يارا الغضبان روائية فلسطينية تستنطق ما في رأس أرييل شارون

رواية "أنا أرييل شارون" تستنطق ذاكرة شارون من وجهة نظر الأدب للتحكم في هواجسه وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالهوية الفلسطينية.
الأربعاء 2021/02/24
يارا الغضبان تجمع بين المشاعر والتاريخ والمهارة

ميلانو (إيطاليا)- تتأسس رواية “أنا أرييل شارون” للباحثة الأنثروبولوجية والروائية الكندية فلسطينية الأصل يارا الغضبان على سؤال راود الكاتبة أثناء إحدى زياراتها إلى فلسطين: ما الذي يحدث في رأس أرييل شارون؟

من ذلك السؤال بدأت رحلة هذا الكتاب الذي كتب بـ”قلم يجمع بين المشاعر والتاريخ والمهارة” حسب الكاتبة والناقدة كامييه ل في جورنال ألترناتيف، حيث تقول “كتاب يقرأ دون تأخير”، فيما يذهب بول كوتشاك في مجلة رسائل كيبيك إلى القول إن “الذكاء العظيم ليارا الغضبان في هذه الرواية يؤكد لنا مجددا أن الأدب يمكن أن يضحك ويبكي ويكره ويفهم أيضا”.

يارا الغضبان اختارت أن تحكي عن شارون على لسان أربع نساء هنّ والدته وزوجتاه والممرّضة التي كانت ترعاه

سؤال يارا الغضبان يخص مباشرة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الذي ظل فاقدا للوعي لثماني سنوات قبل وفاته عام 2014، وبينما كان غارقا في غيبوبته الطويلة تلك، استطاعت الكاتبة أن تمنح لخيالها أجساد وأصوات أربع نساء يضعن هذه الشخصية الإسرائيلية المعقدة في مواجهة صريحة وقاسية مع أهوالها وإنسانيتها في أضعف اللحظات.

بين هدوء ظاهري للمستشفى وما يقابله في مكان ما من التاريخ من صخب حرب لا تتوقف انفجاراتها عن الحدوث، تضع الكاتبة بدورها القارئ في عين العاصفة وهو يقف على حقيقة أن وراء كل إنسان، سواء كان بطلا أو جلادا، نسمع أصوات الآخرين يتردد صداها في حقائبهم التي تتزاحم في ذاكرتنا.

تقول يارا الغضبان في أحد حواراتها عن الرواية “لا حدود للأدب، يمكنني أن أقرر الدخول في رأس أرييل شارون دون أن يمنعني أحد لأننا في الرواية نحن متساوون، إنه شكل من أشكال المقاومة. وطريقة لإعادة اختراع التاريخ، وجعله أقل عنفا وأكثر مساواة (…) للأدب مهمة أخرى غير إطلاق الأحكام”.

وعليه فإن الرواية ليست كما يفسرها العنوان، بل هي استنطاق لذاكرة شارون من وجهة نظر الأدب، ومحاولة للتحكم في هواجسه وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالهوية الفلسطينية التي يعمل الاحتلال الإسرائيلي على طمسها بشتى الطرق.

ما الذي يحدث في رأس أرييل شارون؟
ما الذي يحدث في رأس أرييل شارون؟

هكذا تملي رواية “أنا أرييل شارون” شروطها السردية على الجميع، بمن فيهم الوحش النائم في حالة نصف موت، وليعلو هنا صوت امرأة فلسطينية تمتلك قوة الخيال ومهارة الكتابة.

وتمزج يارا الغضبان في روايتها بين الواقع والخيال، وبين البعدين السياسي والإنساني لشخصيّة شارون، وتصوّر للقارئ على طريقتها ما يدور في خاطر هذا الرجل الذي دخل في غيبوبة استمرّت من عام 2006 إلى 2014.

وحول اختيار هذا العنوان لروايتها الذي يوحي بالتعاطف مع الزعيم الإسرائيلي الراحل، تجيب الكاتبة بأنّ شارون يوحي للفلسطينيّين بكلّ ما هو سيء وبالعذاب والشخصيّة في الرواية كانت صعبة بالنسبة إليها كما قالت.

وعندما دخل شارون في غيبوبة كانت الغضبان موجودة في فلسطين، وسمعت من الفلسطينيّين أنّه سيتعذّب طويلا في هذه المرحلة كما عذّب الفلسطينيّين، لكنها لم تقتنع بتلك الأحكام المسبقة وأرادت أن تدخل في تفاصيله وتقيم ما يشبه الكشف لتفاصيله، كشف لا حكما نهائيا فيه.

في ما يشبه المغامرة أحبّت الكاتبة أن تدخل إلى رأس شارون فيما هو في غيبوبته، وتستجلي تفكيره طوال ثماني سنوات أمضاها في تلك الحالة، والعنوان الذي اختارته ليس للتعاطف، بل للقيام برحلة داخل ضمير الزعيم الإسرائيلي الراحل.

واختارت الروائيّة أن تحكي روايتها عن شارون على لسان أربع نساء هنّ والدته وزوجته الأولى وزوجته الثانية والممرّضة التي كانت تقرأ له القصص وترعاه صحيّا عندما كان في حالة الغيبوبة.

وبما أنه يستحيل عليها كفلسطينيّة أن تتحدّث إليه، وضعت الكاتبة مسافة بينها وبين شخصيته ولم تكن وجها لوجه معه في روايتها كما تقول.

ويذكر أن رواية “أنا أرييل شارون” صدرت منذ أيام عن منشورات المتوسط – إيطاليا، وقد ترجمها عن الفرنسية المترجم السوري عصام الشحادات بعد الحصول على دعم الترجمة من المعهد الكندي للفنون.

بين هدوء ظاهري للمستشفى وما يقابله في مكان ما من التاريخ من صخب حرب لا تتوقف انفجاراتها عن الحدوث، تضع الكاتبة بدورها القارئ في عين العاصفة

وتخاطب الكاتبة في الرواية الشخصية الحقيقية قائلة “اهْدأْ، اهْدأْ. إنها الحقيقة، والحقيقة لا تزعج أحدا. والحقيقة حيادية. أنت تفقد حواسك وملكاتك، حتى القدرة على تسمية الأشياء، هويتك وعمرك ووجهك. لا تقلقْ. أنا كل ما لم تعده. أنا ما تحبه وما تكرهه، أنا أحلامك وهواجسك وندمك. أنا أسمع الكلمات والشكوك والمخاوف. أنا أشاهد، الطفل، ثم الرجل، اندفاعتك في الحياة، ثم سقوطك”.

ويارا الغضبان روائية فلسطينية الأصل مقيمة في كندا. نشأت بين دبي وبيروت ودمشق وصنعاء. وصلت إلى مونتريال في سن الثالثة عشر مع أسرتها في عام 1989. في رصيد الكاتبة ثلاث روايات كتبت بالفرنسية “في ظل الزيتونة” (2011)، “عطر نور” (2015)، و”أنا أرييل شارون” (2018) (التي تصدر عن المتوسط لأول مرة باللغة العربية).

14