ياسين عدنان: لا أحد يستطيع تحريم حساء الحلزون في مراكش

أولى الأدب العربي اهتماما خاصا للمدينة العربية بوصفها كتلة من العوالم المختلفة، حيث شكَّلت الحارة والزقاق والساحة والميدان والشارع والمقهى وغيرها، فضاء أثيرا لأعمال روائية عديدة، إلا أنَّ العالم الافتراضي الذي يدور في أروقة شبكة الإنترنت لا يزالُ بِكرا لم يقع بعد استعماله عربيا كعالم أدبي، هذا العالم الذي مثّل حياة أخرى تناولتها رواية “هوت ماروك” للكاتب والشاعر المغربي ياسين عدنان، الذي استضافته “العرب” بمناسبة صدور الرواية فكان هذا الحوار.
السبت 2016/07/09
الوجه الخفي للمجتمع

ياسين عدنان شاعر وكاتب وإعلامي مغربي، ولد في مدينة آسفي عام 1970، اشتهر بتقديم برنامجه التلفزيوني الأسبوعي “مشارف” على القناة المغربية، وصدرت له العديد من الأعمال الأدبية المتنوعة بين الشعر والقصة والرواية، أبرزها “لا أكاد أرى”، “رصيف القيامة”، “دفتر العابر”، “فرح البنات بالمطر الخفيف”، وروايته الصادرة مؤخرا “هوت ماروك” التي اشتغل عليها ما يقارب خمس سنوات.

إشكالية رواية ياسين عدنان تبدأ من عنوانها الذي اختاره الكاتب، “هوت ماروك” أو “المغرب الساخن”، عن هذا يقول ضيفنا إنه أراد تسجيل الاختلال بداية من العنوان الذي يجمع كلمتين إحداهما إنكليزية والثانية فرنسية، وهذا التداخل جاء من قناعته أنّ الرّائج اليوم هو التّهجين والتّلفيق، فكانت النتيجة صرخة في العمق لفضح هذه التركيبة القائمة على التضليل وخلط الأوراق.

تقييد النص

المقطع العرضي الذي قدّمه عدنان عن المجتمع المغربي مؤلم، بعنوان “الدولة والحياة الاجتماعية”، وهنا أسأله عن سبب تقييد النص بالمكان رغم إمكانية تركِه مفتوحا على الفضاء العربي ككل، ليقول إنه لا يمكن للكاتب أن يكتب عن العالم هكذا بإطلاق، بل يحتاج دائما إلى منطلق للحكي، إلى فضاء يعرفه جيدا لينطلق منه، رغم أن تحوّلات المدينة كما رصدتها “هوت ماروك” في مراكش شبيهة بالتحوّلات التي تعيشها مدن عربية أخرى، لكنَّه فضّل الكتابة عن مدينة يعرفها على أن يقوم القارئ ببناء المدينة الموازية الخاصة به بتقاطعاتها مع مراكش.

رغم واقعية وافتراضية الحدث في المكان، إلا أن الزمان في "هوت ماروك" كان مفتوحا على الماضي والحاضر
تلك التقاطعات التي يراها ضيفنا تتنوع بين فوضى الشوارع، اغتيال الأشجار، احتلال الملك العمومي من طرف الباعة المتجولين، ترييف المدن، وغيرها من مظاهر الفوضى التي تعكس مآزق أكثر تعقيدا يتخبّط فيها المجتمع. ليكشِف عدنان أنَّه لم يكن معنيا بشكل مباشر في الرواية بتشريح هذه الظواهر وتحليلها، بقدر ما انصرف إلى التقاط المفارقات وبناء الحبكة الدرامية في فضاء روائي تحكمه هذه الظواهر، مع الحفاظ على نبرة احتجاج على هذه الفوضى العامة. هذا الاحتجاج الذي لا يضعه ضيفنا في قالب ترديد شعارات الإدانة بقدر ما كان معنيّا بتسليط الضوء على المفارقات الموجعة والاختلالات المضحكة المبكية التي ترهن الحياة في المدينة العربية.

