ياسر رزق صديق السلطة والمعارضة في مصر

ياسر رزق يرفض تصنيف كل معارض للنظام أنه متآمر، أو تصوير كل متظاهر على أنه إخواني، ويبني قناعاته على أنه "من غير المعقول أن يكون كل الناس مؤيدين، فهناك أصحاب مطالب وحقوق يجب الاستماع إليهم".
الثلاثاء 2019/10/08
رزق كاتم أسرار الرئيس أم "هيكل" جديد

اعتاد المصريون أن يكون هناك صحافي معروف عنه أنه قريب من السلطة، ينتظرون كتاباته وتحليلاته ومقالاته لمعرفة ما يدور في عقل رئيس الدولة، وما يخطط له من قرارات وسياسات مستقبلية على المدى القريب أو البعيد، فقد كان الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل قريبا من الرئيس جمال عبدالناصر، وموسى صبري وأنيس منصور مع أنور السادات، وسمير رجب وإبراهيم نافع ومكرم محمد أحمد مع حسني مبارك.

صحيح أن تجارب هذه الأسماء الصحافية التي اقتربت من أنظمة الحكم تبدو متشابهة، لكن علاقة هيكل وعبدالناصر كانت نموذجا في علاقة الصحافي بالسلطة، إذ كانت قائمة على التشاور والتفاهم والصداقة والثقة الكبيرة، ولأن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، يميل لتجربة عبدالناصر مال على النهج ذاته، وأصبح له صحافي مقرب، هو ياسر رزق رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم الصحافية الذي أضحى يوصف بأنه “كاتم أسرار السيسي”.

توقعاته التي تحصل

عندما يكتب مقالا أو يتحدث في برنامج تلفزيوني، ويقول “أتوقع أن يحدث”، و”أتصور أن قرارا سيصدر ويتضمن كذا”، تعلم أن ما يتوقعه ويتصوره سوف يكون واقعيا قريبا، كأنه يشير لذلك بناء على معلومات حصل عليها.

يتميز رزق عن كثير من الصحافيين الذين عرف عنهم القرب من السلطة، بأنه شخصية تمتلك من المهنية والتوازن بين التأييد والنقد ما يكفي لأن تكون لها مصداقية كبيرة، ما سهل مهمته في إقناع الناس بوجهة نظره وتحليلاته وكتاباته، وهو ما يلقى قبولا من الحكومة والمعارضة.

يصفه البعض بأنه صديق السلطة والمعارضة، وهي معادلة يصعب على الكثير من الإعلاميين والسياسيين تحقيقها، لكنه يجيد تنفيذها ببراعة، فهو يرفض التأييد المطلق أو المعارضة الدائمة لأي نظام سياسي، ليحافظ على قاعدة جماهيرية عامة، ولا يتم حسابه على فصيل بعينه. يرفض رزق تصنيف كل معارض للنظام أنه متآمر، أو تصوير كل متظاهر على أنه إخواني، ويبني قناعاته على أنه “من غير المعقول أن يكون كل الناس مؤيدين، فهناك أصحاب مطالب وحقوق يجب الاستماع إليهم”، وهي تصريحات قلّما تخرج من شخصية مؤيدة للسلطة، وربما لم يسمعها أحد من الرموز السياسية والإعلامية التي تتصدر الساحة.

مع تحقيق الحكومة لأي إنجاز، يكتب ويتحدث ويمتدح ويشرح الإيجابيات والعائد الذي ينتظر الناس من وراء هذا الحدث، وعندما يتصاعد الغضب ضدها، أي الحكومة، لا يمانع أن يكون له دور فاعل في توجيه النقد ودعم آراء الناس، شريطة أن تكون الآراء المعارضة نابعة عن حس وطني، ولا تدعم توجهات لفئة معارضة مثل جماعة الإخوان وأنصارها.

في ذروة انقسام الشارع المصري حول بعض سياسات وقرارات الحكومة، وخروج البعض للمطالبة بإصلاحات سياسية، لم يقف رزق على الحياد، أو يسعى لتجميل صورة الحكومة، بل كانت آراؤه مفاجئة للبعض، ومتوقعة لآخرين بحكم رصيده عند الناس.

طالب بحتمية أن تكون هناك إصلاحات سياسية شاملة، مع رفع سقف الحريات وإزالة القيود عن الإعلام، وهي المطالب التي ينادي بها المعارضون، لكنه قدمها في قالب صحافي مهني بطريقة هادئة ورصينة، نالت رضا واستحسان الجميع.

