ياسين بقوش كوميدي مثّل حياة البسطاء وضاع دمه في دمشق الحرائق

الأحد 2014/11/30
الليبي السوري ياسين بقوش بعد أن أصبح السوريون جميعا "ياسينو"

روى الممثل الليبي ـ السوري الشهير ياسين بقوش في فيديو تم توزيعه بعد مقتله على يد جنود بشار الأسد على أحد الحواجز، قرب بيته في منقطة القدم الأشرف جنوب دمشق: “تردّدت كثيراً في قبول دور ياسينو في مسلسل حمام الهنا للمخرج الكبير فيصل الياسري، وكنت مشغولاً بمسرح الشوك الذي أسسناه لانتقاد الواقع، فاستدعاني الأستاذ نهاد قلعي رحمه الله وكان كاتب المسلسل ومخترع الشخصيات، وقال لي: (هذا المسلسل يقصد ترميز الواقع، فياسينو في المسلسل هو الإنسان العربي البسيط، أي الجماهير، أما حسني البورزان فهو الأحزاب والنخبة المثقفة العربية النظرية، وغوار الطوشة يمثّل الاستغلال، أما أبو عنتر فهو عضلات الاستغلال، وفطوم حيص بيص هي الأرض العربية المخطوفة) وحين سمعت هذا الكلام وافقت على الفور على أداء الدور”، ذلك الدور الذي التصق بياسين بقوش، والتصق هو به، كأنه كان نبوءة الفنان القدير نهاد قلعي، وقد أصبحت الشعوب اليوم، وبالأخص السوريون، حالة معممة لياسينو، يوم كانت تلك الأعمال معبّرة بحق عن المجتمعات العربية أكثر من المسلسلات الكاريكاتورية الحالية، كـ “باب الحارة” وغيره.

في منتصف العام 2008، وأثناء زيارتي لأحد الأصدقاء المعتقلين المحولين من فرع الأمن السياسي إلى سجن عدرا الدمشقي، لفت انتباهي أحد الوجوه وراء السياج المعدني بين وجوه المحابيس، لم يكن ذلك الوجه غريباً عني أبداً.

قلت لصديقي: “كـأني أعرف هذا الرجل” فابتسم وأجاب: “ومن لا يعرف ياسينو؟ اعتقلته أجهزة الأمن على خلفية حادث بين سيارته وسيارة أحد المرتبطين بالأمن السوري بتهمة “سب النظام وشتمه”.


الموت والجنازة


ياسين بقوش هو رمز ومثال الإنسان البسيط والوجه البشوش، صوّر في كل أدواره بفكاهة وسخرية مريرة واقع وأوضاع الحياة الشعبية السورية والعربية وأحوال الشعب الكادح المسحوق، الذي يئن تحت سياط القهر والظلم والبؤس والاضطهاد الطبقي، في سوريا أحياناً وفي الوطن العربي على وجه العموم.

عانى ياسين بقوش البسيط والطيب من تهميش حيتان الفن الدرامي وعلى رأسهم دريد لحام، وقبل انتفاضة الشعب السوري بسنوات اعتقلته أجهزة الأمن على خلفية حادث تصادم بين سيارته وسيارة أحد المرتبطين بالمخابرات بتهمة "سب النظام وشتمه"

إن ما يحز في النفس ويثير الأسى والشجن والحسرة والغضب هو غياب فناني سوريا الكبار وتخلفهم عن المشاركة في جنازة هذا الفنان الكوميدي العظيم، الذي أدى دوراً مهماً في الحياة المسرحية والفنية السورية والعربية، وساهم في تأسيس الدراما السورية وتطويرها والارتقاء بالفن الشعبي الحقيقي، الفن الواقعي المنحاز دائماً وأبداً لجموع الفقراء والمعذبين والمسحوقين والمستضعفين الحالمين بالغد الأجمل والمستقبل الرغيد الزاهر، مستقبل الفرح والحياة والسعادة والكرامة والحرية، فلم يودعوه، ولم يؤبنوه.

