"ياميش" رمضان يتنكر للفقراء في مصر

يعتبر ياميش رمضان (الفواكه الجافة والمكسرات) من الفواكه التي دأب الشعب المصري على تناولها خلال شهر الصيام، لكن تفاجأ المصريون وخاصة منهم الفقراء ومتوسطو الحال بارتفاع الأسعار في وقت يعانون فيه من تراجع القدرة الشرائية، ما قد يحول دون شراء ما يعتبرونه ضروريا.
الأربعاء 2017/05/17
سلع للفرجة فقط

القاهرة - بنظرات حائرة وخطى مترددة كحال كثيرات غيرها، طافت ربة البيت المصرية رحاب مرسي على محلات “الياميش” (الفواكه الجافة والمكسرات)، وسط القاهرة، قبل إقبال شهر رمضان، لكن ميزانيتها بخلت على بيتها إلا بالضروريات.

ومع اقتراب شهر الصيام، ارتفعت أسعار الياميش في مصر بنسبة مئة بالمئة بحسب شعبة العطارة في الغرفة التجارية بالقاهرة (مستقلة وتشرف عليها وزارة التجارة والصناعة).

يأتي ذلك، بالتزامن مع التبعات التي نتجت عن التعويم (تحرير سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية) أواخر العام الماضي.

ويُعد الياميش في مصر سلعة موسمية يزدهر بيعها وشراؤها قبيل شهر رمضان، فيتخذها المصريون عادة وتكون مظهرا من مظاهر فرحتهم بقدوم الشهر الفضيل.

ودفع الارتفاع المُضاعف في الأسعار، الكثيرين للتراجع عن شراء الياميش أو الاكتفاء بالأنواع البسيطة والابتعاد عن السلع الأكثر رفاهية كالتسالي والمكسرات.

وفي منطقة الغورية (وسط القاهرة)، كانت السيدة الثلاثينية مرسي تخطط لشراء المكسرات، أو الفواكه الجافة، قبل أن تتراجع بعد علمها بالأسعار التي تضاعفت عن العام الماضي، فقررت الاكتفاء ببعض السلع البسيطة من الياميش والعصائر مثل جوز الهند والزبيب.

ولأن الحلوى الشرقية هي إحدى مميزات طعام الشهر الكريم، لن تتخلى رحاب عن إسعاد أسرتها التي تتكون من خمسة أفراد بالبعض منها، ولكنها لن تكون بالتأكيد مثل السنوات السابقة إذ “قررت الاستغناء عن المكسرات واستبدالها بالفول السوداني لصنع الكُنافة والحلويات الأخرى”.

وتقول رحاب “إن ارتفاع الأسعار لم يطل الياميش والسلع الموسمية الرمضانية فحسب، بل كل السلع الأخرى الضرورية منها قبل الكمالية، منذ تحرير سعر الصرف”.

الفواكه الجافة لا تطالها يد المصري

ويقترح الأخصائيون في التغذية بديلا للياميش، فرمضان يأتي بالتزامن مع موسم الفاكهة التي يمكن أن تكون بديلا غذائيا للعائلات المصرية.

ويمكن إعداد أطباق من الحلويات بالاعتماد على المشمش والفراولة والعنب والتين، كما يمكن إعداد الكنافة دون الحاجة إلى مكسرات، مثل الكنافة السادة، والكنافة بالمهلبية، والكنافة بالكريمة والفراولة أو الكيوي والفول السوداني، بحسب المختصين.

تحرير سعر الصرف

في نوفمبر 2016 قرر البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه المصري ليخضع لآليات العرض والطلب، وتقوم البنوك المحلية بتسعير النقد الأجنبي، من خلال آلية سوق ما بين البنوك (الإنتربنك).

وبلغ سعر الفستق 500 جنيه (27.8 دولار)، والبندق واللوز وعين الجمل 250 جنيها (13.92 دولار) لكل منها، وجوز الهند 70 جنيها (3.89 دولار).

وبلغ سعر كيلو الفول السوداني 40 جنيها (2.22 دولار)، والبلح 25 جنيها (1.39 دولار)، والزبيب 60 جنيهاً (3.34 دولار)، والتين المجفف 80 جنيها (4.45 دولار)، أما سعر عبوة المشمش المجفف المعد لعمل العصائر، المسمى محليا بقمر الدين، فبلغ 50 جنيها (2.78 دولار).

ويرجع محمد الشيخ سكرتير شعبة العطارة بالغرفة التجارية المصرية (مستقلة وتشرف عليها وزارة التجارة والصناعة)، السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار الياميش المضاعف هذا العام إلى تحرير سعر الصرف وارتفاع قيمة الدولار مقابل الجنيه، جراء ارتفاع أسعار الاستيراد ما دفع التجار إلى زيادة الأسعار على المستهلك.

