"ياسينو" المسرحي القتيل الذي مسح دموعنا بابتسامته البريئة

الجمعة 2014/11/14
الكوميدي السوري الراحل ياسين بقوش

قبل أربعين عاما، وبالتحديد عام 1973 كنت أقوم بخدمتي الإلزامية على الحدود السورية اللبنانية في جديدة يابوس. دخل مكتبي في الصباح الباكر عدد من أعضاء فرقة دريد لحام الفنية، كان دريد لحام أستاذي يوم كنت أدرس في ثانوية التل لمادة الفيزياء والكيمياء، عرفته على الفور وتذكرني هو أيضا. استقبلتهم وكان بين الموجودين صباح جزائري وياسين بقوش وغيرهم. طلبت لهم قهوة صباحية، وكنت سعيدا بهم.

كانوا يقدمون وقتها مسرحهم ما بين دمشق وبيروت، وكنت أقوم بتسهيل عملية الروتين لهم مع إدارة الهجرة باعتبارهم فنانين وطنيين محبوبين. تعمّدت الجلوس فيما بين ياسين بقوش وصباح جزائري، أتأمل صباح باعتبارها خفيفة الظل، وأريد أن أسأل ياسين سؤالا خاصا.

أستاذ ياسين! لطالما أحببناك إنسانا بسيطا رائعا، تجعلنا من خلال البسمة نتساءل من أنت؟

أجابني ياسين وقتها بصوته الذي نعرفه وسحنته التي نحفظها: أنا كفنان عملي أن أدخل السرور في قلوب الناس، هذه هي مهمتي. أجبته، وكأنني ألقي عليه درسا: يا أستاذ ياسين، ليس الفن فقط من أجل الضحك، بل هو يحمل رسالة أيضا. استطرد في حديثه بمنتهى الجدية: أنا أريد أن أكون الفنان الذي يدخل السرور على قلوب الناس وليست مهمتي الوعظ، هذه مهمة أتركها لعلماء الاجتماع والسياسة والمربين، أما أنا فلا، مهمتي الإمتاع والسعادة فقط. تأكدت بأن ياسين بقوش الفنان الإنسان لن ينصت لي، وأنا الذي أحمل راية المثالية والقومية والوطنية والأخلاق، وأظن نفسي نهاية العالم.

أما الأستاذ دريد لحام فقد ذكّرني بأنه في عجلة من أمره، وعليّ أن أساعدهم في عبور مجاني لأعضاء الفرقة الذين لا يحملون بطاقة إعفاء من الرسم المقرر، لم تعجبني الطريقة التي تحدّث معي بها وهو ضيفي، لكنني احترمته لكونه أستاذا لي، ولكونه فنانا معروفا ومحبوبا.

كان ذلك صباح أول يوم من أيام عيد الأضحى، عندما غادروني، كان الوحيد الذي قبلني مودعا هو الفنان الإنسان ياسين بقوش، وهو يقول لي: أخي زهير، أنت صغير السن، ولكنك في يوم ما ستدرك أن ياسين كان على حق، ليس كل ما ندرسه صوابا، كل عام وأنت وسوريا بخير. تركني مذهولا صامتا أفكر في ما قاله، وما زالت يدي ممدودة باتجاهه.

يعود “ياسينو” إلى مخيلتي وأنا في أول أيام عيد الأضحى، بعد أكثر من أربعين عاما. الآن، أراه أمامي، لم يحد عن خطه أبدا.

أمتعنا في كل أعماله، ولا يمكننا أن نتذكر “ياسينو” إلا ونحن نشعر بالسعادة، نرى الإنسان البسيط الذي لا يعرف الخداع، بل ولا يعرف إلاّ الصبر على أذى الآخرين، يحب عمله، ويحب الناس والخير بكامل الصدق. عندما تذكرته دوما، كنت أقول في نفسي، إنه رغم أنه لم يأخذ بطولة أولى في أي عمل فيما أعرف، إلا أنه كان البطل الأول عندي للخير والطيبة وكل معاني الملائكة.

نعم ياسين، رمز إنساننا الطيب المسالم الرائع، أقول لك، وبعد كل هذا الزمن، وبعد أن نزف إنسانك الطيب صامتا حزينا على جانب الطريق، عرفت لماذا كان فنك للإمتاع فحسب، ولم يكن لإعطاء الدروس في القومية والممانعة وحب الزعامات. وبعد كل هذا الزمن، وبعد أن بقيت القطط السمان تسمن أكثر، أقول لك: «”نعم حبيبي ياسينو”، كل عام وأنت وروحك في سمائنا بخير، أيها الإنسان الملائكة، امسح دموعنا الغزيرة، فتلك هي مهمة الملائكة!».

17