ياسر صافي يمارس ألعابا صبيانية مشحونة بسوداوية شفافة

قدّم الفنان التشكيلي السوري ياسر صافي أعماله الجديدة في صالة “مارك هاشم” البيروتية بهذه الكلمات: “في وسط الظروف القاهرة التي نعيشها كفنانين في سوريا.. أقدّم مجموعة لوحات نفذتها في دمشق وفي بيروت على السواء، لوحات هي بمثابة التقاط للنفس وفعل مقاومة ضد العنف وضد الموت”.
الخميس 2015/05/07
الطفولة في لوحات صافي ترميز يبرد حرارة ألم عار لا يمكن حصره في عنوان

بيروت - يعرب الفنان السوري ياسر صافي عن بالغ امتنانه لفسحة الضوء المُشبع بالهواء الضروري للبقاء على الحياة عضويا وبالتالي فنيا، فسحة الضوء هذه تحتل أعماله، تُشكل معالم شخوصه، وترسم ملاعب دورانهم في فضاء اللوحة.

تطرّق صافي إلى هذه الفسحات الضوئية في مواضع كثيرة من لوحاته، حتى كادت تتلاشى من حول شخوصه المحتاجة إليها كل الاحتياج. لم يبق من تلك الفسحات في معظم الأعمال إلاّ غلاف رقيق يضمّ ما يكفي من الهواء والنور، لكي “تنمو” شخوصه كما ينمو الجنين في رحم أمه. ولا تفارق شخصيات ياسر صافي غشاء النور هذا حتى بعد أن تنضج.

هي فقط، تغادر سكونها لتلعب و”تتشقلب” في تلافيف وجود غامق اللون الذي يطغى على العديد من لوحاته.

لا تهاب شخوص الفنان العتمة، لا بل إنها تبدو قادرة بفضل هذا الظلام الدامس على الظهور والتغلب على ما يبثه الظلام من وحوش غير مرئية، ووحوش أخرى ترتدي هيئة منمنمات يلحظها المشاهد غائمة ومشتتة في أرجاء اللوحة.

ماذا يحدث حين يغادر أشخاصه الملونة مرابض الضوء، كما يحصل في عدد من اللوحات نذكر منها “كابوس”، “والد ليلى والذئب”، “ملاكم”، “دكتاتور” و”شارع”؟

ما يحدث أنها تستحيل إلى ما يشبه هامات فقاعية، لا بل بالونة انتفخت بالنور وامتصت الهواء إلى داخلها لتوجد في أجواء اللوحة وتتفاعل مع مشاعرها وأفكارها، وتقيم الحد بينها وبين العنف الكامن في الأشياء التي تحيط بها، أشياء تحيل المُشاهد إلى حالات الموت المقيم من حولها.

من هذه الأشياء التي تختصر هذه الحالات: قنينة غاز زرقاء اللون فيها شفافية غريبة، طائرة هليكوبتر في أكثر من لوحة، كلاشنيكوف أو بارودة، مقص معدّ للقطع، خرطوم مياه لا يطفئ نارا، براميل سوداء لا ندري محتواها، ولكنها تشي بالشر الكثير، سيارة عسكرية تشبه لعب الصبيان، حيوانات “غير أليفة”، رؤوس وكأنها “طابات فوتبول”، “طابات فوتبول” إلى جانب المرمى، و”تحية إلى حارس المرمى” يعنون بها ياسر صافي إحدى لوحاته.

كل أطفال العالم يحبون الهليكوبتر إلا أطفال سوريا

حينما ينفلت الضوء في بعض لوحاته، يظلّ رهن الشخوص التي تسكنه، فيكتسب لونه من ألوانها. يظل ضوءا ملونا لا يمكنك أن تحدد من خلاله أين تنتهي الأرض وأين يبدأ الفضاء. الغريب في أمر لوحات ياسر صافي، أنه بالرغم من تحديده تشكيليا، الوجهة التي يجب أن تعلّق فيها اللوحة، وكيف يجب على المشاهد أن ينظر إليها، لكي يتعرف على الشخص الواقف، المستلقي، الجالس، أو المنهمك في عمل ما.

على الرغم من هذا التحديد التشكيلي للعرض، فإن الناظر إلى تلك الأعمال قادر على قلب اللوحة رأسا على عقب، وتركيب نص ذاتي منطلقا مما يراه أمامه.

كيف لا وشخصيات الفنان تمارس سلسلة متصلة من التحولات عبر ألعاب صبيانية مشحونة بسوداوية شفافة، تحاول أن تجعل المرارة مرئية ومحسوسة ومدركة بغرض التخفيف من وطأتها، وتحويلها إلى نقاش أو سؤال أو معنى.

تتميز عناوين لوحات ياسر صافي بأنها تقدم مدخلا موفقا إلى قراءة اللوحة. تقودنا عناوين من قبيل “عسكرة”، “مخيم”، و”أنا أكره الهليكوبتر” إلى عالم مسكون بنزعة التوصيف الساخر الذي يحاول القبض على الحالة المشتعلة، دون أن يسمح لها بالاستحواذ عليه مع أنه جزء منها.

إنها محاولة يقوم بها غريق لتفسير العاصفة عله ينسى أنه يغرق؟ وهكذا لا تكون الطفولة التي تشي بها العناوين سوى نوع من ترميز يحاول أن يبرد حرارة ألم عار لا يمكن حصره في عنوان.

مفردات الشتات السوري التي يستخدمها كعناوين، تبدو وكأنها محاولة شخصية لقول ما لا يمكن قوله على الرغم من شدة وضوحه. الأطفال في كل العالم يحبون الهليكوبتر.

من هنا يبدو عنوان من قبيل “أنا أكره الهليكوبتر” إشارة إلى سوريا اللغة وسوريا المشهد الطالع من رحم مأساة لم تكشف كل تفاصيلها بعد.

م. ع

16