يا سادة: زمار الحي لا يطرب

الأربعاء 2014/01/22

لا يفتأ البعض انتقاصاً وتقليلاً من شأن بلاده وسياستها وتعظيماً وتبريراً لسياسة غيرها حتى وإن كانت سياسة يرفض انتهاجها أو قبولها في وقت سابق، أو هكذا يزعم.

المواقف تكشف هذه العينات ولا يحتاج أحدنا إلا إلى متابعة التحولات ومقارنة ردود الفعل تجاه الأحداث المتطابقة ودرجة اختلافها تبعاً للمصدر. الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يتجاوزه إلى الاحتفاء بإنجازات سبق أن حققتها بلاده، ولم يلتفت إليها، أو كان سبباً في حملة ضد تحقيقها فإذا حدثت عند جارة لنا أقام الدنيا ولم يُقعدها احتفاءً وفخراً بإنجاز رفض أن تعمل بلاده على تحقيقه.

هل توقف الأمر هنا؟ إطلاقاً، بل نجد هذه العينات تترقب صوتاً هنا أو هناك يقدم لها مخرجاً مما يظنونه ورطة أخلاقية فتجدهم كالببغاءات بل أشد تقليداً وهم ينقلون ما ظنوه مخرجاً مهما كان سطحياً أو بديهياً. دعونا نسوق أمثلة سريعة تعبر عن وقائع محددة بسيطة تصور بوضوح وجلاء آلية عمل هذه العينات.

أعلنت جارتنا الصغيرة عن إطلاق قمرها الصناعي الأول، فلم يبق بوق منهم لم يتحدث عن هذا الإنجاز فسطروا المقالات وضجت وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقاتهم التي تشيد بهذا الإنجاز لأن زمار الحي لا يُطرب.

وطننا يا سادة أطلق نحو ستة عشر قمراً صناعياً ولم يجد مقالة واحدة من أولئك ولم ينقلوا الحدث طيلة سنوات حتى في أحاديثهم وبوحهم الوطني، إن كان هناك من بوح من هذا النوع. وكذلك حدث عندما أعلنت جارتنا عن استضافتها لحدث رياضي، فقد نسي القوم في غمرة احتفائهم بهذا الإنجاز أنهم قبل سنوات قليلة فقط أثاروا ضجة كبيرة كردة فعل على بالون اختبار بأننا سنستضيف مناسبة رياضية عالمية.

كم هي الحجج التي ساقها نفس الأشخاص عن التغريب، وماذا يُراد بهذا البلد، وكيف أن هذا الحدث يتعارض مع العادات والتقاليد والأعراف والخ ولذلك لا يصح أن تتم هاته الاستضافة.

الغريب حقاً، أن مجتمع الجزيرة العربية بكامله شديد التقارب في عاداته وتقاليده، بل إن الجارة تكاد تكون جزءا من مجتمعنا، ومع ذلك لم يجد القوم غضاضة في الاحتفاء بهذا المنجز. فيا للتناقض. هذا حال المنجزات بأمثلة بسيطة سهلة ناهيك عن منجزات أضخم وأكبر بكثير يتم تجاهلها بل والتقليل منها لصالح منجز آخر في تركيا أو قطر أو الكونغو.

أما السياسة فحدث ولا حرج فهم يروّجون لمساعدات لم تتجاوز 60 مليون دولار للاجئين السوريين، بينما يوجهون نقداً شديداً لوطنهم الذي قدم نحو 300 مليون دولار هذا عدا الدعم العسكري للثوار.

العجيب أنهم يغضّون الطرف عن منع تركيا دخول 1800 صاروخ مضاد للدروع، ويبرزون عوضاً عن ذلك صوراً لملاجئ السوريين على أنها مقدمة من حكومة تركيا بينما الحقيقة التي يعلمها القوم أنها من تبرعات وطنهم.

