يا أنفاس الخريف!

السبت 2017/10/14

شيء ما تبدى لي في وجه الخريف حين وجدته عند عتبة نافذتي هذا الصباح. من ظلمة المكان، أزحت الستارة قليلا فتراءى لي كاملا؛ رماديا، كئيبا، مؤطرا بالضباب، وكان نواح الطبيعة يسيل من قطرات ندى تغادر على مهل أوراق أشجار ذابلة كدموع محبوسة. مطر ناعم، غيوم كثيفة حجبت عين الشمس، وهذه الرائحة العذبة التي كانت تصلني من فتحة النافذة؛ رائحة أرض مغسولة وطين معتق، سرت كتيار بارد ورقيق تعلق بأطراف أصابعي التي كانت تبحث عن الدفء من دون جدوى، وهي تتدثر بالبخار المتصاعد من فنجان الشاي الذي أمسكت به ولم أقربه.

الخريف الذي أراه من خلف نافذتي، لا يشبه فصول السنة؛ إنه فصل من الحزن، طويل ومكابر.

لم أتعرف عليه اليوم؛ ملامحه المرسومة على صفحة السماء، شمسه الباهتة ولونه الداكن، برودة طقسه المحببة وأوراقه الصفر. لم يكن خريفي!

كان مراوغا، مثل صوت سعال الرجل الذي مر أمام منزلي وهو يبتلع دخان سيجارته وينفثه بقلة صبر، بينما يحاول قطع الدرب بخطوات عريضة.

كان محايدا، مثل سحنة موظف البلدية الباهتة الذي كان مشغولا بجمع أوراق الأشجار الذابلة في الغابة الصفراء الممتدة أمامي، وكأنه يجمع أشلاء قتلى في ساحة معركة. كان حقيقيا، مثل عويل سيارة إسعاف مرت في الشارع المجاور، هل يموت الناس باكرا هكذا؟ ترى، بماذا يفكر الرجل الذي يرقد الآن في سرير الإسعاف؟ هل يرى نافذة في منزله تطل على الخريف وقف خلفها ذات صباح وكان ينصت لصوت الرياح ويحاول الإمساك بغيمة، بينما تشد أنامله على فنجان شاي؟

أغلقت الستارة على صوت سيارة الإسعاف، فلمحت عند عتبة الباب رسالة باردة وضعتها يد ساعي البريد الباردة يوم أمس، لكن، لا بريد اليوم؛ هكذا كانت تقول يده الفارغة التي لوح بها قبل قليل لإلقاء التحية. عدت إلى الرسالة القديمة، لم أمسسها، تركتها عند العتبة لتتدفأ قليلا، فربما تغير شيء من القدر المكتوب داخلها.. ربما.

تركت الخريف وحيدا في الخارج وعدت إلى مكاني أطالع كتابا قديما، في مكان بعيد وموغل في الحزن، كان رفيقي؛ الشاعر الإنكليزي بيرسي بيش شيلي الذي توفي قبل مئتي عام، قد توقف يوما في منطقة الغابات عند نهر أرينو بالقرب من فلورنسا في إيطاليا، في يوم عاصف من شهر تشرين الأول أيضا، حين باغته الخريف. كان الطقس صافيا، وفجأة تجمعت الرياح وهطلت الأمطار فتغير مزاجه قليلا. تنازعته في ذاك المكان الغريب مشاعر متضاربة، حاول ابتلاع غربته وحزنه فلم يستطع فلم يكن أمامه سوى أن يخاطب رياح الخريف، يبثها خوفه، هشاشته، حيرته وارتباكه أمام تبدل الفصول وتغير الأحوال. كان شيلي أعزل تماما في مواجهة مخاوفه وخساراته التي عمقها مرور فصل الخريف، فكتب قصيدته الخالدة “إلى الريح الغربية”، التي يقول فيها:

أيتها الريح الغربية العاتية، يا أنفاس الخريف

….

لو أنني كنت ورقة ميتة تحملينها،

أو سحابة سريعة تطير معك

……

لو أنني عدت، كما كنت في صباي، رفيق تطوافك فوق السماء

…..

لما كنت كابدت مثلما

أنا الآن في ابتهالي،

أنا في أمس الحاجة إليك

فلترفعيني كموجة، ورقة، أو سحابة!

إنني أقع على أشواك الحياة، إنني أنزف!

كاتبة عراقية

21