ياسر برهامي لسانه مع الدولة الوطنية وقلبه مع الخلافة

السبت 2015/04/25
برهامي يستنسخ الانتهازية الإخوانية على طريقته

عندما نتحدث عن الشيح الطبيب ياسر برهامي فنحن نتحدث عن إشكالية كبيرة في تكوينات الإسلام السياسي، إذ يصنف برهامي على أنه الأب الروحي لحزب النور السلفي في مصر، الذي تشكل عقب أحداث ثورة 25 يناير 2011، كما أننا نتحدث عن قيادي يشغل موقع نائب الرئيس في تنظيم مؤثر يسمى “الدعوة السلفية”.

تنظيم أنشأ الإخوان على غراره عقب الثورة تشكيلاً آخر تحت اسم قريب منه أطلق عليه “الجبهة السلفية” التي تمخضت عن “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح”، وكان يديرها القيادي الإخواني خيرت الشاطر من خلف الستار، وضمت ياسر برهامي نفسه، وبعض أعضاء الدعوة السلفية وبعض المحسوبين على التيارات السلفية عموما، مثل الشيخ محمد عبدالمقصود والشيخ حسين يعقوب والشيخ محمد حسان، ومثلت عقب ثورة يناير الظهير الشرعي لتجمع قوى الإسلام السياسي.

كان التحالف الذي تشكل في رحم مطامع الإسلاميين في حكم مصر، ضم أكثر من فصيل من فصائل الإسلام السياسي، بما في ذلك تنظيمات العنف التقليدي، مثل تنظيم الجماعة الإسلامية، وتنظيم الجهاد ومعظم التنظيمات السلفية بشقيها، السلفية الدعوية، والسلفية الجهادية.

وتجسدت أعلى صور التحالف السياسي بين تلك التيارات بصورة عميقة، بعد صعود الرئيس الإخواني محمد مرسي إلى سدة الحكم في يونيو 2012، ممثلا لأعلى حضور ممكن لتلك التيارات في المشهد السياسي عبر تاريخها على الإطلاق.

نجم الإخوان

تحوّل صعود نجم الإخوان إلى باب لصراع منتظر وطويل، شهد تأييدا شبه مطلق من حزب النور السلفي، لكنه تراجع بسرعة خطوات ملموسة، عندما بدأت صورة حكم الإخوان لمصر في التآكل، ما أدى في النهاية إلى ظهور كتلة شعبية كبيرة تزايدت على امتداد العام 2012، ثم بدأت بوادر هذا التآكل في التبلور خلال شهر مارس من العام 2013 عندما أطلقت حركة تمرد حملتها لإسقاط الإخوان المسلمين في الثلاثين من يونيو من العام نفسه، حيث جمعت توقيعات شعبية تجاوزت 22 مليونا من أصوات المصريين.

الوثيقة التي تفضح موقف برهامي هي تلك التي نشرها حزب النور وصاغها برهامي نفسه بعد عزل مرسي، وحاولت تبرير موقف الحزب الموالي للسلطة الجديدة، والتأكيد على أن الحزب قبل بخارطة الطريق حفاظا على تمثيل الإسلام السياسي في المشهد القادم، لكنه في النهاية ليس مع ما يحدث

ما يهم هنا التوقف أمام الانتهازية السياسية البادية في موقف ياسر برهامي وحركة الدعوة السلفية عامة منذ اللحظات الأولي للثورة ، حيث كان أكثر تلك المواقف جلاء الاجتماع السري الذي عقده برهامي وبعض قيادات جماعته مع المرشح الرئاسي أحمد شفيق، قبيل أول انتخابات رئاسية عقب ثورة 25 يناير، وبعد حصول محمد مرسي على المقعد الرئاسي انتقل الولاء بسرعة له ولجماعته، ثم كان انهيار نظام مرسي والإخوان إيذانا بتحول جديد وواسع في موقف حزب النور.

في تلك اللحظة أطلق ياسر برهامي، ونادر بكار المتحدث الرسمي لحزب النور، فضلا عن رئيس الحزب يونس مخيون، عشرات التصريحات التي تحاول تبرير خطوتهم في تأييد ما سماه الإخوان “انقلاب العسكر” على رئيس منتخب، ومن ثمة تشكلت ظاهرة اعتصام ميدان رابعة العدوية، التي انتهت إلى عنف واسع في الشارع المصري، لازالت الدولة والمصريون جميعا يدفعون ثمنه حتى الآن.

