ويني ذا بوه دب ديزني في مواجهة العالم القديم

السبت 2017/07/22
ويني ذا بوه لعبة محشوة صغيرة تقلق نوم الرئيس الصيني

إسطنبول- لم تعد أخبار الحظر في الصين تثير أيّ أحد، ففي هذا البلد الذي اختطت نخبه الحاكمة له سياسة خاصة، تدمج بين مبادئ الشيوعية وبين الرأسمالية، يمكن للمواطن الصيني المتمكن أن يستمتع بكل أنواع الرفاهية الغربية، ولكن دون تدخل في الشأن السياسي، ولكن هذه القاعدة التي تبنى على ترك المواطنين يعيشون حياتهم دون تدخل عياني واضح من السلطة الحاكمة يمكن أن تخترق في أيّ لحظة.

وخاصة في الأوقات التي يتم فيها مقاربة النخبة الحاكمة أو أحد شخصياتها في أيّ نشاط إعلامي احترافي أو اجتماعي على شبكة الإنترنت أو في أعمال فنية أو اسكتشات شعبية ساخرة، وهكذا يتوقع المرء أن تفرد السلطة قوتها كلها لتشعر المواطنين الساخرين بجبروتها وقدرتها على التأثير والمنع والحجب.

ومن هذه الزاوية يمكن استيعاب قيام السلطات الصينية بالإيعاز إلى الشركات الخاصة من مزوّدي الخدمات الإلكترونية بحجب الشخصية الكرتونية “ويني ذا بوه” تماما من محركات البحث وتطبيقات الدردشة، وصولاً إلى شبكة “ويبيو” للتواصل الاجتماعي، وهي موقع صيني بديل عن فيسبوك والذي يستخدمه أكثر من 340 مليون شخص.

الدب المحبوب

وفي هذه الأيام، قام بعض الصينيين بنشر صور تجمع كلا من شخصية ويني الدبدوب مع الرئيس شي جين بينغ، في مفارقة ساخرة تقوم على الشبه بينهما، تأكد الجميع من أن الأمر أوصل القيادة الصينية إلى درجة عالية من الانزعاج جعلتها تذهب إلى جهة المنع والحجب بدلاً من الاستيعاب والتفهم، وطالما أن الجهات التي أصدرت التوجيهات لم تقم بإعطاء أيّ تفسير رسمي لإدراجها “ويني ذا بوه” في القائمة السوداء فإن تفسير الأمر لن يخرج عن هذا المنحى. لكن هل ثمة شبه بين هذه الشخصية الكرتونية وبين الرئيس الصيني؟ صحيفة.

الغارديان تحدثت عن الأمر فقارنت بين صورة لمصافحة الرئيس شي لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، بصورة “ويني ذا بوه” وهو يمسك بحافر صديقه الحمار. وذكرت أن الصور المستفزة احتوت على لقطة نشرت عام 2013 “تُظهر الرئيس الصيني يمشي إلى جانب الرئيس الأميركي باراك أوباما حملت تشابهاً غريباً مع صورة ‘ويني ذا بوه’ وهو يمشي بجانب النمر تايجر”.

كما نشرت صورة أخرى لويني والرئيس شي جنباً إلى جنب وكانت الأكثر حظراً بالصين في عام 2015، وفقاً لمنظمة غلوبل ريسك إنسيت الاستشارية السياسية، بحسب صحيفة التايمز البريطانية.

فوبيا ويني ذا بوه
العودة إلى تاريخ الشخصية الكرتونية توضح أنها لم تكن دائماً تلك الأيقونة الطفولية المحببة من قبل الجميع، فقد تم تأويل شكلها بالأمس القريب من قبل بعض المسؤولين البولنديين في العام 2014 بطريقة غريبة حيث أرجع سياسيون بولنديون معارضتهم لتسمية حديقة في بلادهم على اسم “ويني ذا بوه” إلى ما اعتبروه “جنسه غير الواضح” ما إذا كان ذكرا أم أنثى.

كما تم منع عرض الأفلام الكارتونية الخاصة بشخصية “ويني ذا بوه” ومنع وجود الدمى الخاصة به في الأماكن المخصصة للعب الأطفال، وذلك بسبب لباسه غير المحتشم و”نشاطه الجنسي المشبوه”.

