ويلبر روس "ملك الإفلاس" مبشراً بعصر تجارة الفضاء

وزير التجارة الأميركي يعرف كواحد من أبرز المستثمرين الذين اهتموا بشراء الشركات المفلسة وإعادة هيكلتها وتحسين ظروفها المالية وبيعها بأضعاف مضاعفة من ثمنها.
الأحد 2020/03/15
وزير التجارة الأميركي الذي يحتفل بكورونا

تتقدّم هذه الأيام نظرية المؤامرة “الرأسمالية الأميركية” التي يدّعي مروّجوها أنها تستهدف منجزات “الشيوعية الصينية” والتي يعلو صوتها من وقت لآخر حسب الحاجة الإعلامية والسياسية لاستخدامها؛ وتتعاظم تلك النظرية كلما تعاظم انتشار فايروس كورونا من بلد منشئه الصين، ناشراً الرعب والموت في أنحاء العالم.

وقد تمكنت أخيراً هذه النظرية – المؤامرة من تبوّؤ صدارة مواقع التواصل الاجتماعي كخبر أساس تكاد أن تصل سرعة تداوله إلى سرعة انتشار الفايروس نفسه. ويتداول المغردون والناشرون على المواقع ما مفاده أن كورونا ليس سوى صناعة أميركية في مخابرها البيولوجية وقد استهدفت الصين مباشرة من أجل تقويض حالة الازدهار والنمو الاقتصاديين فيها، ما أحال الصين إلى عملاق اقتصادي عالمي ينافس كبرى اقتصادات العالم بل ويهددها، وفي مقدمتها اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية.

والأمر الذي عمل على إزكاء نار فرضية المؤامرة وانتشارها بصورة واسعة ليس في فضاء وسائل الإعلام الاجتماعية وحسب، بل في التلفزيونات الرسمية الروسية والإيرانية بخاصة، فهو تصريح لوزير التجارة الأميركي، ويلبر روس، رجّح فيه احتمال مغادرة الشركات الأميركية المتواجدة في الصين وتعليق أنشطتها على الأراضي الصينية مع اتساع دائرة انتشار الفايروس في مختلف الأقاليم الصينية.

أبواب تغلق

الواقع أن ما رفع من حظوظ صحة المؤامرة الرأسمالية على الصين هو ما قاله الوزير روس في اللقاء نفسه مع قناة “فوكس نيوز بيزنس” إن “تفشي فايروس كورونا الجديد في الصين قد يعود بالفائدة على الاقتصاد الأميركي من خلال استعادة فرص العمل إلى الداخل الأميركي”.

ومع إقفال شركات أميركية كبرى أبوابها في الصين ومنها شركات عملاقة عابرة للأسواق مثل آبل، والشركة الأم لمحرك البحث غوغل واسمها ألفابت، وستاربكس، وأيكيا، والعديد من حيتان التجارة والمنتجات التقنية، يبدو الأمر قابلاً للتصعيد ما يدعو إلى ضرورة فهم واقعي وموضوعي لطبيعة عمل وزارة التجارة الأميركية ومن هو وزير التجارة الأميركي الذي أثار هذه الموجة من الافتراضات والتخمينات في العالم، خصوصاً وأن الفايروس يتابع انتشاره ونشر الرعب والفوضى معه بعد أن وصل عدد المصابين به في العالم إلى 100 ألف مصاب وسيزداد أكثر حتى نشر هذا المقال.

هذه الوزارة هي مؤسسة حكومية فدرالية في الولايات المتحدة، وهي جزء من الإدارة الأميركية، أنشئت لتعنى بتعزيز النمو الاقتصادي في البلاد. أما أهدافها فتتلخص في واجب توسيع وخلق فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة لجميع المواطنين الأميركيين من خلال خلق بنية تحتية تعزز النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية التكنولوجية، وتحقق التنمية المستدامة. ومن المهام المنوطة بالوزارة أيضاً جمع البيانات الاقتصادية والديموغرافية لاتخاذ القرارات التجارية والحكومية، والمساعدة على وضع المعايير الصناعية.

