يانصيب نوبل للآداب بين الشائعة والتوقع وبورصة الأسماء

الأربعاء 2014/10/08
إسماعيل قادري يمثل الكتابة تحت حكم الديكتاتور حيث شاعت أساطير الهزيمة والإباء

آن أوان الثرثرة الأدبية الرصينة، إذ قريبا يدق على الباب الإعلان الأضخم، والأكثر ضجة ولا شك؛ جائزة نوبل للآداب. وبالرغم من أنه موسم الشائعات الأدبية عالميا منذ أغسطس من هذا العام، ومع أن لا أحد يدري حقا ما يدور في خاطر ثمانية عشر شخصا يُشكِّلون اللجنة السويدية، لن تلقى مخلوقا يتوخى الجدية يذكر اسما عربيا. ولكنه أمر مفهوم، لذلك سنتناول هنا أسماء لا تمت بصلة إلى الوطن العربي، فالأمر يستحق قراءة جادة بعيدا عن حرفة التملق.

من بين 271 مرشّحا لهذا العام، تزين القائمة دوما أسماءٌ أصابها الضجر من فرط انتظار جائزة تبلغ قيمتها £693,000، كالياباني هاروكي موراكامي، منذ روايته “الغابة النرويجية”، والأميركي فيليب روث، منذ زمن بعيد في الحقيقة، والتشيكي ميلان كونديرا، منذ رواية “الجهل”، وجميعهم يتمتعون بنصيب متساو من التكهنات.


روث اللامكترث

لا يبدو لي أن فيليب روث يكترث قط للجائزة، فقد سئل صاحب رواية “الوصمة البشرية” عنها مرارا، دون أن تصدر عنه سوى إيماءة رأس جليلة أو كلمة مجاملة عابرة.

تخلق روايات روث دوامة مما يمكن تسميته بـ”العاري اللاطم”، سمة كانت محط احتقار الحركة ما بعد النسوية. لا يعنيه القارئ كثيرا في قصته الأجمل “المدافع عن الإيمان”، بل إنه ينصِّب بالأحرى أمام عينيه قارئا كارها له، ليستزيد من كراهيته.

كان قد ساد إحساسٌ بتيار منعش من الصدام الخليق، بحقبة شهدت نهاية تحولات سياسية مزلزلة في روايات الستينيات من القرن العشرين، مثل “الحلم الأميركي” لنورمان ميلر و”الزوجان” لجون أبدايك، ولكن أبطال روث -وكثيرا ما كانوا يهودا يفتقرون إلى الهوية الاجتماعية- شقوا طريقا أضيق، وأشد شهوانية في سبيلهم إلى التعبير عن الأنا الضال، “أنا” قد تروم إعادة صناعة الحلم الشخصي المتفرد بعد مهالك قومية جلبتها الحرب العالمية الثانية.

تسلط معظم روايات واثيونجو عينا كاشفة على ما رافق الاستعمار

أمّا المشتاق دائما إلى امتياز نوبل، هاروكي موراكامي، فليس من الإنصاف أن نخلع عنه كل موهبة، ففي رواياته الأولى، تجلت قدرته على شحن اللغة الجنسية المكبوتة، وخلق بنى متراكمة مبهرة، تتحلق حول إطار سردي محكم قفز به من على الأرفف اليابانية إلى العالمية بسهولة.

لا تعدم رواياته في هذا القرن، مثل “كافكا على الشاطئ”، إحساسا بالفقدان والحنين، وحسّا سيرياليا، لا يتجاوز على الأرجح شخصيات عادية تماما، تَقوم بأفعال يومية في جو من الهدوء الياباني القديم. ثمة ألفة عاقلة، فضيلة الصمت، ما بعد حداثية، تتوجه إلى العالم الغربي. سكون انعزالي يتخلل أغلب كتاباته.

وبعيدا عن أية مهاترات سياسية أو مواقف إنسانية، يعتبر موراكامي كاتبا صاحب صنعة بالأساس، وهو ما يتباهى عمدا به، حين يتفنن في رسم حبكة ما، تجري بمحاذاة أخرى في السياق ذاته، بل وفي سياق تاريخي معارض أحيانا.


الناطق الأفريقي


وبجانبهما تصطف قامات أفريقية تنفي العنصرية عن الجائزة، كضيف القائمة السويدية في آخر خمس سنوات، الروائي والمسرحي الكيني نجوجي واثيونجو، صاحب كتاب “تحرير العقل: سياسات اللغة في الأدب الأفريقي”، وهو يمثل رهان عدد من النقاد البريطانيين في هذا العام. إن روايات واثيونجو رمز لقدرة الكلمة على ترسيخ الثقافة وتعزيز الهوية، ولا سيما حين تميط اللثـــام عن القصــــة الحقيقية لأي واقع تصفه.

يحدث بين العقد والتالي أن يكتشف العالم الثقافي أن اللجنة تجاهلت أسماء لا يتعذر تجاهلها إلا على أعمى

تسلط معظم روايات واثيونجو عينا كاشفة -وإن تلونت برقة مكبوحة- على ما رافق الاستعمار من انسلاخ قومي ولغوي، مضطلعا بدور الناطق نيابة عن القارة الأفريقية. خضعت كينيا في عهد مولده للاستعمار الأنكليزي، وعاش مراهقا حرب الماو ماو لنيل الاستقلال، وهي حرب صنعت كينيا المعاصرة، وسرد على إثرها معاناة الفلاحين مع الهيمنة الغربية، والذين حاربوا البريطانيين بكل ما أوتوا من قوة، ثم اكتشفوا أن كل ما قاتلوا من أجله ضاع هباء. ولكن مرحلة ما بعد الاستعمار، لم تشف أيضا الغليل، فكان تأليف كتاب في كينيا مجازفة محفوفة بالمخاطر، ولا بد أن يسعى الكاتب إلى الحصول على رخصة حكومية لنشره.

