ياسين الزغبي صاحب عزيمة يبرهن على أن الإعاقة ليست في الأجساد

الأحد 2017/08/13
حمل هموم بسطاء المصريين للرئيس وأحرج السياسيين

القاهرة - لا تخلو المجتمعات العربية من وجود فئات اعتادت بث اليأس والإحباط في النفوس، ولم تفكر في صنع الفارق، لا لأنفسها ولا لغيرها بنشر الأمل والعزيمة لمواجهة الصعاب والأزمات، ربما لأنهم اعتادوا الاعتماد على غيرهم في كل شيء، وعلى أن المبادرة بالنسبة إليهم تأتيهم دائمًا من الآخرين.

في مصر، تتّسع حاليًا دائرة السوداويين الذين يزرعون اليأس لتوظيفه بشكل سياسي، ومنهم قوى حزبية مختلفة، بل وأيضًا نواب بالبرلمان تخاذلوا عن القيام بواجبهم الخدمي تجاه الشارع، ما أفقد الناس الأمل في الأفضل لغياب الشخص القادر على أن يكون همزة الوصل بين الحاكم والمحكوم.

ساعي بريد البسطاء

الشاب المصري صاحب الساق الاصطناعية ياسين الزغبي كان همزة الوصل هذه بين الناس ورئيس الدولة فأصبح حديث الساعة في الشارع المصري، بعدما قرر أن يطوف محافظات الوجه البحري (الإسكندرية، كفر الشيخ، البحيرة، مرسى مطروح، الغربية) على دراجة بخارية يجمع شكاوى وطموحات الناس حتى يسلّمها للرئيس عبدالفتاح السيسي يدًا بيد، برغم بتر إحدى ساقيه قبل 7 سنوات ولجوئه إلى تركيب ساق اصطناعية.

خلال المؤتمر الدوري الرابع للشباب الذي عُقد بالإسكندرية على ساحل البحر المتوسط مؤخرًا، فوجئ الحضور بالمؤتمر من النخبة والسياسيين والمفكرين ونواب البرلمان ورؤساء الأحزاب وممثلي الفئات الشبابية ومعهم وزراء ومحافظون بعرض فيلم تسجيلي للشاب الزغبي وهو يتجول بدراجته في كل شوارع وقرى ونجوع المحافظات الخمس، متحديًا إعاقته، ليسأل الناس “ماذا تريدون لحياتكم، ولمدينتكم، ولوطنكم؟”.

وظهر الشاب في الفيلم يجالس الناس البسطاء وأصحاب الحرف البسيطة والفلاحين وسط حقولهم والعاملين بالمزارع السمكية، وحتى سكان المناطق الصحراوية والشباب في الشوارع، ويتبادل معهم أطراف الحديث بوجه مبتسم، ويطلب منهم كتابة شكاواهم بخط أيديهم حتى يسلّمها بنفسه إلى المسؤولين، وسط ترحيب ودود من كل الذين التقاهم.

كانت الابتسامة لا تغيب عن وجه الزغبي طوال حديثه في جولاته بالدرّاجة، وكانت هي المحفّز لدى هؤلاء للتعامل معه بشكل جاد وكأنه مندوب عن الحكومة، لشعورهم بأنه يمتلك من التحدي والمثابرة ما لا يمتلكه غيره لتحقيق وعده بتوصيل المشكلات للمسؤولين بالدولة والمساعدة في حلّها.

بعد انتهاء عرض الفيديو وصل في نفس اللحظة إلى مكتبة الإسكندرية بدراجته حيث انعقاد المؤتمر، فوقف الرئيس بنفسه على باب القاعة لاستقباله وتقبيل رأسه وسط تصفيق حاد من الحاضرين.

وقبل أن يصرّ السيسي على أن يجلس الزغبي إلى جواره مباشرة لأنه القدوة الحسنة لكل الشباب ويستحق أن يكون في مقدمة الصفوف الأمامية، قام الشاب بتسليمه كل الخطابات التي كتبها الناس بخط أيديهم وتحدثوا خلالها عن مشاكلهم ومطالبهم حتى يتدخل رئيس الدولة بنفسه لحلها. كنوع من ردّ الجميل من الرئيس لهذا الشاب والتأكيد على أن العمل البطولي الذي قام به رغم إصابته لم يذهب هباءً، تعهد له أن تستجيب الحكومة لكل الطلبات وتذلل جميع المشكلات التي كتبها الناس في الخطابات.

