ياسر إسكيف: الكتابة المباشرة في الشعر هي الأسوأ

سقطت صفة السوبرمان عن الشاعر العربي وسقط معها النص الشعري الأسطوري والمثقل بالقضايا الكبرى والمحشو بالأساطير المستوردة، وغدا الشعر أكثر قربا من الناس ومن يومياتهم وعوالمهم البسيطة التي يمكن من خلالها صياغة عوالم شعرية ثرية قادرة على خلق جمالياتها الخاصة وروحها الفريدة. “العرب” التقت الشاعر السوري ياسر إسكيف في حديث عن الكتابة والشعر.
الثلاثاء 2016/04/19
الشعر يعيد إنتاج الحياة فنيا

هو سوري عربي، بحكم وعي الانتماء إلى التاريخ والجغرافيا واللغة، لا يزال يؤمن بأن من حقه أن يستبدل النقاط بمفردة “مواطن” تكمل تعريفه، وذلك في إطار من الحياة المصانة بتشريع يضمن الحرية والعدالة والمساواة. هكذا يقدم الشاعر السوري ياسر إسكيف نفسه.

يقول “أجدني أحيانا لست إلا كائنا من هذا العالم دون هوس بالتصنيف. ومن باب المجاز يمكنني القول: ياسر إسكيف مجرد صبي قروي حاف، ما من حصاة في هذه الأنحاء إلا وتحسّست باطن قدميه، أو من شوكة إلا وتذوّقت ملوحة دمه. صبيّ كلّما أُجبر على الغناء بكى، وكلما أدركته الهزيمة قال للموت كن حليفي، فكل أفق بعدها قبر”.

فعل الحرية

ياسر إسكيف شاعر وباحث وناقد، يحمل إجازة في العلوم الطبيعية – شعبة الكيميائية الحيوية، وبين تلك العوالم المتباينة نوعا ما، عالم الشعر، النقد، ودراسته المختلفة عن عالم الكتابة يجد ضيفنا نفسه في كل منها دون أي شعور بالتشتت والزوغان. فالاختصاص العلمي زوده بالمعرفة العميقة لكيمياء الحلقات الحيوية التي تنبني الحياة من تشكلها، لتبدأ من مكونها الذي تنغلق بتشكله حلقة أخرى. وهذا الأمر وجده تاليا في كل الظواهر حتى الاجتماعية منها، والثقافية على وجه الخصوص. ففي رأيه إن دورة الحياة التي لا تكتمل لا يمكنها أبدا أن تؤسس لمبتدأ جديد.

وبشأن ما إذا كانت الكتابة قادرة على تحرير الإنسان من قيوده ومآزقه الوجودية، يقول إسكيف “الكتابة وكل أشكال الفنون الإبداعية الأخرى، هي فعل حريّة بامتياز، وأما القول بأنها أداة للتحرير، فهذا يقتضي تصنيف الكتابة أولا. فالكتابة التي تنتج بقصد التحرير وغايته هي أسوأ أنواع الكتابة، وأبغض أنواعها ممارسة للعبودية والاستبداد. وأما التي أقصدها كفعل حرية، فهي التي تقترح بوجودها وبمكابدتها أشكالا جديدة من التفكير وتدفع المتلقي، دون أن تطلب منه أو تفرض عليه، إلى إعادة النظر في ما استقر من منظومات قيمية جمالية في مساحة تلقيه التي شكلتها مصادره الجمالية السابقة. وبالتالي فإن الكتابة التي لا تكون عيشا إبداعيا وجماليا، بموازاة التخثر والقبح اللذين تستنقع فيهما الحياة، ستشكل لكاتبها كما لمتلقيها مأزقا وجوديا إضافيا”.

الانتقال من النص الرؤيوي إلى نص الحياة اليومية استبدل شخصية السوبرمان الخارق بأشخاص من لحم ودم

ويضيف “أما أن تكون الكتابة ذاتها مأزقا وجوديا آخر بالنسبة إلى الكاتب وهو يحاول من خلالها أن يتخلص من مأزقه الوجودي، فهذا من الأمور التي تسجل لصالح هكذا كتابة. فجوهر الكتابة، أو إحدى أهم خصائصها الجوهرية، هو البحث والتنقيب عن وجود ممكن آخر. ولهذا فمأزقها هو وجودها وكنيونتها ذاتهما”.

وعن الفصل بين الكتابة كحرفة، يمكن أن ينالها المرء بالممارسة، وبين الكاتب الذي يتخبط في وجع اللغة والفكرة، ووجع العين والقلب والحاسة، يؤكد إسكيف أنّ هناك فرقا بين الكتابة التي لا ترقى على مستوى التدوين بمعناه الميكانيكي الاحترافي، وبينها كفعل إبداعي يدفع الكتابة ذاتها إلى إعادة النظر في معناها في كل مرة. ومعيار الفرق بين الكتابتين عند ضيفنا، هو درجة تخلقهما من التجربة. فالكتابة/التدوين شأنها شأن أي حرفة أخرى يمكن إنضاجها واكتساب المهارة في أدائها بالمثابرة على الانتباه والتدرب، في رأيه، وأما تلك التي تمثل فعلا إبداعيا فهي مكابدة حقيقية، إذ هي في الآن ذاته التجربة الشعورية التي تشترك فيها الحواس جميعا، كشأن شخصي، مع موضوعها.