ربما كانت كتاباته الصحافية وأحاديثه الإعلامية عن قرب حدوث انفراجة سياسية وإعلامية، أحد الأسباب التي أعادت الهدوء إلى الشارع المصري، وخففت من حدة الانقسام، وأحدثت صدمة لدى جماعة الإخوان التي تراهن على تصاعد الغضب.

حتمية الإصلاح

تقاربه مع السيسي يعود إلى فترة التوترات السياسية بين ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، حيث كانت دوائر صناعة القرار تبحث عن شخصية إعلامية ذات مصداقية يمكن من خلالها توجيه رسائل سياسية وتنقل ما بين الكواليس
تقاربه مع السيسي يعود إلى فترة التوترات السياسية بين ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، حيث كانت دوائر صناعة القرار تبحث عن شخصية إعلامية ذات مصداقية يمكن من خلالها توجيه رسائل سياسية وتنقل ما بين الكواليس

نقلت عنه صحف ومواقع إخبارية وقنوات تلفزيونية “توقعات” الانفراجة السياسية، التي هي بالأساس “معلومات”، وتعامل الناس مع كلامه على أنه صورة واقعية لما يدور في ذهن السلطة بحكم علاقته القوية بها.

كان طبيعيا أن ينال قسطا وافيا من الهجوم اللاذع في المنصات الإعلامية الإخوانية التي تبث من تركيا وقطر، لأنها اعتبرته أداة النظام المصري في تهدئة غضب الشارع، وشككت في كلامه عن الانفراجة السياسية، وطالبت الناس بتجاهل حديثه والاستمرار في نشر الفوضى.

بدأ الانفتاح السياسي بالإفراج عن عشرات المتظاهرين من غير المنتمين للإخوان دون تحرير محاضر أو توجيه اتهامات لهم، وظهرت بعض الأصوات الإعلامية تتحدث بنبرة قريبة من لسان المعارضة، وتحول مجلس النواب من منصة للدفاع عن الحكومة إلى معارض لها. ميزة رزق أنه عندما يتحدث بلسان المعارضة فلن يُفهم كلامه من جانب السلطة على أنه يتآمر أو يعمل لحساب فصيل سياسي لديه أهداف مشبوهة، لأنه بالأساس صديق السلطة، وعندما يُعارض، فإنه يفعل ذلك لصالح الدولة.

تبدو معارضته مقبولة من أغلب الأطراف، عكس الكثير من الإعلاميين والسياسيين الذين يقدمون أنفسهم على أنهم من دائرة صناعة القرار، فهؤلاء إذا انقلبوا فجأة من التأييد المطلق إلى المعارضة يتشكك الناس فيهم، ويتم اتهامهم بتنفيذ أجندة مطلوبة منهم، ويخسرون كل شيء، فلا هم استمروا في نيل تأييد داعمي السلطة، ولا هم حصلوا على ثقة المعارضة.

تهمة التأييد المطلق

صعدت أسهم رزق عند الرئيس السيسي، بحكم أنه صحافي يحظى بمصداقية معقولة، في وقت يتصاعد فيه غضب الشارع من الإعلام، لأسباب ترتبط بتراجع دوره وتأييده المطلق للحكومة وغياب مهنيته واستعانته بشخصيات غير مؤهلة لتكون في الصدارة.

ثمّة معضلة أخرى واجهت النظام في ملف الإعلام، ترتبط بأن الكثير من الوجوه الإعلامية أصبحت محروقة لدى الشارع، لأنها عملت مع كل الأنظمة السابقة، فهناك من أيّد مبارك وانقلب عليه، ثم دعم الإخوان وانقلب عليهم، وينظر لهؤلاء على أنهم يسيرون كالقطيع.

لم يكن رزق من هؤلاء، حيث كان من المغضوب عليهم خلال سنوات طويلة من حكم حسني مبارك، وتم منعه من دخول مبنى رئاسة الجمهورية لتغطية أنشطتها كمحرر رئاسي، لأنه رفض المشاركة في التوقيع على برقية دعم وتأييد لمبارك، عقب فوزه بعضوية مجلس نقابة الصحافيين، وفق رواية الكاتب الصحافي صبري غنيم في صحيفة المصري اليوم تحت عنوان “لماذا منعوا ياسر رزق من دخول رئاسة الجمهورية”.

وتم تصنيف رزق على أنه من مؤيدي جماعة الإخوان، بعدما كتب أحدهم تقريرا للرئاسة يفيد بأنه استعان بالصحافيين الإخوان لدعمه في انتخابات الصحافيين، لكن رزق صرح وقتها بأنه “لن أفرق بين زملاء المهنة وفق علاقتهم بالسلطة، ولن أعمل لصالح فريق بعينه حتى لو رفعوا عنّي الحظر في مؤسسة الرئاسة”.