الوثيقة الكاشفة

الوثيقة التي نشرها حزب النور وصاغها ياسر برهامي نفسه بعد سقوط مرسي، كانت من أخطر الأوراق السياسية، إذ حاولت تبرير موقف الحزب الموالي للسلطة الجديدة، والتأكيد على أن الحزب قبل بخارطة الطريق حفاظا على تمثيل الإسلام السياسي في المشهد القادم، لكنهم في النهاية ليسوا مع ما يحدث.

وأشارت الوثيقة صراحة إلى أن بعض الدعاة السلفيين طالبوا حزب النور بخطاب شرعي، كالوفاء ببيعة الإمام، والحرص على تطبيق الشريعة، في حين أن منصة رابعة التي أقامها الإخوان، كانت تتحدث عن الرئيس المنتخب والمشروع الديمقراطي، وأن القضية ليست عودة الرئيس مرسي، ما يعني أنها ليست قضية بيعة، وإنما (على حد زعمهم) تثبيت التجربة الديمقراطية.

وذكرت الوثيقة أن القاصي والداني يعلم “أننا ما تواجدنا إلا للحفاظ على الهوية الإسلامية في الدستور، وبقاء حزب سياسي إسلامي يمكن أن يحافظ على مكاسب التيار الإسلامي ككل”.

وقد اجتهد ياسر برهامي في تعضيد الموقف الفقهي لحزب النور، من خلال تقعيد الحدث ووضعه داخل إسار النصوص الشرعية، حسب ما يراها تيار السلفية الدعوية الذي يقبل بالعمل السياسي، حيث أجاب صراحة على السؤال المهم آنذاك والذي كان شاغلا للتيارات الإسلامية على اختلافها ألا وهو: ما القول في الإجماع على وجوب إنقاذ الإمام إذا أُسِر؟ وهو سؤال نفخت فيه جماعة الإخوان، استنقاذا لرجلها محمد مرسي الذي كانت ولازالت تراه أسيرا لدى قوة معادية.

صعود نجم الإخوان تحول إلى باب لصراع منتظر وطويل شهد تأييدا شبه مطلق من حزب النور السلفي لكنه تراجع بسرعة خطوات ملموسة عندما بدأت صورة حكم الجماعة لمصر في التآكل

وقال برهامي فقيه حزب النور نصا: إن هذا الإجماع هو فرع من الإجماع على وجوب السعي في فك أسر أيّ مسلم، غير أن موقف الحزب على المستوى الإجرائي كان التخلي عن مرسي وعن الإخوان جملة، حتى عادت التناقضات الفكرية والمذهبية تطفو على السطح، فبدت مساحات الاختلاف في المرجعيات الفقهية تتزايد، وتحولت إلى عداء يمارسه الطرفان بعلنية وسفور كانا صادمين للرأي العام، وتعزز هذا الرأي في الموقف الرسمي والمعلن للحزب فيما عرف بـ”وثيقة برهامي”.

كان الموقف في جملته تأكيدا على رفض حزب النور دفع المشهد المصري إلى الصورة ذاتها، التي كرسها المشهد السوري، وفقا لرؤيتهم في ذلك الوقت، وقد قرأ كثير من المحللين موقف حزب النور، باعتباره الأكثر نضجا بين قوى الإسلام السياسي، لا سيما إذا قورن بموقف جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست قبل أكثر من سبعين سنة من تأسيس الدعوة السلفية.

لكن يظل السؤال الأهم، هل التحول في الموقف السلفي نحو شرعنة العمل بالسياسة أحدث تغيرا في الموقف الفقهي أو العقائدي لجماعة السلفيين على نحو عامٍ ولدى الدعوة السلفية على نحو خاص؟

منهج التغيير السلفي

يبدو الرجوع لمؤلفات ياسر برهامي، منظر الحركة السلفية الدعوية، ضروريا للتعرف على التوجهات العميقة للحركة، عبر رأسها المفكر، وهي مؤلفات وضع بعضها قبل ثورة يناير، وبعضها عقب الثورة، لكنه في جميع الأحوال لم يطرأ ما يشير إلى تغير جوهري في الموقف، حيث أن مؤلفات برهامي التي كانت تؤسس للتغيير عن طريق العنف لم تتغير، ولم يشر برهامي إلى أن ثمة تحولا في موقفه من هذا الفهم لقيمة التغيير.

