ياسر أسكيف يحوك شعره على مقاس خيباته

الاثنين 2016/01/04
نظرة إلى المستقبل المجهول

صدر مؤخرا عن دار “أرواد للطباعة والنشر” ديوان للشاعر السوري ياسر أسكيف بعنوان “حياكة ليل على مقاس العزلة”، والذي انتظم تحت أربعة مناخات، كل مناخ هو عبارة عن لحظات شعورية تستمد عنوانها من الحالة التي انتظمت بها، حيث تجتمع وتشكل عنوانا شاملا.

المناخ الأول، ورد بعنوان “بشفرة الإنصاف أقطع وريد الأمل”، وفي هذا المناخ يزدري ياسر أسكيف أحياء يستمتعون بشغف لموتى يتحدثون عن المستقبل إلى حدّ يصل به إلى إنكار الذات: لا أحب أحدا بما في ذلك نفسي، طفل أخضر يقطع بشفرة الشعر وريد المراثي التي أحالت مدينته إلى منتجع أشباح، مدينة لم يعد يحق له أن يحبها.

المناخ الثاني، جاء بعنوان “حيوانات بلغات وسيطة”، معتبرا الغراب حارسا أمينا على الخواء الذي أصابنا، الغربان رحيمة فيما الماء ضحل والوجوه المحاذية للنوافذ يفضحها البرق. هنا عمد ياسر أسكيف إلى التكثيف الدلالي الخارجي للطبيعة؛ ماء/برق/ بحيرة/ مطر ليبرز انسيابية الانكشاف العميق في أعماق نخشى عريها ليسمو الحيوان ببدائيته عن الإنسان الموهوم برقيه.

المناخ الثالث، بعنوان “فخاخ تتعثر في الانطباق”، وفيه يجعل الشاعر من الزمن دينامو المناخ محتفيا بلحظات الجنون وإعلاء رغبته واشتهاءاته تجاه أنثاه المغللة بالفضة. عاشق مجنون ينفر من بياض ملموس كالعدم، لا يريد امرأة خالدة بل يعشق الأفول. سؤال الأنثى الطائشة فخ يتعمد ياسر أسكيف السقوط فيه لأنه يجيد فن الخسارة التي لها مذاق خاص تتلذذه الروح ويظهر على الجسد، يكره انتصارا لا طعم له سوى التحسر على عدم إيجاد طرق أخرى للخسارة.

المناخ الرابع، تحت عنوان “حياكة ليل على مقاس العزلة”، وهنا يشيد ياسر أسكيف بميله الفدائي حيث يقدم روحه قربانا لجحيم أجاد الجمال تدبيره، ذاك الفارغ من كل شيء، مملوء بشغب الجسد، تائق لهاجس الروح الفارهة بعجز تتقن الأصابع إثارته.

ياسر أسكيف يحوك شعره على مقاس خيباته، وعلى مقاس مدينته المذبوحة التي صيّرتها الحرب منتجع أشباح، وعلقت أنصاب أطفالها وجعلت من دمائهم شامات ووشوما على الأبواب، لتصير بمعنى طرق المترددين على المجهول في الساعات الأخيرة من الليل.

ياسر أسكيف مرتبط بالمكان منعتق من الزمان، يكره أن تكبله اللحظة في إطار حركة ثابتة، لذلك يطوّع لغته عبر مزجها بمؤثرات طبيعية خارجية ليرتقي بالصورة الشعرية إلى ذروتها، يتوصّف الجمال ويقدمه في أشهى تجليات التوق الشعري، يتشبث بالجمال الذي أنهكه الشعر في مجاراة الأوصاف، يتهاوى مبتهلا في شوق الحنين، شاعر يصل إلى عمق الإنسان، إذ يوظف تجربته الشعورية ويعيد صياغتها بطريقة يعيد بها صياغة اللذة، ليظهر ذكاءه الفذ في الانزياح تجاه الحديث عن جسد مقدّس، بما هو كيان لا بدّ له من لسان يترجم انفعالاته ويشذب العشب الذي نما بفعل الرغبة على حوافه.

14