ويكيبيديا.. التلميع مقابل المال يعصف بالمصداقية

ويكيبيديا.. شعارها “الموسوعة الحرة”، وهدفها “التحرير الذي من المفترض أن يجريه متطوعون بنزاهة” حتى تستجيب المضامين المنتجة لمعايير الثقة والحياد. ولكن، يذكر تحقيق صحفي نشرته مجلة أتلانتيك الأميركية أن المشاهير، الذين يحاولون تلميع صورتهم أمام الناس، يلجؤون إلى دفع المال لكتّاب ولشركات علاقات عامة، و”خبراء” في ويكيبيديا لإجراء تعديلات على الموقع وفقا لما يريدونه.
السبت 2015/08/22
عمليات التحرير المدفوعة الأجر خلسة تصعب تقييم مدى استجابة ويكيبيديا لصراع المصالح على مر السنين

واشنطن - في الحادي عشر من يناير عام 2013، كان جيمس هيلمان، وهو طبيب في غرفة الطوارئ وأحد المحررين الطبيين في موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا، يتصفح الموقع حول إجراء قديم يسمى كايفوبلاستي.

وأشارت الصفحة في البداية إلى أن هذا الإجراء “مثير للجدل”، واقترح أحد المستخدمين المجهولين للموقع أن يتم تغيير النص بوصف الإجراء بأنه “موثوق جدا ومدروس”، وهو توصيف يعتبره هيلمان غير معتمد في البحوث الحالية. ورفض التغيير.

وأعرب البعض عن قلقهم بشأن الأموال التي سيتم دفعها مقابل إجراء طبي مثير للجدل وربما في بعض الأحيان خطر. وقالت راشيل يوشيايندر، وهي دكتورة متخصصة في علم الأوبئة والطب الوقائي في جامعة موناش في أستراليا “حسب اعتقادي كايفوبلاستي هي طريقة غير فعالة، واستنادا إلى الأدلة الحالية يجب أن أقول إنها تقوم بنفس العمل مثل فيرتيبروبلاستي، وهو ما يعني أن هذا الإجراء هو على الأرجح بمثابة علاج وهمي”.

هناك مخاوف من أن مقالات ويكيبيديا تضر أعمال بعض الشركات خاصة وأن المعلومات التي يحتويها الموقع تجد طريقها بسرعة إلى جميع المتصفحين. لا شك أن أي تغييرات طفيفة في الصياغة لديها القدرة على التأثير على التصور العام، وبطبيعة الحال، كيفية إنفاق ملايين الدولارات.

بالنسبة للمسوقين تعتبر ويكيبيديا بمثابة المكان الذي يوفر لهم تواجدا إضافيا في الفضاء الرقمي. لكن بالنسبة لويكيبيديا الأمر أكثر تعقيدا: كيف يمكن لموقع يديره متطوعون أن يحصن نفسه ضد التمويلات الكبيرة التي يقدمها المسوقون؟ وكيف يمكن لهؤلاء المتطوعين التمييز بين المعلومات الجديرة بالثقة والمعلومات المشبوهة؟

في عام 2006، أفادت الأنباء أن جيمي ويلز، وهو عضو مجلس إدارة ويكيميديا -منظمة عالمية غير ربحية تأخذ على عاتقها تشجيع وتطوير وتوزيع محتوى حر متعدد اللغات- قال إن أطرافا تلقت مبالغ مالية سرية مقابل تغيير المحتوى بموقع ويكيبيديا دون أن يكشف عن صراع المصالح المالية الذي يتناقض مع أهداف الموقع. استمرت هذه الممارسات بشكل منخفض خلال بقية العقد، لكن منذ بضعة أعوام بدأ موقع ويكيميديا بجلسات استماع إلى هيئة المحررين المتطوعين من أجل استئصال التعديلات بمقابل مالي خلسة من أجل الحصول على محتوى أكثر موضوعية.

كاثرين ماهر: تغيرت شروط الاستخدام لاجتثاث التحرير مدفوع الثمن

وتقول كاترين ماهر المتحدثة باسم ويكيميديا “إنهم ينفقون قدرا هائلا من وقتهم لمراقبة المواد، ولا سيما المواد عن المشاهير أو الأفراد أو شركات العلاقات العامة”.

وفي عام 2013 أصبحت القضية ملحة وذلك بعد أن تم حظر معلومات عن شركة تسمى “ويكي بي أر” من المحتوى الوارد بالموقع، نظرا لوجود مئات الحسابات الوهمية التي تعمل على افتعال تأييد واسع النطاق من خلال صفحات توجه لها عبرات الإطراء بشكل مكثف.

وتقول ماهر إنه تم تغيير شروط الاستخدام بشكل جيد وهي تختلف عن تلك الموجودة في موقع ويكيبيديا وذلك لاجتثاث التحرير مدفوع الثمن. ربما تعهدت العديد من كبرى شركات العلاقات العامة بعدم انتهاك قواعد ويكيبيديا، ولكن هذه الممارسات لم تختف تماما. قبل شهرين، كشف التحقيق أنه حتى بعد تغيير شروط الاستخدام، لا يزال عاملون في شركة علاقات عامة كبري وهي صن شاين ساكس، يحررون صفحات ويكيبيديا تابعة لعملائهم دون الكشف عن انتماءاتهم. وتفاخرت إحدى الرسائل الإلكترونية بأن “صن شاين ساكس لديها عدد من المحررين ذوي الخبرة من بين موظفيها الذين أنشأوا حسابات على ويكيبيديا. ونادرا ما يتم الطعن في التغييرات التي نجريها على الصفحات الموجودة”.

