ويليام ووردزورث بائع الطوابع الانطوائي الذي أصبح أعظم شعراء إنكلترا

السبت 2014/06/14
ووردزورث كتب في شعره أفضل لحظات حياة الإنسان الصالح

يفتقد العالم الرومانسية اليوم، ولكنه يهرب إليها بذهابه إلى شعراء كبار من طراز ووردزورث حيث كانت تتنزه أطياف الشعراء على ضفاف بحيرة ليك ديستركت. تفاجئهم وهم وقوفٌ على حافة بحيرة الريدال ووتر وتضبط ظلالهم في تلك المرايا السحرية الدَّهشة من وجوههم التي دوَّخها الأفيون.

في الليك لاند وبين أزهار النرجس الراجفة من ثلوج نيسان، بإمكان المرء أن يتخيل الووردزورثيين غارقين في سبات الأفيون، أو قاطعين الأميال من دوف كوتيج إلى ويندرمير.

كنت ترى ويليام ووردزورث نصير الثورة الفرنسية وشقيقته دوروثي صاحبة العينين الشهوانيتين المتوحشتين على حد تعبير دي كوينسي، وقد سحق الأفيون جمجمتيهما.


رحلات تحت المطر


صاحب الرحلة الشهيرة التي جاب فيها فرنسا وسويسرا مشياً على الأقدام كان يخرج وشقيقته في حالك الطقس، والعواصف الصقيعية يتحديان أمطار الشتاء الجارحة ليحتلا قمة أخرى أو ليصلا إلى نور مختلف. شرائح لحم الخنزير والضأن الباردة المخبوءة في جيوبهما كانت غذاءهما في النزهات.

ثمة من يقول إن وراء كل عظيم امرأة تعتقد بأن الشمس تخرج من بين كتفيها. وبالمقابل ثمة من يرى بأن وراء كل امرأة عظيمة شخص غضوب. ربما كان قدر العباقرة ومن والاهم وناصرهم وأحبهم، أن يحيوا بؤساً أبدياً.

نأى ووردزورث وشقيقته عن ضغوط المنزل. ويليام ودوروثي شخصان حميمان. يجلسان قرب بعضهما طوال الوقت في منزلهما في دوف كوتيج. وسرعان ما يبتعدان إذا ما سرى تيار العاطفة واتّقد ليتطلعا من النافذة آملين أن يتوقف المطر عن الهطول ليهربا من توتر المشهد. ولكن إلى أين؟

في بعض الأحيان وبالرغم من المطر الشديد كان لا بد من الخروج إلى الرياح العاتية وصقيع الشمال للهروب من المنزل والأفيون والرغبات الجامحة. في تلك اللحظات كانت دوروثي تفرغ مشاعرها تحديقاً بجدول مائي يرغي ويزبد. وعندما تهدأ يعودان إلى المنزل لتبدأ الفورة من جديد.

“كنت أهتم به عند الردهة”، ذكرت دوروثي في افتتاحياتها في العامين الأولين أثناء وجودهما في عزلتهما الغريبة في غرايسمر، لكن تلك كانت مجرد رعاية. ولم يكن مسموحاً بها إلا في تلك المناسبات العذبة القليلة قرب المدفأة حين يتأخر ويليام عن موعد نومه. لا ريب أن سن البلوغ تأخر عندهما.

بدا الشقيقان قانعين بتلك الحياة البسيطة. ويليام كان يعتني بمساكب البازلاء لبعض الوقت، ليذهب بعد ذلك إلى السرير حيث كان يمضي جل وقته، تاركا ما تبقى من أعمال لدوروثي، تنظيف، وغسيل أطباق، وطهي، ليصبح شاعر إنكلترا العظيم بعد عشرات السنين وشاهدته الأكثر شهرة

ويقين أن التوتر كان يأتي من طرفها. فقد كانت عاجزة عن التصعيد. عجزها هذا جعل من الردهة التي احتضنتهما ولاّدة للكثير من الشعر العظيم.