وتستورد مصر الياميش من سوريا واليمن والعراق، لكن الأحداث السياسية والاضطرابات الأمنية جعلت المستوردين يكثفون وارداتهم من الإمارات، والولايات المتحدة الأميركية، وفيتنام، وتركيا، والسعودية، وإسبانيا، ونيجيريا وإيران، وجنوب أفريقيا.

وأضاف الشيخ أن تفسير البعض لارتفاع الأسعار على أنه جشع من التجار “هو أمر غير صحيح، لأن الغلاء طالهم أيضا وتسبب في خفضهم للكميات التي اعتادوا استيرادها من الخارج”.

ونفى الشيخ أن يكون هناك احتكار من التجار لأنه أمر في غاية الصعوبة، بحسب وصفه، فيقول “التاجر إذا رفع السعر عن المستوى المناسب لن يبيع بضائعه وخاصة أنها بضائع موسمية مرتبطة بأيام محددة ومدة صلاحية”.

وتابع أنه إذا كانت هناك سلع خرجت من استهلاك 20 بالمئة من الزبائن العام الماضي فالأمر يصل إلى خروج عدة سلع من استهلاك 50 بالمئة منهم هذا العام، وبارتفاع الأسعار هذا اليوم نستطيع القول إن رمضان “للأغنياء فقط”.

من جانبها، أكدت نجوى عبدالمنعم (ربة بيت في العقد السادس من عمرها)، أنها لم تتخذ قرارها بشراء الأصناف مرتفعة الأسعار كالبندق واللوز وعين الجمل، وتركت الأمر لما يتوافر من ميزانية المنزل حتى نهاية الشهر.

الفواكه بديل المكسرات

وتقول عبدالمنعم إنها خلال السنوات السابقة اعتادت شراء 500 غرام من كل صنف لسد حاجتها من هذه السلع، لكن هذا العام تغير الوضع بارتفاع الأسعار، “إذا قررت شراء هذه السلع، فستكون بكميات أقل كثيرا ربما 250 غراما وستقتصر على صنف أو اثنين على الأكثر”.

وشكل الفقراء، الذين لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغير الغذاء خلال 2015 بمصر، 27.8 بالمئة من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 93 مليون نسمة.

وقال الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر (حكومي) إن متوسط الدخل السنوي للأسرة المصرية بلغ 44.2 ألف جنيه في 2015، وارتفع متوسط الإنفاق الكلي للأسرة بنحو 40 بالمئة ليصل إلى 36.7 ألف جنيه في 2015، مقابل نحو 26.2 ألف جنيه في البحث السابق 2012 /2013.

ومن المتوقع أن تقل عمليات شراء الياميش هذا العام بسبب ارتفاع سعره، وقد يتسبب في انخفاض الأسعار نوعا ما، لكن يبدو أنه مهما نزلت أسعار الياميش، فستظل مرتفعة في ظل معاناة شريحة كبيرة من الشعب المصري من أزمات اقتصادية حادة.

مقاطعة

باتت المغالاة الشديدة في أسعار ياميش رمضان هي الشغل الشاغل وحديث الشارع والرأي العام هذه الأيام، ما بين من يطالب بمقاطعة ذلك النوع من البضائع، ومن لا ينوي التخلي عن عادات الشهر الكريم.

وحذرت جمعية “مواطنون ضد الغلاء” مستوردي الياميش والسلع غير الضرورية من استيراد كميات كبيرة من هذه السلع مع اقتراب شهر رمضان، على خلفية حالة الركود التي تعاني منها الأسواق تأثرا بالظروف الاقتصادية التي تمر بها الطبقتان الوسطى والفقيرة .

وقال محمود العسقلاني رئيس جمعية ‘مواطنون ضد الغلاء’ في صفحته على الفيسبوك، إن الجمعية تعتزم البدء فى حملة مقاطعة لياميش رمضان من الآن وقبل أن يشرع المستوردون في استيراد كميات كبيرة من هذه المنتجات.

وأضاف العسقلاني “نحن في حاجة إلى تجنب شراء السلع الاستفزازية”، ضاربا مثالا بأكل القطط والكلاب المستورد من الخارج “الذي يصل سنويا في مصر إلى 2 مليار جنيه”.

وطالبت حركة ‘مواطنون ضد الغلاء’ خلال بيان صادر عنها، الحكومة باتخاذ إجراءات لحماية المنتجات المصرية من تغول الشركات الأجنبية وفرض ضرائب جمركية لمواجهة استيراد هذه السلع، والتوسع في الصناعة والزراعة كثيفة الإنتاج لتوفير منتج مصري عالي الكفاءة ينقذ مصر من أزمة ارتفاع الدولار.