وقد صرح ريزار كيتشي، أحد المسؤولين في بلدية مدينة توسزين البولندية، أن المشكلة تكمن في أنّ لباس “ويني ذا بوه” غير كامل، فهو نصف عارٍ، وهذا الأمر غير مناسب للأطفال برأيه وطالب معارضو مشروع الحديقة باستبدال “ويني” بشخصية كارتونية محلية لدبّ يدعى “يوسازتك” لأنه “دب محتشم”.

وتحدثت الأخبار أن هذا الجدل حول “ويني” لاقى سخرية من أبناء المدينة الذين أعربوا عن دهشتهم من مناقشة السياسيين لهذه الأمور بدلاً من قضايا أكثر أهمية.

وفي هذا السياق قال أحد سكان المدينة “هناك أمر واحد مشترك بين ‘ويني ذا بوه’ وهؤلاء السياسيين وهو أن كليهما محدود الذكاء”.

في سياق التفكير بأنواع المفارقات الساخرة التي يتم ترويجها على شبكات التواصل الاجتماعي يمكن العثور على الكثير من الشخصيات الكرتونية المختلقة التي يتم تشبيه بعض الشخصيات الحقيقية بها، فعادة ما يستدعي المستخدمون الساخرون شخصيات القوة الخارقة كسوبرمان والرجل الوطواط والرجل العنكبوت لإحداث التبيان المضحك بينها وبين رجال السياسة المدّعين الكاذبين.

ولكن أن يتم استخدام “ويني ذا بوه” في سياق هكذا مقاربة فإن الأمر يبدو مستغرباً فعلاً، إذ طالما ارتبطت هذه الشخصية المحببة للأطفال بأفكار البراءة والسذاجة بحيث لا يمكن توقع دفعها لتكون أداة لمقاربة كوميدية تسخر من شخصية ذات وزن سياسي هائل في مجتمعها كالرئيس الصيني، ولكن هل كان “ويني ذا بوه” رمزاً طفولياً محبباً ومقبولاً دائماً؟

“ويني ذا بوه” هو الدب الأكثر ثراء من الملكة بحسب الديلي ميل البريطانية والذي خلدته والت ديزني وحفظه الأدب الإنكليزي كواحد من أشهر وأهم الدببة المحشوة في تاريخهما، ظهر لأول مرة عام 1921 مع المئات من أمثاله في مصنع فاريل غرب لندن، ليكون فيما بعد هدية زوجة مؤلف قصة “ويني ذا بوه”لابنها حديث الولادة كريستوفر حيث رافقه طوال التسع سنوات الأولى من حياته.

في العام 1925 بدأ المؤلف الأب أ. أ ميلان يدوّن ملاحظاته ومشاهداته لمغامرات طفله مع الدب الصغير؛ كيف يلعب معه، وما هي السيناريوهات التي ينشئها من خلال اللعب، وكل الطقوس المعتادة، بالإضافة إلى البيئة المحيطة ليحول كل هذا فيما بعد إلى رواية كاملة عن “الدب ويني” جاعلاً من هذا الكائن “ذي العقل الصغير” محطّ اهتمام الأطفال حول العالم، وقد أعطته العائلة اسماً لدب حقيقي يدعى “ويني”، يقيم في حديقة حيوان لندن، تم التبرع به من قبل الطبيب البيطري الكندي هاري كولبورن.

وفي عام 1947 منحت دافني زوجة المؤلف الحقوق الأدبية للرواية لشركة ديزني، فأصبح ويني نجماً عالمياً بات رصيده حتى الآن مئات الأفلام السينمائية والتلفزيونية المخصصة للصغار. ترجمت رواية “ويني ذا بوه” إلى أكثر من 46 لغة ونالت في عام 1960 مكانة فريدة في النيويورك تايمز كواحدة من أفضل الروايات الراسخة في صدارة قائمة المبيعات.

يعتز البريطانيون بـ”ويني ذا بوه” اعتزازاً كبيرا وقد طالب أعضاء في مجلس العموم ذات يوم بإعادته إلى وطنه في إشارة إلى استئثار شركة والت ديزني به بوصفها المالكة لحقوق الرواية الأصلية، ولكن هذا المسعى الرمزي لم يثمر في الحقيقة سوى عن طرح البريطانيين في العام 2010 لطوابع بريدية تحمل صورة “ويني ذا بوه” بالإضافة إلى صور أصدقائه الأرنب والبومة والنمر وغيرها في رسومات خطية بالأبيض والأسود.