المنزل في تلك الفترة كان غريبا بعض الشيء. ويليام في الثلاثين من العمر (كان يكبرها بعام واحد) وفي أوج إبداعه. الليريكال بالادز في الحقيبة، والبيرلود تتهيأ للخروج منها. أما دوروثي، آلته الناسخة، ضحيته الراغبة، حبيبته اللامرئية، فكانت تتألق. كانت تحيط بهما مجموعة من المعارف والأصدقاء وفلاحيْن اثنين. معظمهم مدمنو مخدرات. كوليردج كان ضيفاً دائماً. أما دي كوينسي فجاء في وقت لاحق.

بدا الشقيقان قانعين بتلك الحياة البسيطة. ويليام كان يعتني بمساكب البازلاء لبعض الوقت، ليذهب بعد ذلك إلى السرير حيث كان يمضي جُلَّ وقته، تاركا ما تبقى من أعمال لدوروثي، تنظيف، وغسيل أطباق، وطهي، لا ينتهي. “خبز- وبازلاء”. يبدو أن هذا كان تخصصها. كانت ترعى الخدم. رغم أن آل ووردزورث لم يكونوا من الأثرياء، فقد كانوا بمنأى عن الفقر. هي تساير الشحاذين وذوي الحاجات. اثنان أو ثلاثة منهم في اليوم. جنود معوقون، أو أطفال بلهاء، أو يتامى ونساء غجريات حَوّل ويليام حيواتهن إلى شعر.

إلى هذا وذاك، كانت دوروثي تطبع ما يكتبه شقيقها وتصححه وتنقحه وتكتب النقد له. رغم ذلك لم تكن هي جنيّة الشعر، بل صبيّة المنزل التي توسّلت لجنية الشعر. ويا له من دور!

كانت دوروثي تطبع ما يكتبه شقيقها ويليام وتصححه وتنقحه وتنتقده، ورغم ذلك لم تكن هي جنية الشعر، بل صبية المنزل التي توسلت لجنية الشعر


الأخت الموثّقة


ولكن على ماذا حصلت من ذلك كله؟ بالنسبة إلى ويليام، فقد حصل على اللغة الغريبة بل والشاذة التي كانت تكتب بها دوروثي. وعلى الدقة المتناهية التي كانت تدوّن بها المشاهد الجميلة من حولها. ألم تكن مرجعه الوحيد عندما يتعلق الأمر بالورود والأزهار والأشجار وحال الجو؟ لقد أصاب روبرت غريفز عندما قال: ” لم يكن ويليام على معرفة دقيقة ومعمقة بحياة الطبيعة، ذلك أنه لم يكن يستيقظ باكراً أبداً”.

من حين إلى آخر كانت تقفز إلى ذهن ويليام ذكرى علاقته مع آنيت فالون التي تعرّف عليها في باريس وهجرها هناك. كان ذلك قبل سنوات من عزلته مع شقيقته.

في “رسالة من آنيت” كانت دوروثي تنّوه إلى تلك العلاقة دون أن تبدي أية مشاعر. افتتاحياتها في صحيفتها كانت مشفوعة بملاحظات تتعلق بالصداع. ذلك أن دوروثي هي الأخرى كانت تعاني منه. ولم تكن آلام الأسنان أو أوجاع القولون والأرق بأحسن حالاً. تقول دوروثي: “كنت أستلقى وأنا بأسوأ حال. أما ويليام فكان يجلس بهدوء بائس”. أوجاع المعدة مزعجة هي الأخرى. تَسكّع لخمسة أميال يتبعه بلل يدلف إلى العظام ليرجفها. كان يسبب الرقاد في الفراش بسبب النزلات الصدرية. ولكن أي أحمقين كانا. مريضان على الدوام كانا. داخل المنزل بسبب الأرق والضغط النفسي. وخارجه بفعل التسكع البري الوحشي ما راكم ألما على ألم، وأجَّج حباً من طرفها قارب الجنون.

” ترفرف النار بلهيبها، وتتكتك الساعة. ولا أسمع سوى تنفس من أحب. كنت تراه يدفع بالكتاب من حين إلى آخر ليقلب صفحة”.

هذه ليست لغة حب، فالحب أكثر عدوانية. إنها لغة الموت العذب. كانت عيناها تعلنان انسحاقها أمامه. كانت طامحة لأن يصبح عبقرياً.