وانتشرت السخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي من ارتفاع أسعار ياميش رمضان هذا الموسم، حيث كانت هناك العديد من التعليقات الساخرة وكان منها تشبيه ياميش رمضان بالأحجار الكريمة، عندما وضع أحد الأشخاص صورة لأسعار الياميش قائلا “أحجار رمضان الكريمة”.

ويتندر أحد التجار على الوضع الحالي قائلا “كان موسم الياميش أيام زمان ينطلق منذ بداية شهر رجب حيث تقبل النساء علينا لشراء مستلزماتهن من المكسرات والفواكه الجافة بيد مبسوطة، أما اليوم فلم يبق لرمضان سوى أيام ولكن الناس تأتي لتأخذ صورة سيلفي مع الياميش وأسعاره دون أن تشتري”.

معاناة التجار

في ذات السياق، أكد محمد أبوراضي أحد التجار بالمنطقة أن الإقبال على الشراء ضعيف جدا إذا ما قورن بالعام الماضي، بسبب ارتفاع الأسعار.

حملة "نقدر أن نعيش دون ياميش" تتحدى الغلاء

وأضاف أبوراضي أنه يستجيب لطلب الزبون في الحصول على أي وزن من الياميش تقديرا منه للظروف الاقتصادية فيقول “لو لم أفعل ذلك لتراكمت البضائع لدي وفقدتها بانتهاء صلاحيتها”.

وصعدت معدلات التضخم في مصر بنسبة 32.9 بالمئة في أبريل 2017، على أساس سنوي، مقابل 32.5 بالمئة في الشهر الذي سبقه، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي).

وصعد معدل التضخم الشهري في مصر بنسبة 1.8 بالمئة في أبريل 2017 عن الشهر السابق، فيما سجل زيادة بنسبة 2.1 بالمئة في مارس، وأخرى بمعدل 2.7 بالمئة في فبراير الماضي.

وصرح ممدوح ذكي رئيس شعبة المستوردين بغرفة تجارة الجيزة، أن البنوك لا تقوم بتوفير الدولارات اللازمة لاستيراد ياميش رمضان، وذلك باعتباره سلعة غير أساسية، مشيرا إلى أن المستوردين يلجأون إلى السوق السوداء لتدبير كميات الدولار لإتمام العمليات الاستيرادية، وبالتالي لا نتحكم في أسعار الياميش بالأسواق، حيث أن سعره مرتبط بسعر الدولار.

ويؤكد محمود خضر، أحد تجار العطارة والياميش المشاهير بالقاهرة، أن مصطلح “موسم الياميش” الذي كان يُطلق على الأيام ما قبل شهر رمضان، لم يعد موجودا بسبب ارتفاع الأسعار، قائلا إنه قرر خفض الكمية التي كان يستوردها لمتجره من 5 أطنان إلى طن واحد أو نصف طن.

وأضاف خضر أن المنتجات المصرية من الياميش منخفضة الجودة، وبالتالي فالإقبال دائما يكون على الأنواع المستوردة، ولكن هذا العام بسبب ارتفاع الأسعار استغنى الزبائن عن النوعين، وانخفضت نسبة الإقبال على الشراء 60 بالمئة عن العام الماضي.

واستعان خضر بالكميات المتبقية لديه من العام الماضي لتجاور الكميات القليلة المستوردة هذا العام قائلا “ارتفاع الأسعار عاد بالسلب أيضا على التجار لا على المستهلك فقط، وارتفاع الدولار أثنى الكثير من التجار عن الاستيراد”.

وقال شوقي عبدالمتعال صاحب شركة استيراد وتصدير، إن تجار الياميش أحجموا عن استيراد كميات الموسم الحالي لوجود مخزون من الموسم الماضي نتيجة ارتفاع الأسعار التي أوقفت حركة البيع.

وأضاف أن الكميات التي تستوردها الشركة تقلصت من 5 حاويات العام قبل الماضي إلى حاويتين فقط العام الماضي باعت واحدة منها إلى تجار الجملة وتبقت الأخرى كمخزون للعام الحالي.

واستبعد أن يتعاقد على شحنات جديدة حاليا لأنها تستغرق 50 يوما على أقل تقدير لتصل إلى الميناء، متوقعا استقرار الأسعار رغم تراجع المعروض بفعل التوازن مع الطلب المتراجع.

وكان قد تراجع حجم استيراد الياميش خلال العام الماضي بصورة ملحوظة بلغت نحو 7 ملايين و89 ألف طن، وذلك وفقا لبيانات رسمية صادرة من مصلحة الجمارك، وبالتالي فهناك توقعات بالمزيد من التراجع خلال العام الحالي.

20