ياسين بقوش يستحق منا الوفاء والحب والتقدير لفنه المسرحي ودوره وشخصيته وإنسانيته وطيبته ونبله وصدقه وتواضعه ولطفه وهدوئه وسذاجته، ولم نتوقع يوماً بأن تكون نهايته تراجيدية ومأساوية، واغتياله بقذيفة استهدفت سيارته، وهو الذي كان يضحكنا وينسينا همومنا وعذاباتنا وآلامنا، وفي الوقت نفسه كان يبكينا. وسيبقى في العقل والوجدان الشعبي، ويخلد في ذاكرة الفن والأجيال.


الساذج العميق


ياسين بقوش، أو “ياسينو” كما كان يحب أن يناديه الناس، الممثل الأقرب للطبقة المتوسطة والفقيرة على اعتبار أنه اعتاد لعب دور الساذج دائماً، وهو ما أفاض الحزن عليه وأعاد إلى الأذهان شخصية المواطن السوري الدرويش والمسكين والمخدوع دائماً، كان قريباً من كل الناس، وكان بسيطاً جداً كأدواره التي مثلها في الدراما السورية الأولى زمنياً وإبداعياً، فلا يمكن لأي سوري عاش ضمن العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين أن تغيب عن ذهنه صورة ذلك الشاب النحيل صاحب الشروال الفضفاض وقبعة الصوف وقبقاب الحمام الذي لازمه خلال مسلسلات “صح النوم” و”ملح وسكر” و”حمام الهنا” برفقة الفنانين المرحومين نهاد قلعي “حسني البورزان” وناجي جبر “أبو عنتر”، و”غوار الطوشة” دريد لحام، ورفيق سبيعي “أبو صياح” ونجاح حفيظ “فطوم حيص بيص” التي دائماً ما يناديها (معلمتي) كلما رآها، وهو الدور الذي لعبته كمالكة ومديرة لفندق صح النوم الذي يعمل فيه ياسينو.

غاب فنانو سوريا عن جنازة ياسين بقوش لأنه كان ضد القتل، ممثلا لجموع الفقراء والمعذبين والمسحوقين والمستضعفين الحالمين بالغد الأجمل والمستقبل الرغيد الزاهر، مستقبل الفرح والحياة والسعادة والكرامة والحرية، فلم يودعوه، ولم يؤبنوه


الغوغاء


قال ياسين بقوش مرة: “شخصية ياسينو لم تزعجني، بل حمتني من الغوغاء، حين يناديني الناس في الشارع بياسينو فلن أغضب، فهذا اسمي، وشخصية ياسينو محببة لدى الجمهور”، يعتبر ياسين بقوش صورة جميلة وبريئة من صور الطفولة والصبا، بشخصيته الطيبة “الدرويشة”، وبلقبه المحبب “ياسينو”، وهو عاجز الحيلة مع مقالب غوار الطوشة، وقسوة أبي عنتر، زين الشباب وقبضاي الحارة.

الدراما السورية مع ما حدث لها من طفرة كبيرة في السنوات الأخيرة، تخلت عنه، إلا بظهوره في عملين دراميين بسيطين هما “ياسين تورز” و”ياسين في المطبخ” وكذلك في دور ثانوي في المسلسل التاريخي “سيف بن ذي يزن” حيث أظهروه بدور حاخام يهودي، واقتصرت أعماله على المسرح التجاري في مختلف المدن السورية، كذلك لم يعد ذلك المخضرم يجد له مكانًا في الفن السابع، فتعرض ياسين بقوش لتغييب متعمد، سبق أن تجرعه عملاق الدراما السورية وابن الجيل نفسه نهاد قلعي، على يد شللية فنية تسعى لاحتكار الفن، وتخشى من كل فنان حقيقي.


زوارة الأهل


معظم الناس لا يعلمون بأن ياسين بقوش ليس سورياً، فنسب بقوش المولود عام 1938 يعود إلى ليبيا، من قرية زوارة الحدودية بين ليبيا وتونس، فجده من هناك، كان قد مرض في رحلة الحج، فتركه رفاقه هناك حيث قدم بعدها إلى دمشق وبقي فيها ولم يتابع السفر بسبب البعد ووضع البلاد في بداية الحرب العالمية الثانية، وكانت وسيلة النقل آنذاك هي الدواب والجمال فتزوج من الشام وأنجب والد ياسينو، وكان التلفزيون صلة وصله بعائلته الليبية، حيث شاهدته عمته شقيقة أبيه من زوجة جده الليبية وراسلته، فاجتمع شمل العائلة في دمشق عام 1976.