أسرار الرواية

حديث ياسين عدنان عن الفضاء الروائي، يقودني إلى سؤاله عن المكان في “هوت ماروك” الذي ينزاح بديناميكية غريبة بين عالَمين، تبعا لعلاقة الأجيال المتعاقبة عليه وتأثيراتها فيه، ليقول إن الرواية تنقلت في الواقع بين أمكنة عديدة بدءا ببادية عبدة التي هاجر منها آل العوينة باتجاه مراكش خلال سنوات الجفاف الذي عصف بالبوادي المغربية في ثمانينات القرن الماضي، إلى عشوائيات “عين إيطي” حيث استقر هؤلاء اللاجئون الاقتصاديون في “أحياء” بئيسة مرتجلة تفتقر إلى أبسط التجهيزات والخدمات الصحية وعلى رأسها المرحاض. هناك سيشتغل الأب مقرئا للقرآن في المقبرة المجاورة لحيّهم العشوائي. بعدها سننتقل مع آل العوينة للسكن في قلب مراكش العتيقة، في حيّ من أحيائها القديمة ذات المباني المتداعية الآيلة للسقوط.

ما إن تزوج الابن رحّال وعثر على وظيفة هو وزوجته حتى غادرا المدينة العتيقة باتجاه عمارات حيّ المسيرة الجديد، لنكتشف معهما كيف تتعرض حتى أحياء الطبقة الوسطى الحديثة للتّرييف. والرواية بهذا المعنى -والحديث لضيفنا- محاولة للدفاع عن المدينة العربية ضد ما تتعرّض له من قتل. إنه دفاع عن مدينتِه مراكش التي تبقى من أجمل الحواضر العربية اليوم كما يصفها، الدفاع عنها ضد أعداء المجال الحضري وأعداء التمدن الذين قد يكونون، يا للمفارقة، هم المسؤولون عن تسييرها بحسب ضيفنا.

الروائي موزّع بين شخوص رواياته حيث يبث في كل منها البعض من روحه

يلتقط هنا ياسين عدنان مشهد اغتيال الأشجار في مراكش التي كان القدامى يسمّونها “الحاضرة البُستان”، يصفه بالاغتيال الهمجي الشرس الذي نفذه بدم بارد مسؤولو المدينة الذين انتخبناهم ليدبِّروا شؤونها. في هذه المشهدية يرى أن المراوحة الأهم بالنسبة إلى المكان تلك التي تتم بين فضاءين موازيين الفضاء الواقعي والفضاء الافتراضي.

بين الواقع والافتراض

حديث ضيفنا عن الواقع والافتراض، يقودنا إلى التفكير في شخصيات النص التي ترتبط بقرين حيواني قد يكون “هلاميا” غير موجود إلا في الخيال. فازدواجية النمو للشخصية الواحدة في فضاء السرد أحالَتها إلى هوية غير مُستَقِرة. نسأله هنا عن إحساسِهِ أثناء الكتابة مع يقينه أنه يطرق بابا سيفتحُ عليه أبواب المواجهات مع مختلف الطبقات الاجتماعية في المدينة، ليقول إنَّ الأمر يتعلق ببساطة بنوع من التنقل الطريف بين البشر والحيوان في رواية لكلٍّ من شخصياتها الأساسية قرينٌ حيواني، إنها “كوميديا حيوانية” أبطالها أناس من لحم ودم ومشاعر وأحقاد. الشخصية المركزية مثلا، رحّال العوينة، لم يكن يفهم لماذا يشبِّهه البعض بالقرد، ولا كيف ينعته آخرون بالجرذ. رحّال يجد نفسه أقرب إلى السنجاب منه إلى أيِّ حيوان آخر.

هذا التنقل بين ملامح البشر ونظيراتها عند الحيوانات كان لعبة انخرط فيها رحّال العوينة باستمتاع بادئا بنفسه وبالمقرّبين من أسرته. فهو سنجاب، وزوجته قنفذة، وأمه بجعة، ووالده سرعوف. والسارد استقوى بالحيوانات لبناء شخصيات واضحة الملامح لعموم القراء، فجاءت شخصية رحّال العوينة مُركَّبة كأغلب أبطال الحكاية، تتقاطعُ مع الواقع في رفض الأشياء في العلن والتصالح معها في السر مثلا. ومن هذه النقطة، انطلق السارد للاشتغال على شخصية رحّال العوينة. فهو شخص ضئيل البنية، ضعيف الشخصية، خامل الذكر، جبان رعديد في الواقع، لكنه يصير جبّارا حينما يتخفّى وراء أسمائه المستعارة على شبكة الإنترنت ويجد متعة خالصة في إيذاء الناس والافتراء عليهم وتلطيخ سمعتهم والنيل منهم. وهذا النموذج -يتابع ضيفنا- موجود في الواقع وأشباهه يملؤون الرّحاب الإلكترونية حيث يتفنّنون في تسميم الأجواء في مواقع التواصل الاجتماعي وفي المنتديات الإلكترونية.

