يا حلاوة أم إسماعيل

الاثنين 2014/08/04

“يا حلاوة أم إسماعيل في وسط عيالها.. زي النجفة عم بتلعلط في جمالها، تزرع وتقلع في الغيط ويا راجلها.. وتعاود تاني لعجينها وغسيلها”.

واصفا لمة العيلة والعزوة، وشارحا لدور المرأة الوتد، لحن، وتغنى فنان الشعب سيد درويش بهذة الكلمات البديعة التي كتبها الرائع الراحل بديع خيري. لم يكن يعرف أنه يصف حال المرأة في كل البيوت المصرية، كالشجرة تحمل كل الأفرع، وتحمل ثمرات الحب، ترضع حنانها للصغار، وتلقي بنصائحها للكبار، تضم الجميع في خيط عشقها لأسرتها، تجمع حبات اللؤلؤ حول عنقها، وتضع زوجها تاجاً فوق الرأس المشغول بأدق تفاصيل أفراد عائلتها، تحمل الهموم صامتة، راضية، تتناول جنيهات رب الأسرة القليلة، وتدبر احتياجات كبيرة قانعة.

حول إناء “العجين” تجلس وحولها النساء، تنقشن كعك العيد، تخلطن الطحين بالحب، وتخبزن فرحة الأطفال على دفء حضن الأم، تجمع الكل نساء، ورجالا، أما الأطفال فوحدهم ينجذبون للحب ولمة العيلة.

مظاهر العيد في بيوت الدفء مختلفة، الأم هي كبيرة العائلة، و”رمانة ميزان” العلاقات الأسرية، ما بين الأبناء وزوجاتهم، والبنات وأزواجهن.

تتقرب لزوج ابنتها في مودة بعيدة عن التصنع، تضعه في عينيها كما يقولون تزرع في قلبه حبها فيزداد رصيد الود لكل العائلة، ولكن الغريب أن الابن لا يشعر بالغيرة فهو يعرف أن الأم تضبط جميع العلاقات في إيقاع جميل.

تنتصر لزوجة ابنها في مواجهة الجميع، ابنتها، وحتى الابن “الزوج” وإن كان له الحق، تفتك غيرة النساء بابنتها حتى تتهمها بالتحيز الخاطئ لزوجة الابن، تربت على كتف الابنة “الغيرة” وبكل حنان تشرح الأمر، توضح كل التفاصيل بلا ملل ولا كلل.

تحافظ على “عش ابنتها” وتظلل على حياتها حين تنتصر لزوجها وتتوجه ملكا على الجميع، وبنفس المنطق تتعامل مع زوجة ابنها.

“أم إسماعيل” هي نموذج للمرأة المصرية في كل البيوت، ولكن الصورة متضحة المعالم أكثر في الريف عن الحضر، قد تكون في المدينة باهتة ملامحها، تائهة ألوانها في زحام حياة المدن، لا تحمل سوى إطار علاقات اجتماعية دافئة، دون تفاصيل.

أحيانا أظن أنها “جينات” وراثية تحملها النساء منذ الولادة، وأحيانا أخرى أعتقد أنها توزع مع شهادات الميلاد بمجرد كتابة أنثى في خانة النوع، ويذهب بي الخيال إلى أنها مسحوق المحبة والأمومة الملقى عفويا في نيل المصريين، ولأننا جميعا نشرب من نيلها ولا تروينا غير مياهه، منكرين أهمية وتعقيم المياه المعدنية. فإننا نشربها بغير وعي وتسري في الدم المصري الأنثوي وتسكن قلوب النساء.

تتغلغل “أم إسماعيل” أيقونة الحياة في النفوس، تملك القلوب بلا عناء، يسأل عنها الجميع، كأنما يبحثون عن مكملات الوجود.وفي اجتماعات عائلية بهيجة تجمع الأسرة وتلملم شمل العائلة في احتفالات كرنفالية من طراز خاص، رمضانها مختلف، وعيدها أكثر اختلافا، يا حلاوة أم إسماعيل في كل البيوت المصرية.

21