بعد خروجه من سجن عدرا سيئ الصيت، وهو في سن السبعين، اعتزل تماماً العمل المسرحي التجاري الذي كان يعيله، بسبب ما عاناه من ضيق نفسي ومراقبة أمنية وصار نادراً ما يظهر على الملأ حتى وافته المنية بعد مرور عامين على بداية الثورة في سوريا، حيث استهدفت سيارته عناصر النظام بقذيفة (آر بي جي) بعد مروره بالقرب من أحد حواجزه متوجهاً إلى منزله في حي العسالي الدمشقي بالقرب من مخيم اليرموك المحاصر من قبل النظام السوري الذي رصده وهو يقف بسيارته بجانب بعض عناصر الجيش الحر في المنطقة المشتعلة ويقوم بأداء السلام عليهم. وهنا، جاء الأمر باستهدافه من قبل ضابط الحاجز قائلاً: “إجانا أمر من الفرع باستهدافو المرة الجاية بس يمر من هون لأنو بزمانو سبّو لسيادة الرئيس” كان ذلك آخر اعتراف لجندي منشق التقيته قبل هروبه من تركيا إلى اليونان.

قال ياسين بقوش مرة: "شخصية ياسينو لم تزعجني، بل حمتني من الغوغاء، حين يناديني الناس في الشارع بياسينو فلن أغضب، فهذا اسمي، وشخصية ياسينو محببة لدى الجمهور"


الهلال الأحمر يتسلم ياسينو


بعد مقتله في 24 شباط ـ فبراير من العام 2013 سلّم الجيش الحر الذي عثر عليه، جثمانه إلى منظمة الهلال الأحمر ثم إلى مشفى المواساة في المزة ليوارى جسده في مقبرة “التغالبة” بحي الصالحية بعد أن صلّي عليه في جامع الشيخ محي الدين بن عربي.

قالوا عنه: “كان طيبا حتى في حياته الحقيقية، وهو علامة من علامات القوة السورية الناعمة، المتجسدة في الفن والثقافة والشعر، فمن منا ينسى نزار قباني ومحمد الماغوط وطلحت حمدي، ومنى واصف، وفهد بلان، ومن منا يجحد فضل وعلم وأدب، محمد كرد علي، ورضا كحالة، وعلي الطنطاوي، وسليم الجندي وغيرهم”.

إنه ياسين بقوش، الفنان الذي أضحى يمثل مجمل الشعب السوري، الدمشقيون الذين ضمّوا وحضنوا كل فقير تكفيه شطيرة فلافل أو صحن “مسبّحة” أو قرص “معروك”، الحمصيون الذين يُشبعون الغريب بالنكتة والسخرية من الواقع العسكري الذي أحاط بهم منذ انقلاب حافظ الأسد في سنة السبعين إلى تسليم المدينة، الحوارنة الذين ذبحهم النظام منذ محمود الزعبي إلى الجوابرة والمسالمة أوائل شهداء الثورة. الرقيون والديريون الذين أهداهم لداعش. البلد التي منحها لإيران وحزب الله. طائفته التي ضحّى بها كرما لمؤامرته الكونية.

الشعب الذي لن ينسى أن يخبر أبناءه في المنافي كيف قُتل وشرّد ودُمّرت بيوته وهجّر وذلّ في بلاد كان يحسبها طيلة 40 عاما عدوة للشعب السوري، وبعضها كذلك. ياسين بقوش كان يشعرنا بذاتنا دون أن نشعر ودون أن يشعر كاتب شخصيته أو مخرجها، الياسري وخلدون المالح ونهاد قلعي والماغوط. يبدو أن ياسينو الآن قد حقّق نجوميته الكبرى، حين صار الشعب كلّه ياسينو.
9