يأس أوروبي حيال تركيا ما بعد الانتخابات

يئست أوروبا لأنها رأت أردوغان وهو يتحدث عن تركيا التي اكتظت شوارعها بأعداد غفيرة من المواطنين، الذين راحوا ينفخون في الأبواق منادين بعودة الاستبداد ومؤيدين له، لا للديمقراطية التي نشأت ونمت على أراضيها.
الاثنين 2018/07/02
أردوغان لن يتراجع عن سياسة التنكيل والظلم

أصدقكم القول، لم أكن أتوقع من الاتحاد الأوروبي أن يصدر هذا القرار الحاد ردا على انتصار أردوغان في الانتخابات الرئاسية. كنت أظن أنهم سيلتزمون الصمت، أو سيتمنون التوفيق له، أو أنهم سيعاودون الحديث عن الديمقراطية من جديد. قرأنا جميعا كيف عَلَّق مجلس المصارف الأوروبي، الذي كان إحدى الجهات التي قيَّمت نتائج الانتخابات والمفاوضات الخاصة باتفاق الاتحاد الجمركي مع تركيا.

أكد المجلس في بيانه أنهم يشعرون بقلق شديد من التراجع الحاد في الحقوق الأساسية في تركيا، بشكل جعلها بعيدة -كل البعد- عن المعايير الأوروبية، وأشار إلى ما تتعرض له حرية الصحافة، ويتعرض له الأكاديميون من ضغوط وتنكيل. المثير في الموضوع، أن تركيا لم تُلق بالا لهذا البيان المليء بالانتقادات، وانشغلت بالنظام السياسي الجديد بها الذي أسَّست له بعد نتائج الانتخابات. من ناحية أخرى، وصفت بروكسل الانتخابات الأخيرة في تركيا بأنها عملية افتقدت إلى معايير الديمقراطية الدائمة.

دعونا نتطرق في البداية إلى السمات الرئيسة لهذا البناء الجديد في بضعة أسطر، حتى يتسنى لنا أن نقرأ هذا القرار بشكل سليم، وأن نلقي الضوء على ما ينتظر تركيا في المستقبل. دعونا ننتقل بدفة الحديث إلى حالة اليأس الأوروبي تجاه نموذجين يتنازعان الدولة التركية.

لقد آلت لأردوغان، وفق النظام السياسي الجديد، كافة صلاحيات الحكم والتشريع، وحتى أمر القضاء. ويمكننا القول إنه على الرغم من أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يكن يطبق بشكل كامل من قبل، إلا أن هذه المرحلة صارت إيذانا بنهاية هذا الأمر تماما. بل لم يعد هناك مجال للحديث عن وجود بناء ديمقراطي برلماني من الأساس.

لقد فقد البرلمان سلطته المعهودة في مراقبة الحكومة تماما، وحَدِّث ولا حرج عن احتكاره التشريع، الذي لم يعد له وجود هو الآخر. وصار من حق الرئيس إدارة البلاد وفق مراسيم قرارات. لم تعد تركيا دولة الحقوق كما عهدناها، ورفع رجال القضاء والنيابة الراية البيضاء، وأعلنوا استسلامهم للإرادة السياسية لأردوغان والمحيطين به، وفُرِضَ عليهم فرضا الانصياع إلى هذا النظام الجديد.

وإذا نظرنا إلى الوضع الاقتصادي، فلن نجد اختلافا كبيرا عن نظيره السياسي؛ فأردوغان هو المتصرف الوحيد، وهو دائما على حق حتى لو تعرَّض الاقتصاد للضرر بسبب ارتفاع سعر الفائدة، أو عانى المواطنون من نسبة التضخم المرتفعة. وإذا سألته عن هذا الأمر أو ذاك عاد ليكرر حديثه المعهود عن المكائد و"القوى الخارجية" والغرب.

الآن أمامنا نموذجان لدولة تركيا، الأول تركيا التي ترى نفسها خاسرة، والآخر، تركيا أخرى تعتقد أنها قد جابت الآفاق بما حققته من نجاح. ألم تروا أن هناك أقلية قد نجحت مع أردوغان؟ بالطبع يوجد، لقد رأينا الاستبداد والتعسف يقتربان من تركيا تدريجيا عن طريق الانتخابات. ليس هذا فحسب بل وبرغبة ودعم من أبناء الوطن.

أوروبا تفهم ما يجري في تركيا الآن بشكل جيد للغاية، ولكنها يئست من الحديث في هذا. نعم يئست؛ لأن تركيا دولة مهمة، ولا يمكن إغفالها مهما كانت السلطة السياسية التي تحكمها

دعونا نعود إلى موضوع اليأس الأوروبي. لا يساورنا شك في أن بروكسل وباقي العواصم الأوروبية قد قرأت فوز أردوغان في الانتخابات، وما حققه من نتائج، بشكل جيد للغاية. لا تقيسوا الأمر على كُتَّابنا الذين يعجزون عن قراءة الوضع في أوروبا. بل لا يدركون حقيقة ما يدور في بلدهم تركيا؛ أولئك الذين يكتبون مقالات “نقدية” على شاكلة “أوروبا لا تفهم الوضع في تركيا".