شعبية رزق الكبيرة، إثر مواقفه ونجاحه في إعادة إحياء مجلة الإذاعة والتلفزيون، صعدت به إلى موقع رئيس تحرير صحيفة الأخبار الحكومية، الموقع الذي تم عزله منه بعد ثورة يناير 2011 بتدخل من الإخوان
شعبية رزق الكبيرة، إثر مواقفه ونجاحه في إعادة إحياء مجلة الإذاعة والتلفزيون، صعدت به إلى موقع رئيس تحرير صحيفة الأخبار الحكومية، الموقع الذي تم عزله منه بعد ثورة يناير 2011 بتدخل من الإخوان

أجرى منذ حوالي العام عملية قلب مفتوح في إحدى المراكز الطبية خارج مصر، وتعاطف معه قطاع كبير من المؤيدين والمعارضين له، واستقبله العاملون بمؤسسة أخبار اليوم فور عودته بتظاهرة للتعبير عن عمق حبهم له.

عندما شعر الحزب الوطني حينها بأن شعبية رزق تتصاعد، إثر نجاحه في إعادة إحياء مجلة الإذاعة والتلفزيون تحت رئاسته، وشارك في صناعة جيل واعد من شباب الصحافيين، تقرر تعيينه رئيسا لتحرير صحيفة الأخبار الحكومية، وتم عزله بعد ثورة يناير 2011 بتدخل من الإخوان، لأنه يعادي الجماعة، ورفض أن يكتب في حق الإخوان جملة واحدة قد تبقيه في المنصب.

رفض الحصول على مكتسبات كثيرة، مقابل التخلي عن مبادئه، واعتاد أن يكون عصاميا ولديه كبرياء، ويخشى أن يتلوث اسمه بإغراءات السلطة، ربما لأنه تأثر بعمله كمحرر عسكري منضبط واختلط كثيرا بقادة الجيش لدرجة أنه يفضل وصفه بـ”المحرر العسكري” عن إلصاق اسمه بلقب رئيس تحرير، وربما لأنه ورث ذلك عن والده الكاتب الراحل فتحي رزق، الذي كان أيضا محررا عسكريا.

كان رزق مسؤولا عن تغطية الكثير من الحروب والنزاعات بالشرق الأوسط، حيث ذهب إلى البوسنة والهرسك مرتين، وحضر حرب البلقان وسافر إلى جنوب لبنان ودارفور، ودخل مع الرئيس الراحل ياسر عرفات قطاع غزة لأول مرة، وقام بتغطية حرب الخليج الأولى.

ساهمت الحروب التي شارك في تغطيتها في أن يكون شخصية معادية للخراب والدمار، ويدعم الاستقرار الأمني والسياسي، وربما كان ذلك السبب في أن يقول عبارته الشهيرة “الجيش سيبقى مصدر الإمداد الأول بالشخصيات المؤهلة للحكم في مصر”. توطدت علاقته بالرئيس السيسي وقت أن كان الأخير رئيسا لجهاز المخابرات الحربية وعضوا في المجلس العسكري قبل أن يكون وزيرا للدفاع، حيث أجرى معه حوارا في صحيفة المصري اليوم، كان الأول من نوعه، وتوّج بسببه بجائزة الصحافة العربية.

ارتبط تقاربه مع السيسي بفترة التوترات السياسية بين ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، حيث كانت دوائر صناعة القرار تبحث عن شخصية إعلامية وطنية ذات مصداقية وشعبية، يمكن من خلالها أن تحظى بقبول مجتمعي عندما تقوم بتوجيه رسائل سياسية وتنقل ما بين الكواليس، ويبدو أن السلطة حينها وجدت ضالتها فيه باعتباره شخصية جديرة بالثقة.

عندما تحدث عن بدايات علاقته بالسيسي، قال إنه تمنى منذ الوهلة الأولى أن يصبح هو رئيس الجمهورية بعد ثورة يناير مباشرة، بحكم ما لمسه من صدق ووطنية وشخصية قوية وفهم لبواطن الأمور والتحديات التي تواجه الدولة.