العديد من الأشخاص الذين يعملون في إدارات شركات العلاقات العامة لا يملكون الخبرة في طرق عمل ويكيبيديا، وبعض الشركات تبحث خارج صفوف الموظفين لتوفير المساعدة في التحرير على ويكيبيديا. على سبيل المثال، في إحدى المرات استأجرت شركة بريسلين طرفا ثالثا لتعديل حسابها على ويكيبيديا نيابة عنها. ويقال إن شركة فياكوم فعلت الشيء نفسه.

يقول مايك وود إن “الكتابة في ويكيبيديا هي مثل أي كتابة أخرى”، المحرر المستقل يقوم بتحرير صفحات ويكيبيديا لصالح العملاء، مشيرا إلى سعي الموقع الدؤوب لتحقيق الحياد. وأسس وود موقعه الخاص وهاجم العشرات من محرري ويكيبيديا المستقلين والمؤجورين من بعض المواقع على غرار إلنس. وقال إنه يعمل مع أناس وشركات واضحين للغاية، وهم يدفعون له من 400 دولار إلى 1000 دولار لكل مادة، لكنه لم يذكر الأسماء، خوفا من سعي أشخاص معينين من تفكيك صفحات ويكيبيديا التابعة لموكليه. وصرح بأنه عمل لصالح “واحد من أكبر خمسة بنوك في العالم” وأعضاء “في إدارات العديد من الرؤساء”.

بدأ وود تحرير صفحات ويكيبيديا قبل نحو سبع سنوات. ويقول “في الواقع ويكيبيديا تصبح إدمانا بعد مرور زمن، إنك تشاهد الناس يتصفحونها طوال اليوم”. لقد أمضى وقتا يبحث عن فرص للكتابة وعن أشخاص يكتب لفائدتهم. ولكن عندما نظر حوله، لاحظ وجود عدد متزايد من الإعلانات تبحث عن أشخاص لتحرير صفحات ويكيبيديا ويصرح بأن “المقابل كان جيدا”.

ويكيبيديا أبرز موقع لتحصيل المعلومات لكنه ليس الأنسب
في عام 2010، عاد إلى المساهمة بانتظام في الموقع، وهذه المرة بوصفه محررا مدفوع الأجر. خلال فترة توقفه، قال وود بأن فحوى الموقع تغيير. يتم استخدام المحررين المخضرمين لمساعدة الآخرين الجدد بكثير من الصبر. وأضاف “الآن، إذا كنت جديدا في الموقع، وقمت بخطأ ما، فسوف يتفوق عليك المحررين الآخرين بسرعة فائقة”.

يقول المسؤول في ويكيبيديا جيمس هيلمان “لقد كان لدينا بعض المحررين الجيدين الذين قاموا بعمل جيد حقا، لقد بدأوا في عرض خدماتهم للبيع لأنها الوسيلة اللائقة لكسب المال”. بعد النظر إلى ما يقدمه موقع إلنس، أوضح أنه خلص إلى أن الكثير من المال أدى إلى تغيير المحررين في ويكيبيديا.

تقع المهمة على عاتق المحررين المتطوعين في ويكيبيديا لكشف ورفض التغييرات التي يجريها المحرروين الذين يتمعشون من الصراعات غير المعلنة. يضم الموقع عشرات الآلاف من المحررين المتطوعين الذين يعملون على تحديث الموقع بشكل منتظم كل شهر، وهذا الأمر يبدو كافيا لدرء أي تعديلات متحيزة.

تسكن مايك وود شكوك حول موارد مجتمع ويكيبيديا لمحاربة عمليات التحرير مدفوعة الأجر خلسة. ومنذ تم تحديث شروط الاستخدام في الصيف الماضي، قال إنه ينظر إلى موقع ويكيبيديا على أنه يوفر المزيد من الوظائف في مجال التحرير على تلك التي يوفرها موقع إلنس. لهذا السبب، أفاد بأنه يحب هذه السياسة التي توفر له الأعمال. وأفاد وود بأن “هناك الكثير من القواعد، والكثير من المبادئ التوجيهية، التي جعلت من شبه المستحيل التحرير في ويكيبيديا دون الحاجة إلى قضايا”.

وبما أن عمليات التحرير مدفوعة الأجر خلسة يصعب الكشف عنها، فمن الصعب تقييم فعالية استجابة ويكيبيديا لصراع المصالح على مر السنين. تقول ماهر إن “الموقع نفسه هائل جدا وعند الحديث عن المشاكل، فإنها في الواقع تميل إلى أن تكون صغيرة جدا بالمقارنة مع حجم العمل بشكل عام”.

وبطريقة ما، التعديلات مدفوعة الأجر خلسة ليست سوى دليل بسيط على المشاكل التأسيسية لموقع يجاهد من أجل تحقيق الحياد الصرف لأن الموقع أصبح أبرز مكان لتحصيل المعلومات، رغم أنه ليس أنسب المواقع لتحصيل المـعلومات المـوثوقة والمحايدة.

18