جلس الزغبي الذي وصف بأنه “ساعي بريد البسطاء وحامل همومهم” إلى جوار الرئيس والابتسامة تكسو وجهه لا يصدّق ما يجرى، وشعر بالخجل الشديد عندما أمسك السيسي بالميكروفون وقال له “أنت فخر لشباب مصر. كم أنا فخور بوجودك معنا الآن.. حقيقي فخور جدًا بك.. وأعدك بأن تتم الاستجابة لكل هذه الطلبات”.

هذا فقط ما كان يريده الشاب. لم يكن يريد مجدًا شخصيّا أو يصنع لنفسه اسمًا لامعًا على الساحة الاجتماعية والسياسية، فقط أراد أن يوصل رسالة للآخرين من أبناء جيله بأن الطموح والتحدي والإرادة هي السبيل الوحيد لمواجهة الإعاقة وعبور الأزمات، وأنه مهما كانت الصعاب فلا بد أن يسعى الإنسان لأجل تحقيق حلمه، والإنسان هو من يصنع فرصته، وأن الفرصة لا تصنع إنسانا.

كثير من المصريين يرون أن أسلوب التظاهر والاحتجاج لم يعد السبيل الوحيد ولا الأمثل لتوصيل الرسائل للمسؤولين، فهناك طرق أخرى أكثر جدوى وفاعلية ورقيا أصبحت تجبر الحكومة على أن تسمع وتستجيب للمطالب التي تحظى بدعم مجتمعي وتعاطف شعبي يصعب على أي مسؤول أن يغفله

بهذا الموقف، أصبح الزغبي حديث الساعة في الشارع المصري، لدرجة أن معارضين للحكومة تحدثوا على غير العادة عن مزايا مؤتمرات الشباب التي أصبحت تحتضن نماذج شبابية مشرّفة يمكن اتخاذها قدوة واعتبارها مثلًا أعلى للطموح والتحدي ومواجهة الصعاب.

ورأى كثيرون ممن تابعوه أن أسلوب التظاهر والاحتجاج لم يعد السبيل الوحيد ولا الأمثل لتوصيل الرسائل للمسؤولين، فهناك طرق أخرى أكثر جدوى وفاعلية ورقيًا أصبحت تجبر الحكومة على أن تسمع وتستجيب للمطالب التي تحظى بدعم مجتمعي وتعاطف شعبي يصعب على أيّ مسؤول أن يغفله.

صاحب البشرة السمراء يمتلك وجهًا بشوشًا يشعّ بالأمل حتى وإن صمت عن الحديث، وابتسامة مشرقة تبعث التفاؤل وتذلل الأحزان وعينين مليئتين بالتحدي، وتشعر في حركاته وطريقة سيره على الأرض بأنه يمتلك من القدرات والملكات والقوة ما لا يمتلكه غيره.

مثلما كافح الزغبي حتى يصل صوته كشاب إلى رئيس الجمهورية، تحمل ذاكرته قصة كفاح طويلة مع تحدي الإعاقة، فعندما سافر برفقة أسرته إلى قضاء الإجازة الصيفية بأحد شواطئ مدينة شرم الشيخ على البحر الأحمر في عام 2011، حيث كان يجيد وقتها السباحة والملاكمة وحصد الكثير من الجوائز المحليّة، صدمه أحد الزوارق السريعة داخل المياه نتيجة تهور سائقه.

بتروا له ساقه

عاد الزغبي من شاطئ البحر إلى مستشفى معهد ناصر بالقاهرة وأبلغ الأطباء أسرته بأنه لا مفر من بتر ساقه اليسرى لضمان بقائه على قيد الحياة، فرفضت الأسرة ذلك الطلب في بادئ الأمر وأصرّت على سفره إلى خارج البلاد لعلاجه بمستشفى في ألمانيا، وهناك صدمهم نفس الرد بأنه لا بديل عن بتر ساقه، حتى رضخت أسرته وعاد الزغبي من ألمانيا بساق واحدة.

قال الزغبي (17عامًا) عن ذلك في حوارات صحافية له “صدمت لدقائق قليلة، ثم ابتسمت واستجبت للقدر، وكان لدّي إصرار غير مسبوق على تحدي الإعاقة حتى لا يعاملني أحد باعتباري معاقًا، وتحدّيت كل الصعاب لأكون شخصًا ذا قوام جسدي مكتمل، فأنا لا أعترف بالإعاقة”.

عُرف عن هذا الشاب طوال السنوات التي أعقبت بتر ساقه أنه شخصية طموحة لأبعد الحدود، ويقاتل من أجل أحلامه، ويمتلك من الإرادة والعزيمة ما يؤهله لذلك، فلم ييأس أو يصب بعقد نفسية أو تتوقف حياته بل اتخذ من الإصابة حافزًا ليبث في غيره من الشباب شعاع الأمل ونبذ اليأس والإحباط.

