عراقي

9