ويني مانديلا.. من رفيقة صانع السلام إلى مدانة باستغلال السلطة

أيقونة النضال في جنوب أفريقيا الأشهر والأكثر إثارة للجدل بمسيرة مليئة بالتناقضات.
الثلاثاء 2018/04/03
ويني يدا بيد مع مانديلا لحظة الإفراج عنه في العام 1990

جوهانسبرغ - رغم أن نيلسون مانديلا تزوج ثلاث مرات، إلا أن زوجته الثانية، ويني، كانت الأشهر والأكثر إثارة للجدل بمسيرة سياسية متناقضة، بدأتها نموذجا للمناضلة القوية ورفيقة مانديلا، صانع السلام، وانتهت بإدانتها باستغلال السلطة وممارسة سياسة عزل ضد معارضيها.

تذكّر كثيرون هذا التاريخ وهم يقرأون خبر وفاة ويني مانديلا الاثنين 2 أبريل عن عمر يناهز الـ81 عاما بمستشفى ميلبارك في جوهانسبورغ بعد صراع مع المرض. وتراءت إلى الأذهان صورة شهيرة للزوجين مانديلا يمشيان يدا بيد عند الإفراج عن بطل مكافحة نظام الفصل العنصري في العام 1990، وأخذت انتشارا عالميا واسعا، غير أن طريقهما افترق، إذ تطلقا في العام 1996 إثر مسار قضائي شاق.

ولدت نومزامو وينفريد زانيوي ماديكيزيلا، المعروفة بـ”ويني”، في 26 سبتمبر 1936 في بلدة مبونغويني الواقعة في ما يعرف راهنا بالكاب الشرقية. واستمر زواجها بنيلسون 38 عاما، بما في ذلك السنوات الـ27 التي أمضاها في السجن.

ويني مانديلا نموذج للمناضل الذي ينسى وسط زحام السياسة وأضواء السلطة معايير النزاهة والأخلاق
ويني مانديلا نموذج للمناضل الذي ينسى وسط زحام السياسة وأضواء السلطة معايير النزاهة والأخلاق

وحازت ويني شهادة جامعية في مجال الخدمة الاجتماعية، وهو أمر كان يعدّ استثنائيا في تلك الفترة لامرأة أفريقية. وعندما تزوجت بمانديلا كانت في الحادية والعشرين من العمر، في حين كان هو يناهز الأربعين، مطلقا وله أولاد. وسرعان ما طغى الالتزام السياسي على حياتهما الزوجية.

وكتبت ويني في مذكراتها “لم تكن لدينا فعلا حياة عائلية.. ولم يكن بوسعنا انتزاع نيلسون من شعبه. فمكافحة نظام الفصل العنصري والأمة كانا يأتيان في المقام الأول”. وبقيت ويني وحيدة مع ابنتيهما بعد توقيف مانديلا في أغسطس 1962. وتسلمت شعلة النضال ضد نظام الفصل العنصري لصالح البيض. وأصبحت المرشدة الاجتماعية الشابة محط حملات تهويل وضغوط متواصلة. وقد زجّ بها في السجن وخضعت للإقامة الجبرية قبل عزلها في منزل بقرية نائية استهدفها هجومان بالقنبلة. لكن كل هذه الضغوط لم تثبط عزيمة المناضلة التي ما انفكت تتحدى سلطة البيض. وباتت من أبرز وجوه حزب المؤتمر الوطني الأفريقي رأس الحربة في هذا الكفاح. وفي العام 1976، دعت طلاب سويتو إلى “الكفاح حتى النهاية”.

ووصف ديسموند توتو، كبير أساقفة جنوب أفريقيا سابقا والحائز على جائزة نوبل للسلام، ويني مانديلا بأنها “من أكبر رموز” النضال ضد نظام الفصل العنصري.

وقال “لقد رفضت الاستسلام في مواجهة سجن زوجها والمضايقات المستمرة لعائلتها على أيدي قوات الأمن والاعتقالات وقرارات الحظر التي طاولتها. موقف التحدي الذي اعتمدته شكل مصدر إلهام كبير لي ولأجيال من الناشطين”.

لكن تحوّلت ويني إلى مصدر إزعاج للحزب ومصدر إحراج لمانديلا. وقال عنها ديسموند توتو، صديق مانديلا، “لقد كانت رمزا مذهلا للكفاح، أيقونة للتحرير. لكنها انحرفت بعدها عن مسارها بشكل مريع”.

 

ويني مانديلا توفيت، الاثنين عن 81 عاما بعدما تسلّمت شعلة هذا النضال عندما كان زوجها يقبع خلف القضبان قبل أن تشهد مسيرتها انحرافا وتناقضات. فقد عرفت ويني التي انتخبت نائبة في 1994 وأعيد انتخابها في كل الانتخابات التالية، بتغيّبها عن البرلمان، كما حرصت على الدفاع عن الفقراء رغم البذخ الكبير الذي طبع حياتها.

وأحاطت ويني مانديلا نفسها بشبان شكلوا حرسها المقربين في إطار ما عُرف بـ”نادي مانديلا لكرة القدم” (مانديلا يونايتد فوتبول كلوب). واستخدموا أساليب عنيفة بدرجة كبيرة. وفي 1991، أدينت ويني بتهمة الضلوع في خطف شاب ناشط هو ستومي سايبي، وحكم عليها بالسجن ستة أشهر قبل خفض هذه العقوبة والاستعاضة عنها بفرض غرامة مالية.

وعلى الرغم من تشجيع البعض لمانديلا بتطليقها، إلا أنه قرر البقاء وفيا إلى غاية إدانتها من المحكمة. وحصل على تمويل للدفاع عنها لكن أدينت في يونيو 1991 وحكم عليها بالسجن لمدة ست سنوات، خفضت إلى اثنتين بعد الاستئناف. وفي 13 أبريل 1992، أعلن مانديلا انفصاله عن ويني، التي انتقلت للعيش في ضاحية جوهانسبرغ ذات الغالبية البيضاء.

وبعد تعيينها نائبة لوزير الثقافة عقب أول انتخابات محلية يشارك فيها السود في 1994، أقالتها حكومة زوجها من منصبها بعد عام بتهمة عصيان الأوامر الرسمية. وفي سنة 1998 أعلنت لجنة الحقيقة والمصالحة المكلفة بالمحاكمات المرتبطة بالجرائم السياسية خلال نظام الفصل العنصري، ويني مانديلا “مذنبة سياسيا وأخلاقيا بانتهاكات لحقوق الإنسان” ارتكبها أعضاء “أم يو إف سي”.

حولت ويني تأييدها لنيلسون إلى عداء، حيث انتقدت بشدة الاتفاق التاريخي الذي وقعه زوجها مع البيض لإنهاء الفصل العنصري. وقالت في تصريحات لها “مانديلا تخلى عنا. الاتفاق الذي أبرمه سيء للسود”.

واستمر الجفاء بينهما حتى بعد وفاة نيلسون مانديلا نهاية العام 2013، حيث لم يترك لها شيئا، ما أثار غضبها ودفعها لخوض معركة قضائية خاسرة.

6