أما روس المولود في العام 1937 فهو مستثمر أميركي رشحه الرئيس دونالد ترامب في العام 2016 لمنصب وزير التجارة، واستلم منصبه فعلياً بعد تصديق مجلس الشيوخ على تعيينه وزيراً للتجارة الأميركية في تاريخ 27 فبراير للعام 2017، وأدى اليمين الدستورية في اليوم التالي للمصادقة على ترشيحه وقام باستلام وظيفته.

عُرف عن روس أنه رجل مصرفي ثري تم إدراج اسمه في قائمة فوربز لأثرياء العالم، وأنه قام في حياته المهنية بخطوات جريئة لإعادة هيكلة الشركات الفاشلة في صناعات الصلب والفحم والاتصالات والاستثمار الأجنبي والمنسوجات، وأيضاً عرف عنه كونه متخصصا في حيازة القروض والشركات المتعثرة. وكان يُطلق عليه قبل تعيينه وزيراً للتجارة لقب “ملك الإفلاس”، ويعود هذا اللقب الذي اشتهر به إلى طبيعة عمله كواحد من أبرز المستثمرين الذين اهتموا بشراء الشركات المفلسة وإعادة هيكلتها وتحسين ظروفها المالية تحضيراً لبيعها، وقد حقق أضعافا مضاعفة من ثمنها الذي دفعه حين كانت في طور الإفلاس.

أخطاء واشنطن

روس مصرفي ثري تم إدراج اسمه في قائمة فوربز لأثرياء العالم، قام في حياته المهنية بخطوات جريئة لإعادة هيكلة الشركات الفاشلة في صناعات الصلب والفحم والاتصالات والاستثمار الأجنبي والمنسوجات، وأيضاً عرف عنه كونه متخصصا في حيازة القروض والشركات المتعثرة.
روس مصرفي ثري تم إدراج اسمه في قائمة فوربز لأثرياء العالم، قام في حياته المهنية بخطوات جريئة لإعادة هيكلة الشركات الفاشلة في صناعات الصلب والفحم والاتصالات والاستثمار الأجنبي والمنسوجات، وأيضاً عرف عنه كونه متخصصا في حيازة القروض والشركات المتعثرة

في زيارته لبريطانيا مؤخراً، ألقى روس محاضرة في جامعة أوكسفورد عبّر فيها من منظوره الخاص عن نتائج انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية معتبراً أن بلاده أخطأت في السماح للصين بدخول هذه المنظمة. وأشار روس إلى أن انضمام بكين إلى المنظمة قد ساهم في ارتفاع منسوب الناتج المحلي الإجمالي في الصين من 1.3 تريليون دولار في العام 2001 إلى 14.3 تريليون دولار، هذا في الوقت الذي لا تتوقف فيه الصين عن مخالفة القواعد الإجرائية للمنظمة بينما لا تتوفر لدى المنظمة آليات واضحة ونافذة لتطبيق حازم وشفاف لقواعدها أو معاقبة من يخالفها.

وأشار روس في المحاضرة إلى أن نحو نصف العجز التجاري للبضائع الأميركية هو مع الصين، ومردّ ذلك كما يعتقد هو انخفاض أجور اليد العاملة هناك من جهة، ومن جهة أخرى بسبب “أننا سمحنا لهم في الولايات المتحدة بالدخول في منظمة التجارة ظنا منا أنهم سيلتزمون بتنفيذ القواعدية والأصول المرعية للمنظمة ولكن للأسف الشديد لم يكن الأمر كذلك” كما أفاد في المحاضرة. وأضاف “لذلك، كان على الولايات المتحدة أن تدافع عن نفسها؛ نحن لدينا 450 إجراء تجاريا ضد المصدرين الأجانب، تتناسب مع أحكام منظمة التجارة، نصفها تقريبا ضد الصين”.

يوضح روس أيضاً أن هناك خطأ آخر ارتكبته الولايات المتحدة في المجال التجاري وهو إبرامها لاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية في العام 1993. فقبل هذه الاتفاقية كان لدى الولايات المتحدة فائض تجاري مع المكسيك بلغ 5 مليارات دولار في العام 1992، لكن بعد السنة الأولى من الاتفاقية، تحول هذا الفائض التجاري عجزا تجاريا في السلع بلغ 16 مليار دولار، والعجز الآن يزيد على 100 مليار دولار سنويا.