بعد أن تزوج ثانية وبات مشهوراً، تعرضت دوروثي للشلل ومن ثم العجز. لكنها كانت لا تزال تلقي قصائده. ربما كانت تحاول أن تبعث من جديد تقديرها الفطري لذاتها في شهادة الجنون التي منحتها لنفسها والتي اعتقدت بأنها هي من سّطر كلماتها.

في العام 1802 ورث ويليام عن والده ثروة كانت كافية لزواجه من صديقة الطفولة ماري هتشبنسون لينتقل مع زوجته ماري وشقيقته دوروثي للعيش في قرية تقع في مقاطعة نهر غراسمير، وفي العام 1807 نشر ووردزورث كتابين شعريين له لم يثيرا اهتمام أحد، وبعدها عين في وظيفة موزع للطوابع


رحلة الطفل إلى النهايات


ولد ويليام ووردزورث في السابع من أبريل سنة 1770 في بريطانيا، وبعد وفاة أمّه أُرسل ووردزورث إلى مدرسة بعيدة عن منزله لإكمال تعليمه، ثم ما لبث أن توفي والده، فعاش وإخوته في كنف أعمامهم حياة صعبة، وبعد تخرج ووردزورث من المدرسة أرسل لجامعة كيمبرج لإكمال تعليمه وتخرج منها ثم ذهب لإنكلترا وقضى فيها فترة قصيرة بعدها عاد عندما أحس بحاجته إلى المال فساعده أصدقاؤه للتفرغ للكتابة، وفي ذلك الوقت التقى ووردزورث بالشاعر صموئيل تايلور كوليردج وكونا صداقة حميمة واشتركا في نص واحد بعنوان “القصائد الغنائية” حاولا فيه استخدام اللغة العادية في شكل شعري، وبعد مدة انتهت صداقتهما بسبب إدمان كوليردج على المخدرات وتغير سلوكياته، وفي 1802 ورث ويليام عن والده ثروة كانت كافية لزواجه من صديقة الطفولة ماري هتشبنسون لينتقل مع زوجته ماري وشقيقته دوروثي للعيش في قرية تقع في مقاطعة نهر غراسمير، وفي العام 1807 نشر ووردزورث كتابين شعريين له لم يثيرا اهتمام أحد، وبعدها عُيّن في وظيفة موزّع للطوابع.

عصفت رياحٌ برأس ويليام، فقرر السفر، ونشر دليل المسافر في مقاطعة البحيرة والذي حقق له شعبية واسعة.

يقول النقاد إن حياة ويليام الإبداعية عزّزتها أزمته النفسية وذلك بفضل التأثير الذي مارسته عليه أخته دوروثي وصديقه كوليردج. وكان ذلك بعد عودته من فرنسا مباشرة. ففي تلك الفترة أخذت تتبلور نظريته الشعرية وفلسفته في الحياة. وبدءاً من تلك اللحظة أخذ يكتب أجمل قصائده.

وقد استمرت حياته الإبداعية الخصبة دون انقطاع حتى العام 1815، أي حتى سن الخامسة والأربعين. وفي تلك الفترة كتب معظم أناشيده الغنائية والعديد من القصائد الأخرى.

التقى ووردزورث بالشاعر صموئيل تايلور كوليردج وصارا صديقين مقربين واشتركا في نص واحد بعنوان "القصائد الغنائية" حاولا فيه استخدام اللغة البسيطة في شكل شعري

وعندئذ راح ينظّر للشعر الجديد ويقول: ” لقد مللنا من الشعر التعليمي والوعظ السابق. نحن نريد شعراً جديداً يعبر عن مشاعرنا الحميمة الأكثر صدقاً وحدة وكثافة. نريد الشعر الصادق الذي يتطابق مع ما نحسّ به ونشعر، لا الشعر المفروض علينا من قبل التراث والأقدمين. نحن لا نريد بعد اليوم تقليد الماضي، نحن نريد التعبير عن تجربتنا الحية، تجربتنا العلمية الممارسة كل يوم. ولا نريد التعبير عن تجارب اصطناعية لا نحس بها، نريد شعراً يتطابق مع الحياة، لا شعراً جافاً متخشباً منقطع الصلة بالحياة”.

كتب ووردزورث في شعره: ” أفضل لحظات حياة الإنسان الصالح هي أفعال الخير والحب الصغيرة والمجهولة والمنسية”.

15