ياسين الحافظ مفكر سوري يعرفه المغرب وينساه المشرق

السبت 2017/10/21
ياسين الحافظ صاحب نظرية اجتماعية وسياسية تأتي من الماضي لتطابق الواقع

الرباط- في الثامن والعشرين من شهر أكتوبر الحالي تمر الذكرى التاسعة والثلاثين لرحيل مفكر تعرفتُ على كتاباته في عمر مبكر، وذلك خلال بداية دراستي الجامعية في جامعة محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط. كنت حينها بين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من عمري، وكان الفضل كل الفضل في ذلك لأحد أبرز منظري اليسار المغربي، محمد الحبيب الطالب، الذي كان يشرف على تأطير الفصيل الطلابي الذي كنت منتمياً إليه؛ الطلبة الديمقراطيين. كان يوصينا وقتها بل يحرضنا على قراءة كتاب “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة” لياسين الحافظ.

كان الطالب يؤكد في ذلك الوقت بأن قراءته المتأنية ستكسبنا القدرة على ممارسة التحليل السياسي وفق رؤية نقدية شمولية. وهذا أعز ما يطلب. ولعلي كنت من القلائل الذين تجاوبوا مع الدعوة بشغف ملحوظ وبلا أدنى تردد، بل قرأت الكتاب وأعدت قراءته مرّات ومرّات. وبعد كل مرة كنت أستجلي دلالات جديدة داخل مشروع نقدي يتسم بالنظرة الشمولية والرؤية الجذرية والنفس الطويل. من قال إننا نقرأ الكتاب الواحد مرتين؟ بهذا النحو بدأت أصقل مهارة التفكير السياسي الهادئ والرصين منذ وقت مبكر.

الأيديولوجيا المهزومة

سرعان ما انتقلتُ إلى مرحلة أخرى من التفاعل مع كتاب “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة”، بحيث لم أعد أناقش حوله وحسب وإنما بدأت أناقش به كذلك، ولا سيما داخل الحرم الجامعي ومع سائر الفصائل الطلابية الأخرى، وكنا نخوض نقاشات ماراثونية حول الموقف الماركسي من المسألة الثقافية، كثيرا ما واصلنا فيها الليل بالنهار. لم يمض وقت طويل حتى بدأ المناضلون الآخرون من سائر الفصائل الطلابية يطالعون نفس الكتاب على أمل أن يسهل عليهم الرد علينا كفصيل طلابي. وهذا في حد ذاته كان إنجازا كبيرا.

بهذا النحو بدأ وعينا الطلابي يتحرّر مبكرا من النظرة الطّبقية والاقتصادية الضيقة، ويستأنس بنوع جديد من التحليل، والذي يعتمد هذه المرة على مقاربة نقدية تستحضر الأبعاد الثقافية والسلوكية في كافة مناحي الصراع السياسي سواء محليا أو عالميا.

أخير، أصبح كتاب الحافظ من بين الكتب الأكثر إثارة للسجال في وسطنا الطلابي خلال أواخر سنوات الثمانينات. لكن، سرعان ما انقطع النقاش أثناء حرب الخليج 1991، فغطت الشعارات الثورية والقومية والإسلامية على النقاش الفكري، ثم تبدلت الأحوال وانقلبت الموازين وهيمنت فصائل الإسلام السياسي على الساحة الطلابية بنحو شبه مطلق، وهكذا تراجع مستوى النقاش الفكري، وخبت جذوة الثقافة، واحتجبت كل أشكال الاحتجاج عن طريق الفن (الموسيقى الغناء، الرسم، الكاريكاتير، المسرح، الأدب، إلخ.)، فانحصر حراك الحركة الطلابية في مجرّد حالة انفعالية تنتظر اشتعال حرب هنا أو عدوان هناك حتى تصدع حناجر الغضب والتكبير.

أفكار تتحول إلى برامج

رؤية الحافظ والتي يعترف بأنه استوحاها من المفكر المغربي عبدالله العروي، أعادها محمد الجبيب الطالب إلى صلب اليسار المغربي في شكل ممارسة سياسية هذه المرة، تعتبر الأزمة أزمة حضارة برمتها

في أواخر سنوات السبعين عاد الطالب من سوريا إلى المغرب بعد سنوات طويلة من المنفى. عاد بدينامية حيوية ملفتة ولا تضاهى، كان في سنوات الأربعين من عمره، وكانت غايته التي تفرّغ لأجلها هي العمل على تغيير ثقافة اليسار المغربي من أجل تشكيل يسار قادر على إنجاز مهام التحديث الثقافي. المهمة المنسية، والتي لم يكن من السهل إنجازها داخل مناخ يساري دأب على الاعتقاد بأن الجهد النضالي يجب أن ينصب على تغيير البنية التحتية بالأساس، أما الباقي فهو مؤجل أو متروك إلى ما بعد حسم الصراع الطبقي.

