"يالطا 2" لما بعد حرب سوريا العالمية ضد الإرهاب

الخميس 2017/10/19

يذكّر السباق السوري المحموم لحسم المعارك في جبهات مختلفة ضد تنظيم داعش، بسباق قوات الحلف الغربي والجيش الأحمر على طرفي ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية، بهدف كسب أكثر ما يمكن من المدن والأراضي، الأمر الذي يطرح أسئلة مماثلة بشأن مستقبل سوريا في حال وضعت الحرب أوزارها.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية اتضح جليا للعالم أن مطامح المنتصرين لم تكن مجرد الانتقام من هتلر وتحرير ألمانيا من الحكم النازي بقدر ما كان الهدف إعادة رسم خارطة أوروبا بالكامل وتقسيم مناطق النفوذ تنفيذا لتفاهمات مؤتمر يالطا الذي سبق نهاية الحرب، بدءا من داخل ألمانيا نفسها.

واليوم لا تزال أوروبا تدفع تباعا ثمن تلك التقسيمات السياسية والعرقية سواء في منطقة البلقان أو في جيوب أخرى تطمح إلى الانفصال والاستقلال.

وفي الشرق الأوسط قد تبيت الحرب السورية على فصل جديد من التقسيم. فمع سقوط مدينة الرقة المعقل الرئيسي لتنظيم داعش والعاصمة الرمزية لما كان يسمى بالخلافة قبل سنوات بيد قوات سوريا الديمقراطية، فإن الحديث عن مستقبل البلد المدمر وملامح الخارطة السياسية لما بعد التحرير الكامل يزداد غموضا وتعقيدا.

فحتى الآن لم ترشح اللقاءات التي عقدت سواء في جنيف أو أستانا بأي اتفاق سياسي بخلاف الالتزام المشترك بطرد داعش، ويبقي هذا الوضع المعلق ضمنيا على فرضية تأجيل المواجهة العسكرية التالية بين المعارضة والنظام إلى مرحلة لاحقة.

من مصلحة المجتمع الدولي أن يربح سوريا الآن بأقل حد ممكن من الخسائر الدولية بدل أن يخسر كل الشرق الأوسط ومعه أمن العالم

ومع أن لا أحد يتحدث علنا عن تلك المواجهة المؤجلة الآن، إلا أن حالة التحفظ التي تبديها المعارضة والنظام معا بالتوازي مع السباق العسكري من الجانبين لدعم النفوذ والتواجد على الأرض، تعكس رغبة كل طرف لدخول الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف المقررة في نوفمبر القادم من موقع قوة.

على مدار الأشهر الأخيرة كسب النظام السوري دفعة معنوية هامة بتحقيقه مكاسب ميدانية حاسمة مع دخوله المناطق الغربية بدير الزور ومدينة الميادين وقبلها استعادة ثاني مدينة في البلاد حلب، غير أنه لا يزال يواجه تحديا لبسط سلطته على أغلب أراضي البلاد بجيش منهك ومشتت.

ويفترض كذلك أن يضاعف النصر العسكري في دير الزور على يد قوات سوريا الديمقراطية من تلك التحديات. كما من شأنه أيضا أن يرفع سقف التوقعات على طاولة المفاوضات، إذ لن تكون مسائل مثل الانفصال والتقسيم والفيدرالية بعيدة عن الخيارات المطروحة، في حال كان هناك انسداد أمام خارطة الطريق الأممية للسير نحو انتخابات شفافة وانتقال سياسي سلمي.

وفي كل الأحوال فإن التفاهمات المتوقعة بشأن سوريا الجديدة تضع في الاعتبار الحسابات الروسية والأميركية في المنطقة إلى جانب لاعبين آخرين محوريين، في مقدمتهم إيران وتركيا ومصالح إسرائيل، بالإضافة إلى دول الخليج العربي التي أعلنت الحرب على الإرهاب.

من المهم بالنسبة إلى إيران الإبقاء على حضورها الميداني على الحدود السورية العراقية، لأن ذلك سيضمن امتداد نفوذها إلى لبنان ومعقل حزب الله هناك. بينما تحرص تركيا أن تبقي عينها مفتوحة على أي مطامح مستقبلية للأكراد على حدودها.

ولكن على عكس ما كان يطرح كأولوية مطلقة منذ بدء المفاوضات قبل سنوات، من خلال تنحية الرئيس الحالي بشار الأسد من أي دور محتمل في مستقبل العملية السياسية، فإن الحديث بشأنه بدأ يخفت بشكل لافت لدى دول المنطقة المعنية بالصراع وحتى داخل الإدارة الأميركية.

أما العرب فإن القاسم المشترك الآن لديهم هو منح الأولوية لمكافحة الإرهاب وقطع الطريق عن المزيد من التمويلات، ولكن يتوقع في المقابل أن تكون هناك تحديات أخرى أكثر خطورة وشبيهة بفترة ما بعد حرب أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. ويتعلق الأمر بعودة المقاتلين إلى دولهم الأصلية، وهو سيناريو بدأ بالفعل يقض مضجع الكثير من الأنظمة والدول.

فبرأي الخبراء فإن سحق تنظيم داعش على الأرض ربما لن يكون كافيا على المدى المتوسط في محو أيديولوجيته المتطرفة والعابرة للقارات، خاصة بعد أن نجح في استقطاب الآلاف من اليائسين والمعدمين وضرب بكل قوة وبشكل متتال في قلب أوروبا وفي أنحاء العالم.

والحقيقة الثابتة الآن هي أن التنظيم قد يسقط في معقله المركزي بسوريا، لكنه سيظل لوقت طويل كامنا في عقول أنصاره وخلاياه النائمة في أنحاء العالم، لذلك لا أحد يبدو غير معني في حرب سوريا العالمية ضد الإرهاب، الكل ينتظر ما سيؤول إليه السباق السوري-السوري لتحرير الأرض بدعم من القوى الإقليمية والدولية. فمن مصلحة المجتمع الدولي أن يربح سوريا الآن بأقل حد ممكن من الخسائر الدولية بدل أن يخسر كل الشرق الأوسط ومعه أمن العالم.

كاتب تونسي

6