ياسمينة خضرة.. روائي يورط نفسه في رئاسة الجزائر

السبت 2013/11/23
روائي مجنون بالأدب يمتطي طيش السياسة

أعلن الكاتب الجزائري، محمد مولسهول، الشهير باسم ياسمينة خضرة، أنه سيترشح إلى الانتخابات الرئاسية الجزائرية في 2014، في خطوة أثارت الكثير من الجدل والسخرية.

لأنه من النادر عندنا كعرب أو كعالم ثالث سواء في العصور القديمة أو الحديثة أن يحكمنا أديب أو شاعر، ونصيب الأدب في قصور الحكم العربية، لم يتعد في أحسن الأحوال، حاكما يتذوّق الأدب والشعر، أو أديبا أو شاعرا متملّقا لا يتجاوز حدود المديح. وإن تعودنا في نفوسنا العميقة على معادلة المدح والهجاء، أو خندق السلطة والمعارضة، بين أدباء اعتلوا المراتب والمزايا في القصور، وبين أدباء انتهوا في عتمة السجون أو تحت طلقات الرصاص، فإن إعلان الروائي الجزائري، محمد مولسهول، المعروف بياسمينة خضرة، عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة في الربيع القادم جاء مثيرا ومفاجئا، حاملا معه سيلا من الأسئلة والاستفهامات.

أعلن الكاتب والروائي الجزائري، محمد مولسهول، الترشح للرئاسيات الجزائرية القادمة وهو الاعلان الذي شكل، ردة فعل قوية داخل الأوساط السياسية والثقافية، فبعضها وصفه بضرب من الخيال بحكم أنه لا يتمكن من جمع 60 ألف توقيع من 25 ولاية، بمعدل 1500 توقيع من كل ولاية، طبقا لقانون الانتخابات الجزائرية، والبعض الآخر يرى أنه مرشح دوائر استعمارية فرنسية، وتعيب عليه "تكوينه وإنتاجه الأدبي الفرانكفوني، لا سيما وأن مؤلفاته تحظى برواج مريب لدى تلك الدوائر التي تغدق عليه بالتكريمات والجوائز، التي لم يحظ بها أي أديب جزائري آخر.

قال مولسهول عن برنامجه الانتخابي: "إنه سيتبلور حين يرى التجاوب الشعبي مع ترشحه، لأنه لا يمكن أن يتوجه عكس الشعب". ونفى أنه مدعوم من أيّ من القوى السياسية في البلاد، وأنه سيعتمد على جمع التوقيعات". وأضاف مولسهول: "أعرف أنني أورط نفسي بهذا الفعل، ومع ذلك أستعد وأتقدم".


البحث عن الصلح المستحيل


الروائي الأسمر المنحدر من عمق الصحراء الجزائرية، البالغ من العمر 58 عاما، ولد ببلدة القنادسة بولاية بشار الصحراوية. التحق بصفوف الجيش في طفولته المبكرة في إطار ما كان يعرف بمدارس أشبال الثورة. وغادر المؤسسة العسكرية في العام 1984 ليتفرغ للكتابة والتأليف، حيث يملك في رصيده العديد من الروايات الموقعة باسمه الحقيقي "محمد مولسهول "، والعديد الآخر الموقع باسمه المستعار "ياسمينة خضرة"، وهو اسم معدّل لزوجته لأن اسمها الحقيقي هو "يمينة خضرة". والذي حدث أن مولسهول لما قرر التوقيع بالاسم المستعار لأول مرة، وقع خطأ مطبعي، فبدل كتابة يمينة كتبت ياسمينة.

روائي ينبذ العنف، بما في ذلك العمليات الاستشهادية للفلسطينيين ضد الإسرائيليين، على شاكلة كامو، لا فرق عنده بين الجلاد والضحية، ويريد إدارة شؤون الجزائر

الرجل الذي يحاول رسم خط روائي لنفسه، وتطعيمه ببعض أفكار ألبير كامو في رفض العنف، يقول العارفون به إنه يحسن التعبير بالقلم وليس باللسان، وإن كان الإشكال معروفا في الصحافة المكتوبة، فإن البعض لا يقبل منه اللسان المتلعثم وهو صاحب إنتاج أدبي غزير. ولم يعرف عنه خوضه في المسائل السياسية رغم المحطات والمنعرجات التي مرت بها الجزائر منذ مطلع التسعينات إلى الآن، ولذلك جاء قراره مفاجئا ومثيرا.

فالروائي الذي ينبذ العنف بما في ذلك العمليات الاستشهادية للفلسطينيين ضد الغزاة الإسرائيليين على شاكلة كامو الذي ساوى بين دموية الجيش الفرنسي في الجزائر وبين مقاومة جبهة التحرير الجزائرية، لا فرق عنده بين الجلاد والضحية، ويريد إدارة شؤون الجزائر، وتصادم المصالح الداخلية والخارجية بعوالم رواياته وأبطاله الافتراضيين.