كان زاد عودة الطالب إلى المغرب مؤلفات ومقالات المفكر العربي السوري الحافظ والذي لم يكن قبلها معروفا في الأوساط المغربية. لم يكن الطالب مجرد قارئ وصديق للحافظ بل كان أكثر من ذلك، كان أهم زعيم يساري في مستوى الساحة العربية حاول تحويل رؤية الحافظ الفكرية إلى برنامج عمل سياسي حزبي.

عمل الطالب على إصدار صحيفة “أنوال” والتي كانت شهرية ثم صارت أسبوعية، واشتهرت بالمقالات التأسيسية والافتتاحيات التوجيهية التي كتب معظمها بنفسه، وقد أحدثت منعطفا في وعي غالبية المناضلين والمثقفين المغاربة. كانت تلك الكتابات السياسية التأسيسية تستلهم من أطروحة الحافظ والتي ملخصها أننا لا نستطيع بناء دولة حديثة داخل مجتمع متخلف. لذلك لا بد من رؤية نقدية شمولية ومزدوجة.

وانعقدت الندوة التأسيسية الأولى للتنظيم السياسي الذي أشرف الطالب على بنائه “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” تحت شعار “دمقرطة الدولة دمقرطة المجتمع”. في واقع الحال كان هذا الشعار يكثف فكر الحافظ ويترجمه إلى جهد سياسي مثمر وخلاق، سرعان ما سيمثل نواة لثورة فكرية داخل اليسار المغربي نفسه، والذي دأب على اختزال الأزمة في السلطة حصرا، أو في الطبقة الحاكمة أو التحالف الطبقي الحاكم، بمعنى أن الغالب على المناخ اليساري التقليدي الاعتقاد بأن الأزمة ليست سوى أزمة حكم في آخر الحساب. غير أن رؤية المفكر السوري، والتي يعترف بأنه استوحاها من المفكر المغربي عبدالله العروي، وقد أعادها الطالب إلى صلب اليسار المغربي في شكل ممارسة سياسية هذه المرة، ستفتح الباب أمام مقاربة يسارية جديدة تعتبر الأزمة أزمة حضارة برمتها.

مجتمع أم نخب

يقول المؤرخون إنه وبينما دفع الانفصال عن الوحدة ما بين سوريا ومصر، كثيراً من البعثيين إلى الاتجاه نحو الماركسية، فإن الحافظ ذهب من الشيوعية إلى البعث، وساهم في تلقيح الفكرة القومية بالمفاهيم الماركسية.

وكان الحافظ قد ولد في دير الزور في سوريا عام 1930 لأب عربي مسلم وأم أرمنية مسيحية، فكثيرا ما نجد في تلك المدينة، أمهات وجدات أرمنيات، أنقذهن الأهالي من سوقيات المجازر العثمانية، فعشن بينهم وتزوجن من شبان المدينة.

درس في كتاتيب المدينة، وألحق بعدها بإحدى مدارس السريان الأرثوذكس. ليترك الدراسة وهو في السابعة عشرة، وتطوع للقتال في فلسطين سنة 1948 منضماً إلى “جيش الإنقاذ”، وأمضى فترة في مدينة صفد في فلسطين. وتأثر بحركة رشيد عالي الكيلاني في العراق وكان لاغتيال الملك غازي بن فيصل الأول أثر كبير في تكوين أفكاره القومية العربية.

وبعد عودته إلى سوريا عمل في حقل التعليم، وصار عضواً في الحزب الشيوعي السوري. لكنه لم يتردد في تأييد الوحدة المصريةـ السورية ودافع عنها ضد خصومها من الشيوعيين وغيرهم، ولم يلبث أن ترك الشيوعية وانضم إلى حزب البعث في أوائل الستينات من القرن الماضي، وعند تسلم البعث السلطة في الثامن من مارس عام 1963 في سوريا، لعب الحافظ دورا هاما في المؤتمر القومي السادس حيث إنه كلف بكتابة “المنطلقات النظرية” للحزب، والتي ستقوم مقام الوثيقة الثانية من حيث أهميتها في المرجعية النظرية للحزب، إضافة إلى “دستور” حزب البعث العربي الاشتراكي الذي عمم على القطرين السوري والعراقي.

وبعد هزيمة العام 1967 وفي الوقت الذي كان فيه مهدي عامل وأمثاله يلحون على اعتبار الهزيمة هزيمة بورجوازيات عربية، وكان هذا التحليل التبسيطي يستهوي الشبيبة اليسارية في العالمين العربي والإسلامي، وكان آخرون يعتبرون الهزيمة هزيمة جيوش فقط، والإسلاميون يعتبرونها هزيمة أنظمة “غير مؤمنة”، كان الحافظ يلحّ على اعتبار الهزيمة كشف حساب في آخر الحساب لحضارة مهزومة في كل تفاصيلها، بدءا من وضعية المرأة في الشارع اليومي وانتهاء بمكانة العلم والبحث العلمي في الجامعات.