والحقيقة هي أن أوروبا تفهم ما يجري في تركيا الآن بشكل جيد للغاية، ولكنها يئست من الحديث في هذا. نعم يئست؛ لأن تركيا دولة مهمة، ولا يمكن إغفالها مهما كانت السلطة السياسية التي تحكمها.

 كما أن أوروبا لم تكن أكثر قربا وتداخلا مع أي جار آخر مثلما فعلت مع تركيا، يئست أوروبا لأنها رأت أردوغان وهو يتحدث عن تركيا التي اكتظت شوارعها بأعداد غفيرة من المواطنين، الذين راحوا ينفخون في الأبواق، منادين بعودة الاستبداد، ومؤيدين له، لا للديمقراطية التي نشأت ونمت على أراضيها.

 نعم إن أوروبا لم تكن جادة بالشكل الكافي في مفاوضات العضوية ومفاوضاتها الأخرى مع تركيا؛ حيث انقسمت على نفسها حول موضوع تركيا، ولم تتجمع تحت رؤية سياسية واحدة. بدأ هذا الغموض في الرؤية مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وازداد عمقا اليوم.

صارت الظروف أكثر صعوبة لظهور سياسة تركية معتدلة. ومع هذا، فلا يمكن لدول أوروبا أن تنظر لتركيا سوى أنها تلك الدولة المحورية التي لا يمكن إهمالها. ومع هذا، يمكننا القول إن صدور قرار بهذه الحدّة من مجلس المصارف الأوروبي هو أبلغ دلالة على مدى حالة اليأس التي تعمقت لدى الأوروبيين بسبب الانتخابات.

 وأصدقكم القول إنني لم أكن أتوقع صدور قرار كهذا. رأينا في السنوات الأخيرة كيف أن تركيا قد ربطت التوقيع على “اتفاقية اللاجئين” مع الدول الأوروبية بالموافقة على اتفاق “الاتحاد الجمركي”، وموضوع تأشيرة دخول الأتراك لكل دول أوروبا.

هل تقصد مفاوضات العضوية؟ لا، لم يكن هذا هو الموضوع. لقد أصبحت المفاوضات مع تركيا مثل جسد بلا روح. حقيقة أن لهذين الملفين أهمية كبيرة في علاقة أوروبا بتركيا. ومع هذا فالواضح أمامنا أن مسالة إصلاح الاتحاد الجمركي لم تعد على نفس القدر من الأهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي من ناحية العلاقات التجارية والاقتصادية.

 وعلى الرغم من هذا، فلا أعتقد أن أنقرة ستغامر بإلغاء هذه الاتفاقية، التي خاضت لأجلها مفاوضات صعبة؛ لأن هذه الاتفاقية ستتيح لتركيا إدخال نصف منتجاتها من الأجهزة الكهربائية مثل التلفزيونات وغيرها إلى السوق الأوروبية، ولأن إلغاءها يعني انهيارا لهذه القطاعات، وتوقفا لإنتاج السيارات وتصديرها كذلك.

موضوع تأشيرة الدخول هو أيضا من الموضوعات المهمة، التي لولا رحيل حكومة داود أوغلو لشهد عام 2016 تطبيق هذا النظام. أما أردوغان فقد أتى على الموضوع بأكمله، ولا يزال يعرقل بسياساته إتمام هذه الخطوة المهمة. ولن يشهد هذا الموضوع أي تقدم، طالما لم يتحقق تقدم ملموس على أرض الواقع في موضوع حرية الصحافة والحقوق الأساسية للمواطنين.

السؤال المهم الآن، هل من الممكن أن تحرز المفاوضات بين تركيا وأوروبا أي تقدم خلال المستقبل المنظور أم لا؟ أعتقد أن الإجابة عن سؤال كهذا تستدعي طرح سؤال آخر؛ هل أردوغان مستعد لإحراز تقدم في موضوع حرية الصحافة وتحقيق السلام في قضية الأكراد، والسير بتركيا خطوات ملموسة إلى الأمام في موضوع الديمقراطية؟ للأسف إن الوضع الراهن في تركيا اليوم لا يبعث على الأمل.

وأنا للأسف أشاطر في الرأي كل من يؤمن بأن أردوغان لن يتراجع عن سياسته، وأنه سيستمر في فرض حالة الطوارئ، وسيزيد من التنكيل والظلم، وستزداد الحالة الاقتصادية سوءا في البلاد. سيكون من الصعب على هذه السياسة العرجاء، التي اتبعتها تركيا في السنوات الماضية، أن تعبر بتركيا إلى الطريق القويم قبل الإنصات إلى المعارضة أولا. لذلك أعتقد أن المَخرج الوحيد المتاح أمام المعارضة هو الاستمرار في طريق السلام والاتحاد. ولا بد لتركيا أن تخرج عن المألوف.

6