ولعل ما يثير التساؤل هو ردة فعل الجزائريين حينما يستفيقون على رئيس لهم لا يدرون كيف يسمونه هل محمد مولسهول أم ياسمينة خضرة؟ وهم المجتمع الذكوري الذي يرفض التأنيث في الكثير من المواقف والمواقع، بحكم ثقافته ورصيده الممزوج بين البربري والمشرقي، المتعنت في وجه المرأة لما يجدها خارج فراش الزوجية أو اللذة.

فالأنثى التي استنجد بها محمد مولسهول للإفلات من انضباط الثكنة العسكرية لما كان يؤلف روايته وهو يرتدي البزة العسكرية بعيدا عن عيون ضباطه ومسؤوليه، هي أكثر من زوجة وأكثر من تمويه. بل هي أنثى تسكن طبقات مشاعره العميقة، بدليل أن ياسمينة لازالت تتصدر مخزوناته الروائية، وحتى الانجذاب غير الطبيعيى للرجل تجاه أي أنثى وعروضه الكريمة والمغرية للزواج لمن يصادفها يوحي إلى فقر أنثوي يؤرق محمد مولسهول.

محمد مولسهول الذي يقول عن نفسه إن شهرته تفوق شهرة الجزائر، يدير الآن المركز الثقافي العربي في فرنسا، ويجتهد في طرح أفكار بغية هز الرأي العام في فرنسا والغرب عموما، ولا يتوانى في انتقاد الحماقات البشرية وثقافة العنف، ويتحدث عن جمال وطنه الأم الجزائر وسحره. ولكن أيضا عما يسميه الجنون الذي يكتسح كل مكان بفضل الخوف وبيع الضمائر متذرعا بالدين ومخلفا وراءه حمامات من الدم.


حوض المتوسط.. حلم المتناقضات


يرى أن أفكاره الروائية بإمكانها تحريك المياه الراكدة وفك جزء من الانسداد الحاصل في الشرق الأوسط، على مستويات عدة ومن بينها الثقافية والفكرية. ويعول كثيرا على الحوار بين متناقضات المتوسط، ويعتبر الاتحاد من أجل المتوسط، أفضل فضاء لتجسيد مشروعه الفكري بما أن المنطقة "هي فضاء تلاق وحوض رائع احتضن الملاحم والأساطير ويمكن لشعوبه أن تحوله إلى جنة عدن".

ويقول: "إن نظرة شعوب البحر الأبيض المتوسط إلى حوضهم واحدةٌ من منطلق علاقتهم العاطفية به، لكن "الجزائريون مثلا ينظرون إليه على أنه منفذ هروب، وبوابة تجسد أحلامهم، والفرنسيون يرون فيه غزواتهم وحروبهم وحنينهم الى الماضي، وفي بلدان أخرى يمثل مصدرا للشر والاضطهاد، ولآخرين نافذة للحظ السعيد".

ويعترف ياسمينة خضرة أن البحر المتوسط وإلى حد الآن هو بمثابة حدود تسد الأفق في وجه سكان الضفة الجنوبية، لكن المطلوب هو بناء جسور للتواصل.

ياسمينة لا يقف عند كسر الحواجز بين إسرائيل والعرب، في إطار حوض المتوسط. ويذهب إلى التأسيس لمصالحة فرنسية- جزائرية وتقول إحدى رواياته: "وحدهم الواعون من لهم القدرة على التصالح". ويتوسم في أن تلعب الثقافة دورا حاسما في التغلب على الحقد الذي تربى بين الجانبين.

وذلك من أجل تجاوز مطالبة الجزائريين من الفرنسيين بالاعتذار عن جرائم 132 سنة من الاستعمار وجرائم الإبادة. وفي الطرف الآخر لا يتوانى الفرنسيون الذين يحنون إلى "الجزائر الفرنسية"، في المطالبة بتعويضات عن ممتلكاتهم التي تركوها بالجزائر غداة استقلالها في 1962. وهو التضاد الذي ينسحب حسب خضرة على الجانب الدبلوماسي والسياسي، وعلى الثقافة والتاريخ ومناهج التعليم.

ويرى مولسهول أن الاتحاد من أجل المتوسط يمكن أن يفتح حوارا بين الضفتين، ويعتبر الجزائر ضحية إحباطات متتالية، فرغم خيراتها الهائلة، لا تمنح لمواطنيها سوى الفقر، والبؤس والفوضى". فالجزائر أهلكها الإرهاب والرشوة والمحاباة واللاكفاءة وثقافة الاحتقار والغضب والرغبة في الهروب.