وهو يشير دوماً إلى أن العجز التجاري التراكمي للولايات المتحدة مع المكسيك بعد اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية يتجاوز 1.2 تريليون دولار، ما يمثل رقماً ضخماً، ولهذا السبب شن الرئيس ترامب حملة ضد ذلك العجز التجاري المصطنع، إذ أنه لا يمكن لأي بلد أن يتحمل عجزا تجاريا دائما بهذا الحجم.

أما بالنسبة للصين، وبغية رأب الصدع الذي خلفه الخلاف العميق بين واشنطن وبكين بسبب الخلل التجاري في العلاقة بينهما، فقد وقعت الولايات المتحدة والصين في مطلع العام 2020 اتفاقاً مرحلياً خفف التوتر في النزاع التجاري، ووافقت بكين بموجبه على زيادة وارداتها من السلع الأميركية بمقدار 200 مليار دولار في السنتين القادمتين.

القوة الاقتصادية والفضاء

الثورة الصناعية الرابعة، ونظام الإنترنت، وجمع وتحليل البيانات عوامل يؤمن روس أنها ستحسن مجتمعة من الكفاءة والتعاطي التجاريين. إضافة إلى أن استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي في الإنتاج سيختصران الكثير من الوقت
الثورة الصناعية الرابعة، ونظام الإنترنت، وجمع وتحليل البيانات عوامل يؤمن روس أنها ستحسن مجتمعة من الكفاءة والتعاطي التجاريين. إضافة إلى أن استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي في الإنتاج سيختصران الكثير من الوقت

يشدد روس باستمرار على التاريخ الاقتصادي الأميركي التراكمي، فبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة كان لدى الولايات المتحدة فوائض تجارية كبيرة، وكان الاقتصاد الأميركي قويا لدرجة أن القائمين عليه قرروا مساعدة أوروبا والاقتصادات الهشة في آسيا على التعافي

من خلال المساعدات المباشرة، مثل خطة مارشال، وبالامتيازات التجارية من خلال تسهيل التصدير إلى السوق الأميركية. ويرى روس أنه تم التعامل بهذه الطريقة بصورة دائمة عن طريق اتفاق الغات ومنظمة التجارة العالمية، وهي لا تزال سارية المفعول حتى اليوم، حتى بالنسبة لقوى التصدير الكبرى مثل الصين.

روس يرى أيضاً أن الثورة الصناعية الرابعة، ونظام الإنترنت، وجمع وتحليل كميات هائلة من البيانات ستحسن مجتمعة من الكفاءة والتعاطي التجاريين؛ وأن استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد وإدخال الذكاء الاصطناعي في الإنتاج سيختصران الوقت بين تصميم المنتج وتنفيذه، كما سيقلل الذكاء الاصطناعي من الحاجة إلى العمالة والتكاليف ذات الصلة.

تعهّد روس منذ استلامه منصبه بجعل الفضاء الخارجي أكثر ملاءمة للأعمال كجزء من حملته لتحويل وزارته إلى “متجر شامل لتجارة الفضاء” كما يحب أن يطلق عليها. وهو يشجع تمكين صناعة الفضاء وإعطاءها الحرية اللازمة تزامناً مع انتشار مشاريع الفضاء التجارية. ويرى أن تجارة الفضاء الأميركية تسير بخطى حثيثة وفي الاتجاه الصحيح، وقد أصبحت في وقت قياسي صناعة متطورة بقيمة تصل إلى تريليون دولار.

وكان ترامب قد منح وزير تجارته ووزارته صلاحيات واسعة لتنظيم تجارة وصناعة الفضاء، واستعاض بها عن مكتب النقل التجاري الفضائي التابع لإدارة الطيران الفدرالية. وسيتم تعيين مدير جديد لمكتب تجارة الفضاء، وهو المنصب الذي ظل شاغرا لمدة 10 سنوات. يقول روس في هذا الشأن “سيكون المدير الجديد لمكتب تجارة الفضاء بموقع السفير لشركات الفضاء الأميركية، وسيدافع عن فرص أعمال أميركا ومصالحها في جميع أنحاء العالم”.

8