في كتابه “السلفية ومناهج التغيير” يؤكد معاني الاغتراب داخل المجتمع، وهي ذاتها معاني العزلة الشعورية التي تحدث عنها سيد قطب في كتابه المؤثم “معالم في الطريق”، حيث يقول برهامي “لا شك أن حياة المسلم بإسلامه لا تكون على الوجه الأكمل إلا في مجتمع مسلم، والحياة بالإسلام في مجتمع لا يلتزم بالإسلام في أنظمته ومناهجه قبضٌ على الجمر.. “.

ودعوة برهامي هنا ذات أصول مرتبطة بحركات العنف الإسلامي التي تنامت في مصر منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، وأسفرت عن مواجهات عنيفة لا زالت تأثيراتها قائمة حتى لحظتنا الراهنة.

الانتهازية السياسية تتجلى في مواقف ياسر برهامي وحركة الدعوة السلفية عامة منذ اللحظات الأولى للثورة، ليكون أكثر صورها الفاقعة ذلك الاجتماع السري الذي عقده برهامي و قيادات جماعته مع المرشح الرئاسي أحمد شفيق، قبيل أول انتخابات رئاسية عقب ثورة 25 يناير
السلفيين من التغيير بالقوة، عبر إعادة إنتاج أحاديث نبوية مشكوك في نسبها ودرجة قبولها لدى جمهرة الفقهاء ولا يقيم اعتبارا للظرف التاريخي الذي قيلت فيه على فرض صحتها، مثل الحديث الذي يقول “بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي..”.

وهو الحديث نفسه الذي تحتمي به فكرة المهدي المنتظر، التي غالبا ما تكون تمثلا روحيا لمفهوم الحاكمية، حيث يتحول الحاكم إلى ممثل لله على الأرض، ومن ثمة ممثلا له وناطقا باسمه تناميا للصورة النمطية للخليفة في التراث الإسلامي.

أيضا ثمة سوء فهم كبير يحيط التعريفات الإقصائية لبرهامي والدعوة السلفية حول حقوق الأقليات والمختلفين عقائديا، عبر التعامل معهم، باعتبارهم أغيارا وهو ما يستتبع طبعا تقديم قرائن تاريخية شديدة الرجعية حول ما يقول إنها الملاحم الكبرى مع النصارى من الروم في أرض العرب التي ينتصر فيها الإسلام بطبيعة الحال.

على مستوى آخر، تجسدت قيم الانتهازية السياسية غير مرة في مواقف حزب النور ورأسه الفاعل ياسر برهامي نفسه، وكانت آخر تلك الصور وأبرزها في التجهيزات التي تعد حاليا لإجراء انتخابات مجلس النواب والمزمع إجراؤها قبل نهاية العام الجاري، حيث عاود الحزب طموحه في السيطرة الكاملة على الحياة البرلمانية، من خلال العديد من التحالفات التي تقف على طرفي نقيض مع توجهاته.

وقد اعترف حزب النور على أكثر من صعيد، بعدم استبعاد تحالفه مع الحزب الوطني المنحل في انتخابات البرلمان القادم، عبر إعادة إحياء بعض رموزه مرة أخرى، وحاول تقديم عشرات المبررات لمسلكه السياسي.

فوق ذلك ترسخت صورة شبه كاريكاتورية للشيخ ياسر برهامي تخص غرابة الكثير من فتاواه، لا سيما تلك المرتبطة بقضايا رأي عام ومتهم بالتورط فيها سلفيون ينتمون لحزب النور، منها الفتوى التي أطلقها حول قضية وقعت في محافظة الشرقية حول ذلك التاجر الذي ضبطته السلطات يعتدي جنسيا على عشرات النساء ويقوم بتصويرهن، حيث اعتبر برهامي أنه طالما كان يدفع مالا لقاء ما يفعل في أولئك النسوة فإنهن يعتبرن من ملك اليمين حسب النصوص الشرعية.

ربما يزيل التوقف عند حياة الرجل الكثير من الغبار عن أفكاره ومرجعياتها، حيث أنشأ الحركة السلفية خلال دراسته في كلية الطب، وأثناء وجوده في الكلية نشر عددا من الرسائل الإسلامية، وانتشرت محاضراته وخطبه في الإسكندرية، وتخصص في الاعتقاد، وتجاهل الطب تماماً.

12