تطورات جديدة

عن قصيدة النثر العربية وإن كانت قد ابتعدت عن نص القناع وعن استلهام الأقنعة الميثولوجية والتاريخية وغيرها في الشعر، يعلق الشاعر “يبدو أن الأيقونية والطوطميّة قدرٌ مُلتبس للجماعات الثقافية ما قبل المدينية، تلك الجماعات، وخاصّة الجماعة العربية، التي أصيبت بفصام وجودي عند تماسها واحتكاكها مع الثقافات النقدية المنتجة، الثقافات التي أنتجت صفرها الحضاري والثقافي من مجموعة أصفار شكّلت مبتدأ نقديا نحّى جانبا سلطة الغيب وهيمنة النقل والاتباع. فالقناع والأسطورة، تاريخيّة كانت أم ميثولوجية، لم يكونا نتاجا طبيعيا لحركة بحث عن مسببات التخثر في الشعرية العربية، بقدر ما هما استعارة لمُنجز الآخر-الأوروبي فنيّا ومعرفيّا”.

ويتابع إسكيف “أن تُستبعد هذه المُرتكزات من النص الشعري الحداثي المؤسس، بعد استنفاد هذا النص للطاقة الرمزية التي وفّرتها الأقنعة، وتحديدا بعد انكشاف الخديعة التي انطوى عليها موضوع القضايا الكبرى، التي تم التضحية تاريخيا بالقضايا الصغيرة لصالحها، هذه القضايا التي تمس الإنسان العادي البسيط، ورمزيّتها لا تتعدى بساطته.

وهذا ما يمكن التعبير عنه في تاريخ النص الشعري الحداثي بعملية الانتقال من النص الرؤيوي إلى النص الشفوي، أو نص الحياة اليومية، هذا النص الذي استبدل القناع بوجه مألوف، كما استبدل شخصيّة السوبرمان الخارق كليّ القدرة بأشخاص من لحم ودم، أشخاص عاديين، واستبدل الخلفيات التاريخية، مكانية وزمانية، بيوميات وأمكنة عيش يختبرها الجميع في كل لحظة. الأمر الذي قاد الكتابة الجديدة، إلى هذه الدرجة أو تلك، لتكريس أساطيرها، وتصنيع أقنعتها، أو أيقوناتها، عبر استبدال الأبدي بالمؤقت الزائل، وكليّ القدرة بالطبيعي المحدود والهش، إلى آخر مُفردة في المعجم الذي تكرّس واستقر. وصار على كل نصّ أن يتنكّه ببعض مُفرداته”.
الكتابة فعل حرية تدفع المتلقي دون أن تفرض عليه إعادة النظر في ما استقر من منظومات قيمية

وفي معرض تقييمه للتطورات الجديدة في الشعر العربي الحديث كشاعر يقول ياسر إسكيف “لا يمكن الحديث عن نقلات يمكن تحديدها بما قبل وما بعد، وإن كنا نستطيع أن نحدّد البعض من العلامات المميّزة التي تسم الكتابة الجديدة وتُظهر مفارقتها لما هيمن من كتابة شعرية عربية على مدى عقود. ومن أهم تلك العلامات عودة الأشياء في هذه الكتابة من غربتها الطويلة، بل من منفاها، لتتحسّس وجودها في النص الجديد كأشياء كافية للدلالة وإحداث المعنى. بل أكثر كفاية مما أزاحها ونابَ عنها بدعوى، أن الواقع ليس إلا تأويله. ومنها أيضا، أقصد العلامات، انشغال هذه الكتابة بذاتها محاولة إيجاد معنى جديد للمعنى عبر استبدالها للمفاهيم بالأشياء، وللمجرّد بالمحسوس، وللذرائعي بالعفوي، وللحسي بالتجريبي، والرؤيوي بالمُعاش”.

ولكن القامات الشعرية الكبيرة، ما دمنا قد أسميناها قامات، لا تسقط أبدا، في رأي ضيفنا، وخاصة إذا كان حكم القيمة هذا متأتيا من جهد نقدي أكد ذلك بالبينة والبرهان الجماليين، وأظهر مدى القطع الذي أحدثته تلك القامات عبر تجربتها الشعرية مع السائد الشعري العربي في حينه، وما تركته من أثر في الأجيال الشعرية التي تلتها.

ويحدثنا ضيفنا عن مجموعته الشعرية الجديدة “حياكة ليل على مقاس العزلة” رغم أنه لا يعتقد بأن هناك ما هو أكثر إرباكا من أن يتحدث الكاتب عن نصه، فيقول “الذي يمكنني قوله عن ‘حياكة ليل على مقاس العُزلة’ هو أنه نوع من نفي النفي الذي يمارسه النص الشعري في إعادة إنتاجه للعيش فنيّا، خاصّة أن أغلب نصوص المجموعة قد نشر، وهو يتجلى كإحساس وشعور على صفحتي في فيسبوك.

وكانت تلك النصوص، التي جاءت كقطب في حياكة الليل عبر حرارتها كحديث شخصي، هي في الوقت ذاته تفكيك للقطب الذي حيك منه ذلك الليل، وصارت العزلة دون غطاء، أي حضورا طاغيا. ويتابع “أما بالنسبة إلى الجديد على صعيد الدراسات النقدية، فهناك مخطوطان ينتظران الطباعة ‘أجنحة من كلمات’ و’شاعرات سوريات يروّضن الألم’، وهو دراسة لتجارب مجموعة من الشاعرات السوريات اللاتي شكّلن اختلافا مميّزا في الكتابة الشعرية العربية.
15