محرر عسكري

علاقة هيكل وعبدالناصر تعتبر نموذجا فريداً في علاقة الصحافي بالسلطة، إذ كانت قائمة على التشاور والتفاهم والصداقة والثقة الكبيرة
علاقة هيكل وعبدالناصر تعتبر نموذجا فريداً في علاقة الصحافي بالسلطة، إذ كانت قائمة على التشاور والتفاهم والصداقة والثقة الكبيرة

لم يخف أنه كان يتواصل مع السيسي قبل وصوله إلى منصب وزير الدفاع، وكان الأخير يريد لمصر حاكما ليس كبيرا في السن، لديه رؤية اقتصادية وسياسية وكاريزما، بحيث يترشح في انتخابات الرئاسة عام 2012، لكن رزق من داخله كان يريد السيسي رئيسا.

المتابع لكتابات رزق وحواراته الإعلامية، يشعر بأن هناك كيمياء بينه وبين السيسي، فهو تقريبا يتحدث بنفس طريقته ويستطيع بسهولة قراءة ما يدور في عقله ويتنبأ بما يمكن أن يحدث في الغد القريب، بغض النظر عن كونه حصل على معلومات بشأن ذلك من عدمه.

يجيد رزق التعامل مع العقلية الأمنية بحكم عمله كمحرر عسكري لفترة تجاوزت ثلاثين عاما، وهي ميزة ينفرد بها عن كثير من الشخصيات الإعلامية التي تتصدر المشهد، ولم يجد صعوبة في أن يكون الصحافي المقرب من عقل السلطة، الذي تتم استضافته على القنوات التلفزيونية، ليتحدث عن كواليس ما يدور في أذهان صناع القرار، بل إن بعض المذيعين قدموه على أنه “من يمتلك المعلومة قبل التحليل”.

تتركز أغلب كتاباته على ضرورة حماية نظام 30 يونيو، ومهد الطريق لإجراء تعديلات دستورية تطيل فترة بقاء السيسي في الحكم، لأنه يرى عدم توافر البديل الآمن على مستقبل البلاد، ورسم خريطة دمج الأحزاب السياسية المتناغمة في الفكر والتوجه لتشكل قاعدة حزبية متينة في مواجهة المتربصين بمؤسسات الدولة.

اعتاد الدفاع عن كل ما يتعلق بثورة 30 يونيو، سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات، وهو صاحب مبدأ راسخ يرتبط بأنه “لا حرية في المرحلة الانتقالية المقبلة إلا للكتلة الوطنية المنضوية تحت لواء 30 يونيو ولا مجال للمصالحة مع الإخوان”.

 أصبح يوصف بأنه أحد أبرز الناطقين باسم نظام ما بعد الإخوان، وهو لا يغفر لأي أحد وقف ضد نظام 30 يونيو، ومن هؤلاء تيار كبير من رجال الأعمال الذين رفضوا مساندة الاقتصاد المصري، في حين كانوا يدفعون “الجزية” لنظام الإخوان.

ينظر البعض إليه على أنه أحد الشركاء في إدارة العلاقات العامة للدولة المصرية، ويرى أن الرئيس السيسي يقوم بدور وزير الإعلام، بحكم أنه دائم الخروج والتحدث إلى الناس في كل القضايا والملفات.

يرى البعض أن هناك صحافيين وإعلاميين كثيرين يمكن أن يقوموا بمهمة رزق، لكن ثمة مهارات يتمتع بها رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، تجعله مختلفا ومفضلا عن غيره، على رأسها أنه يكتب ويتكلم بأسلوب السهل الممتنع، ويخاطب كل الفئات وينزل إلى مستوى البسطاء.

فهو يمتلك مهارة التحليل العميق لأيّ حدث يتناوله أو قضية شائكة يتطرق إليها، سواء كانت محليّة أو إقليمية ودولية، وتشعر أنه أكثر من صحافي. ربما يكون ذلك مرتبطا بأنه قريب من المطبخ السياسي، ما فتح أمامه خزائن من المعلومات، نشر المسموح منها صراحة، ووزع الباقي بطريقة ذكية في صورة توقعات وتقديرات مستقبلية.

صحيح أن المعلومة قد تكون شريكة في صناعة صحافي، لكن الاحتراف لدى القريب من السلطة أن يكتب ويقول إن حرية الرأي والتعبير درع، وحرية الإعلام سلاح، ولا يمكن لدولة عاقلة أن تفرط في درعها وسيفها، وتسلمهما في غفلة لمن يريد أن يقوض ركائزها ويهدم دعائمها. هكذا كتب ياسر رزق صحافي الرئيس في أوج سطوة الحكومة على الإعلام، وساهم بقلمه في أن تستفيق وتبدأ إعادة إحياء قواها الناعمة.

13