ووفقاً للناقدة السويدية ماريا شوتينيس، قد يلفت انتباه اللجنة كاتبٌ من غير المخضرمين، مثل النيجيرية تشيماماندا نجوزي أديتشي، التي تفُوق شهرتُها موهبتَها، في اعتقادنا، إضافة إلى مواطنة أنتيغا الكاتبة الإيروتيكية جامايكا كينكيد، على حين أوحى النقاد الأميركيون بأن القائمة تتضمن الإسرائيليين أموس عوز وديفيد جروسمان، وأمامهما طريق طويل، على ما نخال، حتى يبلغ ترشحُهما مبلغ الجدية. وعليه ليس من الشاذ ما تسرب من توقعات عن المسرحي النرويجي صاحب كتاب “المَلَنْخوليا” جون فوسيه، الفائز بجائزة إبسن العالمية 2010، ويطلق عليه النقاد “إبسن الجديد”، والحق أن النقاد وضعوه في خانة متفردة، بسبب ألاعيبه المسرحية، وميله إلى تجريب الغرض منه مداعبة العقل وزعزعة الثوابت. إن فوسيه واحد من أشدّ المسرحيين استفزازا في أوروبا -وليس البريطاني توم ستوبارد هو مستحق هذا اللقب فهو ينتصر للغموض، صمْت مسرحييه أبلغ وأثقل من مفرداتهم، كذلك تَجْمع مسرحياته، شأن عدد من مؤلفي الحقبة الرومانسية، بين ظلمة الاكتئاب وضوء التصوف.
جون فوسيه تجمع مسرحياته بين ظلمة الاكتئاب وضوء التصوف

ومن بين الأسماء التي تناقلتها الألسنة الشاعر الألباني إسماعيل قادري، الفائز بجوائز الأرض على ما يظهر عدا نوبل. يتلون نثر قادري -المغترب في فرنسا منذ أن انهار الحكم الاشتراكي في بلده الأم- بمسحة ساخرة تصطبغ برعب جدير بأوروبا الشرقية الشيوعية.

ويعدّ المؤلف قماشة مثالية، لو قررت لجنة نوبل تسييس الجائزة في هذا العام، إذ تستحضر قصصه لحظات حاسمة في تاريخ صربيا والبوسنة وما تعرض له الألبان من مذابح متتالية وهزائم، لم يستفيقوا منها حتى الآن. إنها الكتابة تحت حكم الديكتاتور حيث شاعت أساطير الهزيمة والإباء، وقد حاول قادري الشيوعي آنذاك التأرجح بين الامتثال للنظام السياسي، والتمرّد عليه.

وكثيرا ما فشل، هو القادم من خلفية اجتماعية موسرة والمبحر في الحياة من دون مساس به، أو حكم بالسجن تحت عهد التسلط، وكذلك المستفيد من حداثة ألبانية شهدتها بلاده بعد سلسلة من الحروب.

يانصيب ثقافي

لا ريب أن الحذر كل الحذر كان طابع اللجنة في العام الماضي حين آلت الجائزة إلى “أستاذة القصة المعاصرة” الكندية أليس مونرو، في خطوة متوقعة وغير متوقعة في آن واحد، ولكنها انتقت من قبلها كُتابا لا يتصدرون بالضرورة قائمة أكثر الكتب مبيعا، مثل الصيني مو يان الفائز عام 2012، لما يتحلى به من “واقعية لا تخلو من هلوسة تدمج الحكايات الشعبية بالتاريخ والواقع المعاصر”، على حدّ قول اللجنة.

قد يلفت انتباه اللجنة كاتب من غير المخضرمين، مثل النيجيرية أديتشي، إضافة إلى الكاتبة الإيروتيكية جامايكا كينكيد

هذا إضافة إلى الروائية النمساوية إلفريدة يلينيك التي حار الصحفيون العرب، وأنا منهم، كيف يكتبون عنها دون أية معرفة مسبقة.

ويحدث بين العقد والتالي أن يكتشف العالم الثقافي أن اللجنة تجاهلت أسماء لا يتعذر تجاهلها إلا على أعمى. ففي مستهل القرن العشرين أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية أنها تلتزم “منهجا مثاليا” في الاختيار، ومن السهل السخرية من مبدإ “المثالية” الذي طالما مثّل معيارا سياسيا معيبا، لقد آثر حقوق الإنسان على فعل الإبداع ذاته، في بعض الأحيان.

وكان على الأرجح السبب في عدم فوز الروائي الأيرلندي جيمس جويس والمسرحي النرويجي هنريك إبسن، وإن احتضنت اللجنة في العقود الأخيرة تفسيرا أقرب إلى الأدب لكلمة “المثالية”، واستفاقت من غيبوبتها، لتمنح البريطانية دوريس ليسينج الجائزة، وكذلك البيروفي ماريو بارغاس يوسا.

والحري بالذكر أن تخمين حامل الجائزة غدا الخميس بالنسبة لأمثالي ما هو إلا يانصيب ثقافي، قد ينالها روث أو فوسيه أو واثيونجو، أو صاحب قلم نجهله تمام الجهل.

14