الزغبي بنظراته المتحدية لم يعط الفرصة لأحد أن يعلق على ساقه الاصطناعية

آثر تركيب ساقٍ اصطناعية وممارسة رياضة ركوب الدراجات، اعتاد أن يتخذ من الابتسامة الدائمة سلاحًا لمواجهة كل من ينظر إليه بصورة الشاب المعاق ذي الساق الواحدة، وبهذه الابتسامة التي تكسو وجهه طوال الوقت، وفي أيّ مكان وزمان، استطاع تحدي نفسه لدرجة أنه شارك في مسابقات عديدة من بينها سباق الدراجات لمسافات طويلة وقفز الحواجز المنخفضة.

العبور إلى المستحيل

بنظرات التحدي وابتسامات الوجه، لم يعط الفرصة لأحد أن يعلّق على ساقه الاصطناعية التي لا يسعى لإخفائها، فهي لا تمثل له سوى مجرد وسيلة لاستمرار الحياة والتحرك بشكل طبيعي، لذلك فهي لا تعيقه عن الخروج في جولات أسبوعية لركوب الدراجات بصحبة فريق “جي بي آي” الذي يدين له بالكثير من الفضل، لأنه من وقف بجانبه وشجعه على مواصلة حياته بشكل طبيعي ودمجه ضمن أعضاء الفريق.

كثيرًا ما قال عنه أعضاء هذا الفريق إن الزغبي بالنسبة إليهم مثال حيّ للإرادة والتحدي الطموح وتذليل العقبات، ومثل يحتذى به في القفز على هموم الحياة وتجاوزها إلى المستحيل، وربما إلى ما هو أبعد من المستحيل، بالاندماج في المجتمع غير مبالٍ بما أصابه ولازمه طوال حياته.

الزغبي شخصية متفائلة لأبعد الحدود، ويحمل في روحه حبًا للحياة وعزيمة على مواجهة الصعاب ربما لا يحملها كثيرون ممن يمتلكون كل المقومات الجسدية، ودائمًا ما يصر على إظهار ذلك، بنبرات صوت ثابتة وشعور دائم بالرضا.

وأكثر ما يثير غضبه أن يصفه أحد بـ”المعاق”، لأنه ينظر إلى نفسه بعكس ذلك، ويرى أن الإعاقة في الذهن والعقل والتفكير وليست في القوام الجسدي للإنسان، فهناك أصحاء كثيرون لم يفقدوا أيّ عضو من أجسادهم ومع هذا فإن وجودهم على قيد الحياة مثل عدمه، حيث لم يقدّموا لأنفسهم أو لغيرهم أيّ شيء يثبت وجودهم وأهميتهم، ودائمًا ما ييأسون من الخطوة الأولى ولا يكملون طريقهم نحو تحقيق أحلامهم.

يقول عن ذلك “لم أتمن شيئًا في حياتي إلا وحققته، فكيف أكون معاقًا؟.. أنا لم أحقق أحلامي في ممارسة حياتي بشكل طبيعي وأمارس هواياتي في الرياضة والقفز وركوب الدراجة بمساعدة أحد، وإنما فعلت كل ذلك بنفسي وبمجهوداتي. الإعاقة الحقيقية عند من امتلكوا كل شيء ولم يفعلوا أيّ شيء. الإعاقة أن تكون بيدك مقومات النجاح وإسعاد الآخرين ولا تفعل ذلك”، وكان بذلك يشير إلى قيامه بنقل هموم البسطاء للرئيس.

ورطة الأحزاب

يمكن النظر إليه على أنه الشاب الذي تسبّب في حرج بالغ للأحزاب السياسية ونواب البرلمان ومنظمات المجتمع المدني أمام الرأي العام، فهو الذي فعل ما لم تفعله كل هذه الجهات تجاه البسطاء في المحافظات التي تجوّل بها على دراجته ليسمع شكاوى الناس ويساهم في حلّها بأيّ وسيلة كانت، حتى تكلل مجهوده بالنجاح.

هذه الجهات المنوط بها التقارب مع الناس في الشارع ونقل معاناتهم والمحاربة لأجل أن ينالوا حياة كريمة لم تفعل شيئًا، ولم تنزل إلى الأرض وتتقرّب من الناس وحياتهم ليقدموا القدوة ويكونوا هم أملهم في حياة مثالية.

جاء الزغبي وقام هو بهذا الدور، وجمع مشكلات بالجملة تتعلق بعدم توصيل المرافق من مياه الشرب والصرف الصحي فضلا عن تدني الخدمات الصحية بالمستشفيات وعدم الاهتمام بالتعليم وانتشار القمامة بالشوارع.