عين ثالثة

يمارس ياسين عدنان لعبة السرد من داخل المجتمع، وكأنه يراه بعين ثالثة منفصلة عن مجتمعه. نسأله هنا كيف استطاع التملّص من ترتيبات المحظور في الطرح عند الرقيب أمام “جدليّة” ما تمّ طرحه عن المجتمع الراكد، ليقول “إنَّ ‘هوت ماروك’ لم يكن لها أي ولع في الاجتراء على التابوهات بشكل مجاني. ففي الجانب السياسي مثلا حاولت الرواية تشريح المشهد الحزبي في المغرب دون شعارات، بل بطريقة ساخرة تعتمد على المرارة في الطرح”.

جاءت السخرية بقالب “المضحك المبكي”، حيث لا أحد يهتمّ بأسماء الأحزاب ليدقّق في خلفياتها الفكرية والأيديولوجية، الكلّ في الرواية ينادي الأحزاب برموزها، الأخطبوط والنّاقة والحصان والنّملة والبلشون والمكنسة والطائرة والفأس والشمعدان. هذه الرمزية بلغت ذروتها في الفصل الثالث “الكوميديا الحيوانية” حينما انطلقت الحملة الانتخابية بمعركة الحلزون التي انخرط فيها حزب الأخطبوط الليبرالي ضد حزب الناقة الإسلامي، والتي اندلعت بسبب فتوى تحريم أكل الحلزون التي استصدرها حزب الناقة، مما خلق فتنة حقيقية داخل المجتمع المغربي الذي يعتبر حساء الحلزون أحد أطباقه الأكثر شعبية.

ديناميكية غريبة بين عالَمين

رغم واقعية وافتراضية الحدث في المكان، إلا أنّ الزمان في “هوت ماروك” كان مفتوحا، حيث يبدو جليّا أن الكاتب ارتكز على ذاكرته الشخصية لتدارك المسافة الفاصلة بين الماضي والحاضر.

ونتحدث مع ضيفنا عن ثيمة البحث في الواقع والخيال ضمن فضاء الكاتب ياسين عدنان الحقيقي، ليقول إنَّ الروائي موزّع بين شخوص رواياته حيث يبث في كل منها البعض من روحه، أما التماهي التام والمطلق بين الكاتب والشخصية فمجاله هو السيرة الذاتية، ليقر ضيفنا بأنَّ ذاكرته الشخصية وذاكرة المدينة الجمعية كانتا أساسيتين في الكتابة.

بعيدا عن الشعر

“هوت ماروك” أتت بعيدة عن الحالة الشعرية في السرد أو التجريب في القص السردي ضمن بنية الرواية الأدبية. نسألُ ضيفنا هنا عن اشتغاله على البنية الروائية من الداخل في النص، ليقول إنَّهُ كان حريصا منذ البداية على ألا يتسرّب للرواية أيّ هذيان شعري من ذلك النوع الذي يمتدّ لفقرات وأحيانا لفصول كاملة في روايات بعض المهووسين بشعرنة اللغة الروائية من الشعراء وغير الشعراء.

بالمقابل، كان عدنان معنيّا بحكاية رحّال العوينة وباقي الشخصيات التي تحيط به. معنيّا بالحدث والشخصية وإيقاع السرد أكثر مما كان مهووسا باللغة، ذلك الإيقاع الذي برز في مستويات عدة -كما يراه ياسين عدنان- تجلّى أبرزها في تعدد وتنوع سجِلَّاتها اللغوية من لغة الحوار اليومي الحيّ إلى اللغة الراقية الرفيعة إلى اللغة السوقية الوضيعة، والعبرة بالقدرة على صهر هذه اللغات لتتفاعل داخل النص الروائي بشكل خلاق يضعنا أمام سرد حيّ له شعريته، لكن هذه الشعرية تحققها عناصر أخرى سردية، ليست اللغة أهمّها بكل تأكيد.

15