يأتون ويرحلون ويعلمون

الأحد 2015/02/22

كل يوم نلتقي ونتعرف على أناس بشخصيات مختلفة سواء في العمل أو من خلال المحيط الاجتماعي. هناك من يمر في حياتنا مرور الكرام وهناك من يدخل حياتنا ثم يرحل وهناك من يستقر في حياتنا لفترة من الزمن وأحيانا يبقى لمدى العمر.

كل شخص نتحاور معه ونتعامل معه وبغض النظر عن طبيعة رحلته في حياتنا، سواء كان مرور كرام أو زيارة لفترة قصيرة أو استقرارا لمدى الحياة، كلهم نتعلم منهم.

فوجود أيّ شخص في حياتنا يكون لسبب أو لقدر مكتوب. فعلى سبيل المثال لا الحصر تقع امرأة في غرام رجل يُشعرها أنها هي الأنثى التي خلقها الله له ومن بعدها لا نساء ولا حبّ ولا حياة لكنه بعد فترة يغير رأيه لسبب أو لآخر ما وينجذب لأخرى تاركاً الأولى تتألم وتتساءل، وتستمر هي في ألمها وتساؤلها، لكن تساؤلاتها لا تخرج عن نطاق رؤيتها لنفسها على أنها الضحية، ولا تنتبه أنه ربما كان وجود ذلك الرجل في حياتها ليُعلّمها شيئا عليها أن تتقبله وتسعى لتغييره في نفسها.

ومثال ذلك الرجل الذي يتزوج على زوجته بحثا عمن تشبع رغباته الجنسية التي أخفقت الأولى في إشباعها ليكتشف بعد سنوات أن الثانية تشبع رغباتها الجنسية والعاطفية معا مع رجل آخر.

وعندما يحصل الطلاق بدلا من أن يتفهم كل طرف أن ما حصل هو إرادة من الله وأن هناك رسالة لكليهما، نجد أن الاثنين يشنان الحرب على الآخر، فتأبى الأنا عن الرجل من تقبل الأمر الواقع وهو أن زوجته انجذبت لرجل غيره وكأنه يشعر بنقص في رجولته، وتكون ردة فعل المرأة هنا الانتقام لأنه اكتشف خيانتها وطلقها، ناسية أن هناك أيضا درسا عليها أن تتعلمه.

وتتفاوت الدروس التي يعلمها لنا الآخرون من شخص إلى آخر تماما كما تتفاوت طبيعية وجودهم في حياتنا.

وكما تتفاوت الدروس التي يتعلمها الشخص من الناس الذين يدخلون حياته ثم يرحلون، تتفاوت أيضا ردود أفعالهم تجاه هؤلاء خاصة بعد الرحيل.

لكن الملاحظ أن الغالبية العظمى منهم يتذمّرون وأحيانا كثيرة يحزنون وأوقات أخرى نراهم يغضبون ويحملون الضغائن في داخلهم لسنوات فقط لأن توقعاتهم من الشخص الآخر لم تتحقق.

الآخرون ليسوا أسباب تعاستنا أو آلامنا أو حتى مصدر سعادتنا، إنما نحن مصدر كل شيء في حياتنا. فعندما نرفع أسقف توقعاتنا مع من نتعامل معهم من الناس من دون أن نخبرهم أو نشعرهم بذلك تصل درجة توقعاتنا إلى مئة بالمئة، وعندما لا تتحقق تسقط من أعلى قمة التوقع على الأرض وتكون النتيجة حالتين إما أن تتحطم توقعاتنا وبالتالي نتحطم نحن معها أو أن تُجرح ونتألم نحن معها.

هذا السيناريو يتكرر كل ثانية ودقيقة في العالم. ونرى أن هناك فئة نادرة من البشر أو نسبة نادرة من الناس من يتفاعلون مع انهيار توقعاتهم أو عدم تحقيقها بشكل صحي.

والطريقة النفسية الصحية هي أن نتكيف مع ما حصل ونعتبر أن ذلك الشخص جاء لحياتنا ليعلّمنا درسا في الحياة ويعلمنا درساً يتعلق بتصحيح خلل ما في أنفسنا أو ربما يقربنا من الله بطريقة أو بأخرى حتى وإن كان هذا الشخص يهوديا.

أنا عن نفسي تعلمت الكثير عن قربي من الخالق سبحانه وتعالى وحبّي له من خلال معارفي وأصدقائي من الديانات الأخرى وأحببت طريقة تعاملهم مع الخالق النقية والبعيدة عن القشور والفهم الحرفي لما أمر به الخالق أو أمر به من لا يفقه ويُفتي.

عندما يرحل البعض عنّا علينا ألاّ نحزن ولا نغضب لأن رحيلهم لا يعني أنهم سيئون بل يعني أن دورهم في حياتنا قد انتهى، نعم ذلك الدور الذي تضمن درسا خاصا، ذلك الشخص بدوره الذي لولاه ما كنا نضجنا.

نادراً ما نسمع أن قصصاً إنسانية عاطفية كانت أم اجتماعية انتهت بتقبل ما حدث ومسامحة الآخر، إنما ما يحدث عند البعض هو محاولة نسيان ما حدث وهذا خطأ آخر فكلما أصررنا على النسيان كلما تذكرنا أكثر، يقول ميشيل دي مونتين “لا شيء يُرَسّخ الأشياء في الذاكرة كالرغبة في نسيانها”.

وهذا واقع نلمسه في حياتنا اليومية، فبدلا من أن نأخذ الحكمة من الدرس الذي تعلمناه من الآخر ونمضي في حياتنا قدماً نفكر فقط كيف ننساه وكلما فكرناه في نسيانه كلما جذبناه ورسّخناه في عقلنا وهكذا.

أما التقبل ومسامحة الآخر فهو غريب جداً في ثقافتنا وغير مستوعب جيداً بين الناس. حيث يستهجن الكثير ويتساءل البعض كيف عليه أن يُسامح آخر تسبب في أذاه سواء كان بشكل مقصود أو غير مقصود بسبب توقعات الشخص نفسه، في حين نفس الشخص يتوسل إلى الله ويطلب السماح على أخطائه وهو يعلم أن الله غفور رحيم.

وأنا أتساءل هنا إذا كان الله سبحانه وتعالى يغفر ويُسامح فمن نكون نحن حتى لا نغفر للآخر مهما أساء إلينا؟ عندما نسامح من أساء إلينا فنحن نسامح أنفسنا ونحبها، لكن أن يُسامح الإنسان الآخرين ويسامح نفسه ويحبها دون شروط، مفاهيم لا يزال الكثير عاجزين عن فهمها بالعمق الذي تحمله هذه المشاعر المرتبطة بإرادة حقيقية وإنسانية، هي أيضا مفاهيم ومصطلحات غريبة عن البعض. نعم كلّهم يأتون ويرحلون لكنهم يعلّموننا دروساً في الحياة ما كنا تعلمناها من دون وجودهم في حياتنا فلنتقبل ونُسامح ونسمو بأرواحنا.


استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

5