الأنثى التي استنجد بها محمد مولسهول للإفلات من انضباط الثكنة العسكرية حين كان يؤلف روايته وهو يرتدي البزة العسكرية هي أكثر من زوجة وأكثر من تمويه.. هي أنثى تسكن طبقات مشاعره العميقة

وحسب خضرة، الذي يرى أن حالة الانفصام التي تستوطن نفوس الجزائريين شيئا فشيئا تشغله دوما، إذ يقول: "لقد أصبحوا ناقمين على كل شيء… فالماضي أفلت منهم والحاضر خدعهم، لكن لدينهم المستقبل".

مشروع المتوسط هو هاجس مولسهول الذي صرح في الشأن: "أنه ينتظر الكثير من مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، شرط أن يكون مبنيا على الصدق وليس حسابات كواليس.. الاتحاد سيسهل حرية تنقل الأشخاص والسلع والاستثمارات بين الضفتين". وأضاف: " المغرب العربي هو جنة تنتظر حرثها، ويمكننا عمل الكثير، ومن دون الجزائر لن يكون هناك اتحاد متوسطي فعّال، ويمكن أن تصبح سلة غذاء البحر الأبيض المتوسط".


"ياسمينة خضرة فرانكفوني متواضع"


يقول الكاتب والإعلامي، الجزائري عبد الله الهامل: "عرفت محمد مولسهول في تلك السنوات من تسعينات القرن العشرين، والتي كانت تبدو لنا وقتذاك شحيحة، ولكنها الآن، وبالنظر لكل التدمير الرمزي الذي حدث، تبدو خصبة. في 1994 عرّفني بختي بن عودة بمحمد مولسهول وكان عسكريا في ظروف الحرب الكابوسية التي لم تضع أوزارها كاملة.. في البداية كان يبدو متحفظا وقليل الكلام، وهي حالة كل الجزائريين في ذلك الوقت.. الكل يخاف ويخشى الكل.. أنا كنت وقتها متعاونا صحافيا مع جريدة الجمهورية، ومشرّدا في الأحياء الجامعية والفنادق الرخيصة، وكان بيت بختي بن عودة ملاذا في أواخر الليل عندما تهددني الظروف بالمبيت في الشارع".

"كان بختي بن عودة يعمل بقصر الثقافة، ويجمع حوله الشباب المثقف والأفكار والكتب والمجلات، جاء محمد مولسهول بسيارته الـ"بي أم دبليو" البنية من الطراز القديم، أخذنا أنا وبختي إلى مقهى زكريا في آخر شارع العربي بن مهيدي.. كان مولسهول يحب بن عودة وكان يسعى إلى تحسين وضعه المادي.. الحديث كان وديا وحميميا.. مولسهول وفي حديثه المستفيض عن عوالم الأدب، كان يبدي إعجابه بالروائي الأميركي الكبير جون شتاينبك. سألته عن كافكا فقال إن قراءته في الليل تجلب له الكوابيس في ذلك الجو المكفهر.. أما المتبني فقد اعتبره أهم شاعر في تاريخ العربية".

وتابع الهامل: "في تلك السنوات المجنونة كان محمد مولسهول يظهر ويختفي دون مواعيد.. بقي هكذا يظهر ويظهر ويختفي.. رحل بختي عن الدنيا.. ورحلت أنا إلى الأقاصي.. واختفى محمد مولسهول لسنوات، ثم ظهر في الغرب باسم (ياسمينة خضرة).. أسعدني هذا الظهور وأسعدتني نجاحاته.. عندما قرأت بعدها روايته ''بم تحلم الذئاب!'' فهمت بعضا من الأسرار الأدبية لهذا الرجل.. وفهمت سر ظهوره.. الرجل كان في قلب المعركة بالسلاح وبالعرق وبالخوف وبكل لعنات الحرب التي نعرف ولا نعرف.. لكنه كان ينتصر عليها بالكتابة، أو ليست هي الكتابة والفنون جميعها كما قال درويش، هي التي تهزم الموت.. كنا نلتقي قريبين من الموت، لكل شبهته، نجا من نجا ومات من مات".

واستطرد: "في تلك السنوات التي كنا نراها شحيحة وأصبحت تبدو لنا الآن خصبة.. لم يكن لمحمد مولسهول أي ظهور رسمي عدا لكتبه التي طبعها في المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع، كان عليه أن ينتظر، وأن ينضج التجربة على نيران الحياة الهادئة.. وهو ما يعرفه تماما محمد مولسهول، كان عسكريا وقتها ومن القيادات، لكن الجلوس إليه يمنحك منذ البداية الإحساس بالأمان".

15