ياليل بغداد

الأربعاء 2015/02/11

في الشهر السابع من عام 2003.. وصلتُ عمانَ من بغداد عندَ غروبِ الشمس بعدَ رحلةٍ برية شاقة.. وضعتُ حقيبتي في الفندق في منطقة الشميساني واتصلتُ بأقرب صديقٍ لي في الأردن.. وبعد السلام والتحايا الحارة والتهنئة بالنجاة من الموت قال “سأمرّ بك وندردش على فنجان قهوة في مقهى الفاروقي”.. فهتفتُ “لن تجدني بانتظاركَ جالسة في أي مكان.. أريد أن أذرعَ الشوارعَ مشياً لأحتضنَ ليلَ الأضواء.. فقد طالتْ ظلمة انتظاري لليلٍ يسهر معي وينادمني خيباتي وتجلّيات عشقي له”.. كان ذلك بعد أشهر من قرار منع التجوال في شوارع بغداد من المغرب حتى الفجر.. وكم كنت قد اشتقتُ يومئذ لليل بغداد.. بغداد التي لم أكن أغادرها إلا لماماً.. تلبية لدعوة أو مؤتمر أو مهرجان شعري.. بغداد التي خبرتُ سحرَ لياليها منذ ولدتُ على ضفة نهرها وحتى غادرتها قبل سنواتٍ من الآن ولم تغادرني.

وها قد مرَّ على تلك الحادثة إثنا عشر عاماً ليرفعوا حظر التجوال الليلي أخيراً عن شوارعها.. لتعودَ أضواءُ جسورها فتلتمع على صفحة نهرها المعشوق.. وليعودَ أهلها الطيبون العاشقون لليلها ودجلتها ونهاراتها وفكرة وجودها.. فيرقصون في الشوارع مهللين مبتهجين محتضنين ليلاً طالَ انتظارُ أجوائِه.. وهم يذرفونَ دموعَ الفرحِ على خدّهِ مثل مسافر غادر بغتة.. ورغم وعدٍ مبكّر بألا يطيل السفر مثل كثير من أبناء العراق.. إلا أنه عاد بعد ما يزيد على عقدٍ من أعمارِ أهله.. ولكن دون أن يشيخ.

تنقلُ الفضائياتُ العراقية الحدث.. ويعلّق المعلّقون والشعراء.. وتضجّ الشوارعُ بكل ألوان الطيف وألوان البشر كباراً وصغاراً.. من بسطاء إلى مسؤولين حكومين وفنانين ومثقفين.. يعلق أحد الشباب تعليقاً دامغاً “خلي نموت.. بس المهم نرتاح”.. وكأني به يطلق شطراً للمتنبي مغيّراً مجراه: “اذا لم يكنْ منَ الموتِ بدٌّ”.. فلابدَ أن نعيشَ أحراراً وأن تمرّ أيامنا ونحن نشرب ليل بغداد فنسكر.

ينزل كريم وصفي قائد الفرقة السمفونية الوطنية إلى الشارع في الكرادة ليعزفَ مقطوعة كلاسيكية وسط حشدٍ من الأطفال.. فتداعبُ أوتارهُ شهرزاد عند ضفة شارع أبي نواس لتتمايلَ على أنغامه طرباً وتنثرُ حكاياها ألعاباً نارية تضيء ليل بغدادَ المنتظَر.. ويتراقصُ الزيت في نافورة كهرمانة.. فتلوّح فرحاً أصابعُ مبدعِها محمد غني حكمت.. أملاً بنهاية قريبة للصوص بغداد.

ينهضُ من نومهِ جواد سليم، ليشهدَ ما يجري تحت نصب الحرية في ساحة التحرير.. إنهم أهلك وبنوكَ ياجواد.. يتشبثون بعرسٍ من أملٍ قادم يحملُ أفراحاً أخرى تنيرُ ليل الموصل والرمادي وكل أرض العراق.

تملؤني عبارة صديقنا الفنان والمعماري فارس حازم نامق.. الذي ظلّ يردّد “لقد سرقوا الليل مني”.. فسهرَ ظهراً بعد أن استبدل بالطربِ الألم.. ونام في رقدةٍ أبدية قبل أن يشهدَ عودة ليالي ألف ليلة.. ليتكَ كنتَ معنا اليوم أيها الغالي لتشهد هذا المهرجان. ألمحُ ابتسامتكَ الحنونة وأنت تهمسُ وعيناك تلتمعانِ من خلف نظّارتيك “بـــداعة”..

أختنق بدمعي فرحاً وأنا أرى المشاهد تتوالى وتتماهى الصور والألوان فتعبق ذاكرتي برائحةِ الطلع و”الشبّوي” وطين الشواطئ.. إن هي إلا أفراحٌ صغيرة توقدُ الأمل في أرواحنا.. وتبشّرُ الصابرين بأمنياتٍ تضعُ أقدامها على أوّلِ عتباتِ القادمِ زاخراً بما هو أجمل وأبهى وأرقى.

صباحكم أمانٌ وليلكم أضواءٌ وسهرٌ وحكايات.

21