انطلاقا من هذا الوعي النقدي الذي دشنه الحافظ، وتبناه الطالب، عملت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي في مطلع سنوات الثمانين من القرن الماضي بالمغرب، على فتح جبهات لم يكن ينتبه إليها اليسار المغربي، أو ليس بعد، بل كانت ضمن اللامفكر فيه. وكذلك استطاع اتحاد العمل النسائي، الذي أصبح أقوى تنظيم نسائي بالمغرب، أن يصنع منعطفا حاسما في تشكل الوعي النسائي المغربي خلال سنوات الثمانين والتسعين من القرن العشرين. وفعلا، بالنسبة إلى المجتمع المدني المغربي فقد كانت سنوات الثمانين تلك سنوات مجيدة بكل المقاييس.

نفس الحافظ الطويل

بعد سنوات طويلة وجهد جهيد فشل المشروع السياسي الذي بناه الطالب في المغرب مستلهما أطروحة الحافظ. أو هكذا يبدو واقع الحال. لقد كانت الدسائس والضربات أقوى من أن تُحتمل. ولنكن صرحاء، لقد خذله اليسار الذي راهن عليه، وقد انخرط جزء منه في الدولة بلا فاعلية تُذكر غير منطق الريع، وغرق جزء آخر في أوحال الشعبوية بلا أثر يرجى غير الصراخ؛ خذلته الأحزاب الكبرى التي انشغلت بالتدبير السياسي، فتسبّبت بذلك في الموت السريري للسياسة؛ ثم خذلته الدولة بعد أن راهن على آمال “العهد الجديد” التي أطلقها العاهل المغربي محمد السادس قبل أن يخفت بريق الحلم في هذه الأيام.

الحافظ يحسب له وقوفه الصارم ضد الحرب الأهلية في لبنان ورفضه جانبها الطائفي، فهو يرى أن الأقليات لا حل لها سوى بالمشروع الديمقراطي والمساواة ودولة القانون، وربما لو شهد الحرب السورية لكان له الموقف ذاته

لكن الطالب، حتى بعد هذا العمر الطويل، لا يهاب الفشل، ولا يخشى أن يعاود البدء من نقطة الصفر. لقد انضم قبل عامين إلى حزب جديد اسمه “البديل الديمقراطي”، وانتُخب بالإجماع رئيسا لمنتداه الوطني، وكان مشهد تصفيق القاعة لحظتها عارما ومعبراً. غايته لا تزال هي نفس الغاية إلى الآن، إعادة بناء المشروع المجهض من نقطة البدء؛ الإصلاح الثقافي، ودمقرطة الدولة دمقرطة المجتمع. أي نعم، إنه الابن البار لفكر الحافظ، هذا المفكر السّوري الذي ترك أثراً حاسما في الفكر السياسي التقدمي لجيل ما بعد الهزيمة، والذي قال ذات مرّة بنفس شاعري إن “الثوري الحقيقي يزرع في كل يوم لكل الرياح، لا يدري متى يأتي موسم الحصاد، لكنه يعلم بأنّ الزرع يمكث في الأرض، وأن الأرض مهما طال الأمد فإنها معطاء”.

تجرأ الحافظ وانتقد الفكر القومي، واعتبره فكراً رجعيًا، وقال إن هذا الفكر هو السبب وراء تخلّف المجتمعات العربية، وعدم قدرتها على تبنّي حركات فكرية، من شأنها أن تُغيّر من واقعها الاقتصادي والاجتماعي وتُطوّره.

استعار من الحياة اليومية تعابيره السياسية، ومن “اللبن” فواته وفصل مصله عنه، فاعتبر أن مجتمعاتنا مجتمعات “مفوّتة” لا يمكنها التقدم إلى الأمام دون ثقافة، وكثيرا ما كال أشدّ النقد إلى القيادات السياسية لجميع التيارات العربية، كاشفاً عدم قدرتها على بناء فكر حديث، وقال في إحدى مقالاته إن “الإدارات والنخب السياسية العربية لا تعرف كيف تستفيد من الإمكانات والموارد ومواقع السلطة، بل تعرف كيف تهدرها وتنهبها”.

اعتقل الحافظ في سوريا لمدة عام، وكان معه في زنزانته المناضل الفلسطيني جورج حبش، وبعد إطلاق سراحه غادر إلى بيروت عام 1968، وافتتح دار “الحقيقة” للنشر وكذلك مجلة الوحدة وجريدة الثورة العربية، ووقف ضد الحرب الأهلية في لبنان ورفض جانبها الطائفي، منتقدا مشاركة اليساريين والقوميين فيها. ورأى المفكر المولع بالمساواة أن الأقليات لا حل لها سوى بالمشروع الديمقراطي ودولة القانون، وكتب أن هذا المشروع الديمقراطي يتناقض كليا مع مشروع الهويات الطائفية والعرقية. أسس بعدها “حزب العمال الثوري العربي” وتوفي في بيروت ودفن في دمشق.

كان ياسين الحافظ يقول واصفا الواقع في زمنه، رافضا الفكر الماضوي إن “جوامعنا مكتظّة، كنائسنا مزدحمة، أطفالنا يتعلمون ما قاله ابن تيمية والسنوسي والإمام علي وبولص، أكثر مما يتعلمون الحساب والعلوم”.

13