كان مما زاد من الحرج للنخبة من السياسيين والبرلمانيين ورجال الإعلام، والذين من المفترض قيامهم بدور الوسيط بين الشارع والحكومة، أن الرئيس السيسي وجّه شريف إسماعيل رئيس الوزراء إلى تشكيل لجنة عاجلة من مختلف المسؤولين للبت في الشكاوى التي استلمها من الزغبي خلال المؤتمر، والاستجابة لها جميعها في غضون أيام قليلة، مع موافاته بتقرير كامل عن ذلك.

البعض رأوا في الأمر نوعًا من التوظيف السياسي باستثمار شعبية الزغبي الشاب لتحقيق التقارب مع الشباب والاستماع إليهم، لكن النتيجة التي ظهرت للجميع هي أن التجاوب السريع من جانب الرئيس يعكس توجهًا حقيقيًا للدولة نحو الاستفادة من الإمكانيات الشبابية لتكون إحدى الركائز الأساسية للبناء، وأن هناك نوايا طيبة من الرئيس المصري نحو تعظيم دور الشباب خلال المرحلة المقبلة.

سياسييو مصر وبرلمانيوها يستشعرون الحرج بعد أن وجه السيسي رئيس الوزراء لتشكيل لجنة عاجلة للبت في الشكاوى التي استلمها من الزغبي

رسائل من الرئيس

لعل ما يفنّد عدم التوظيف السياسي لحالة الزغبي أن السيسي يختار الشباب البارزين في المجتمع من أصحاب القدوة الحسنة ليجلسوا إلى جواره في اللقاءات الشبابية التي يعقدها بشكل دوري، حيث جلست بجانبه في المؤتمر الأخير الطالبة مريم فتح الباب المعروفة باسم “ابنة حارس العمارة”، وهي التي تفوقت في الثانوية العامة بمجموع متميز وكانت من أوائل الجمهورية برغم الظروف المادية السيئة لأسرتها وكيف استطاعت التفوق وهي تعيش داخل غرفة واحدة مع أسرتها أسفل العمارة السكنية.

في المؤتمر الشبابي السابق الذي عقد بمدينة الإسماعيلية قبل 3 أشهر، كانت منى السيد المعروفة بـ”فتاة العربة” ضيف شرف المؤتمر، وهي التي انتشرت صورة لها على مواقع التواصل الاجتماعي وهي تجرّ عربة بضائع في الشارع لتنفق على أسرتها حتى التقاها السيسي بقصر الاتحادية الرئاسي وكلّف وزارة الإسكان بتوفير وحدة سكنية مجانية لها، وقام بالتبرع بشراء سيارة نقل لها من ماله الخاص لتكون بديلًا عن العربة التي تجرّها.

لأن السيسي دائمًا ما يتحدث عن الصبر والطموح وتحدي الصعاب في مواجهة الأزمات، يبدو أنه رأى في وجود الشاب ياسين الزغبي مثالًا حيّا لتأكيد رسائله التي لا يتوقف عن إرسالها للناس، ووجد أن حضور مثل هذا الشاب في المؤتمر سوف يكون رسالة قوية وواقعية للمتخاذلين ودعاة بث الإحباط واليأس والفشل في نفوس الناس، وهي الدعوات التي طالما أفصح السيسي مرارًا عن خشيته الشديدة منها في أن تتسبب في قتل عزيمة المصريين.

الزغبي، ولأنه أراد أن يكون “الملهم” لغيره ممن يحملون نفس إصابته وباعث الصبر والمثابرة والتحدي في نفوس الآخرين، كانت مكافأته من الحكومة أن وضعته في مقدمة المنضمين لمبادرة “شوف بطل”، التي سوف يزور أعضاؤها رجال القوات المسلحة والشرطة ممن أصيبوا في المواجهات مع الإرهابيين حتى تكون ابتسامته وقوة عزيمته باعثة لروح الأمل والتحدي داخلهم مهما بلغت إصابتهم.

والآن، هو في طريقه للالتحاق بكلية الحقوق، إذ يتمنى أن يكون محاميًا وقانونيًا يدافع عن حقوق المعاقين في بلاده والتي يراها ضائعة، بداية من نظرات الناس وتعامل المجتمع معهم، وليس انتهاءً بالقوانين التي لم تعطهم حتى اليوم أبسط حقوقهم، سواء حقهم في العمل بموجب قانون الـ”5 بالمئة”، الذي ينص على توظيف خمسة بالمئة من إجمالي العاملين بالمؤسسة الحكومية من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو حقهم في مواصلات وشوارع تسمح لهم بحرية الحركة، أو حتى شعورهم بالثقة في أنفسهم.

9