وعن هذه الخطوة قال عضو هيئة البريد الملكى “رويال ميل” فيليب باركر “إنه بعد مرور 90 عاماً تقريباً على اختراع ‘ويني ذا بوه’ فإن البريطانيين يتطلعون إلى مغامرة جديدة من ‘ويني ذا بوه’ وأصدقائه، حيث سيسافرون عبر الرسائل إلى الملايين من المنازل عبر المملكة المتحدة وخارجها”.

ولكن تأثير هذه الشخصية لم يتوقف عندها ذاتها بوصفها شخصية كرتونية تصنّف حالياً على واحدة من عشر شخصيات كرتونية أثّرت في أطفال العالم وأحبها الناس، بل إنها دفعت المنتجين للتفكير بكل ما ارتبط بها من تفاصيل.

صحيفة الغارديان تشير إلى صور مستفزة احتوت على لقطة نشرت عام 2013 ُتظهر الرئيس الصيني يمشي إلى جانب الرئيس الأميركي باراك أوباما حملت تشابها غريبا مع صورة ‘ويني ذا بوه’ وهو يمشي بجانب النمر تايجر

فقد جرى البحث في حياة الطفل كريستوفر الذي كان جزءا من الرواية، وينقل موقع بريطاني على شبكة الإنترنت أن الكثيرين حول العالم لم يعرفوا بأن هذه الشخصية هي ذاتها شخصية ابن المؤلف الذي قال ذات يوم متململاً من تأثير الرواية على حياته “هناك شيئان يطغيان على حياتي، وأرغب في الهروب منهما شهرة والدي وكريستوفر روبن”.

وقبل أيام قليلة نشر على موقع يوتيوب الإعلان الترويجي لفيلم “وداعاً كريستوفر روبن” المصنف ضمن نوعية أفلام السيرة الشخصية والأفلام العائلية والتاريخية، ويستعرض الفيلم حياة كاتب الرواية ميلان وكيف استوحى سلسلة كتبه “ويني ذا بوه” من حياة ابنه الطفل كريستوفر روبرت ميلان. الفيلم من بطولة مارغو روبي، دومنال غليسون، كيلي مكدونالد، وإخراج سيمون كيرتس، ومن المنتظر إطلاقه للعرض في الولايات المتحدة بتاريخ 13 أكتوبر 2017.

تدفق أيديولوجي غربي

بالعودة إلى حرب الحكومة الصينية مع “ويني ذا بوه” فقد نقلت مجلة نيوزويك الأميركية أن الحزب الشيوعي الصيني أعلن أنه سيُقلص عدد الكتب الأجنبية التي تعرض أيديولوجيات تخريبية، وضمن هذا السياق تم منع سلسلة روايات “ويني ذا بوه”، وقد أعلن الموقع الصيني “تاو باو” الذي يقدم خدمات تسويقية تشبه موقع أمازون العالمي أنه سيمنع كتب الأطفال الأجنبية غير المرخصة من الحكومة.

طبقت بكين هذه المعايير في معركة متنامية للحد من التأثير الأجنبي على المجتمع الصيني. ومع ذلك لا يؤمن الجميع بأن هذا التطبيق فعال أو مُحتمل. وفي السياق وبحسب ما نقله موقع هافينغتون بوست قال أحد محرري الكتب الصينية لصحيفة فايننشيال تايمز “لا أعتقد أن هذا الحظر ممكن؛ لأن تطبيقه عسير للغاية، كما أنه غير ذي نفع للمواطنين أو للدولة”.

وأضاف أحد مسؤولي النشر أن القانون الجديد أُبلغ شفهياً وأنه كان محاولة لجعل الناس “تلتزم بمبادئ الحزب الشيوعي”. وقال مصدر آخر مجهول لصحيفة الغارديان “اشتكى مسؤولو الحزب الشيوعي من تسبب القصص الأجنبية في (تدفق أيديولوجي) غير محتمل من الغرب. وقد قررت الحكومة عمداً الحد من الكتب المستوردة وحماية الكتب التي يكتبها مؤلفون صينيون”.

14