ماذا عن المواقف من الصراعات في المنطقة؟ هذه حكاية أخرى، فقد وجدنا سيلاً من الاتهامات بالصمت حيال مجازر الأسد في سوريا، رغم أنهم يلمسون بأنفسهم التحركات الدبلوماسية السعودية المحمومة ضد نظام بشار، وفي نفس الوقت يبرزون فيه تصريحات وظواهر صوتية لهذه الدولة أو تلك ويغضّون الطرف عن الجهود السعودية. وقد قيل شر البلية ما يُضحك، وهو ما لمسناه من أحدهم، وهو ممن اشتهر بعمليات تفكيكية مخزية، عندما قسّم “داعش” إلى قسم يجوز محاربته وقسم لابد من دعمه. المضحك في الأمر هو سبب هذا التقسيم.

باختصار، الخليفة المزعوم أردوغان يريد التخلص من “داعش” في سوريا التي تمثل شوكة في خاصرته، وفي نفس الوقت لا يريد أن يكشف عن بداية التحول في موقفه من الثورة لصالح الأسد فأعلن عن تأييده لداعش العراق تحت اسم سنّة العراق. وبطبيعة الحال انبرى القوم للترويج لذلك فكان هذا أكثرهم صراحة بينما مارس باقي القوم التقية.

ورغم هذا التناقض الصارخ فلا زال القوم يبررون للخليفة المزعوم ويمهدون لتحوله اللاحق، وهو تحول معيب مجلل بالعار ولكنه بالنسبة إليهم له ما يبرره، ولذلك لم نقرأ انتقاداً له كما لم نقرأ أية إشادة بالموقف السعودي الثابت من نظام بشار الأسد. واعيباه.

حينما قلنا قبل أكثر من شهرين في هذه الصحيفة أن تركيا ستميل إلى جانب الأسد لضمان استمرار حكومة أردوغان، قيل أن الخليفة المزعوم صاحب مبدأ لا يغير مواقفه.

أما الآن فالسياسة “فن المصالح” حسب تبرير صحفي البلاط القطري التركي عبدالباري عطوان، الذي رأى في تراجع أردوغان عن موقفه لصالح نظام الأسد خطوة عملية ليست الأولى فقد تراجع عن موقفه أثناء أحداث حديقة غيزي. هذه مقارنة فيها تسطيح يستحقه القوم الذين رددوا خلفه ما جاء في مقاله، فهل من عاقل يقبل مقارنة تراجعه عن إزالة حديقة بتراجعه عن دعم ثوار سوريا؟ لكنه الهوى إذا استحكمت حلقاته حول القوم روجوا لأي مخرج حتى وإن أتى به صحفيو بلاط الخلافة.

ومن الواضح أن ما قلناه في مقالات سابقة عن حتمية ظهور الخافي من مواقف الخليفة المزعوم قد اعترف به صحفي البلاط في مقاله، ووجد قبولاً غير مستغرب لدى شيوخ التفكيك الإعلامي والسياسي، فإذا بالتحول التركي السائر حثيثاً نحو التقارب مع نظام الأسد قد أصبح له ما يبرره، في الوقت الذي لا نجد منهم من يشيد بثبات الموقف السعودي.

السؤال الذي يؤرقني هو؛ أين الحس الوطني للقوم الذين يقومون بتلك الممارسات؟ وما هو ذنب المتلقي البسيط الغارق في التساؤلات؟ المتلقي بدوره أكثر من نوع ولكن الشعور بالإحباط واحد.

وهنا لا أتحدث عن المتلقي الموتور ولا عن ذلك الذي ليس لديه إلا (التسدح والتبطح) أمام الشاشة وغالب وقته يقضيه مثافناً للنساء والأطفال، فالنوعية الأولى لا يُعتد بها، والثانية عادة ما تكون ناقمةً أفسدها الفراغُ وهم أعوانُ القوم فليسوا بمن نخشى عليهم إحباطا لن يحدث بقدر ما نخشى عليهم من انفصام وشيك. لكن هل يستحق المجتمع أن يتم تضليله من قبل فئة لا هم لها إلا مناكفة خطاب دولتهم لصالح الخطابات التركية القطرية. الضحية دائماً هو المتلقي البسيط الباحث عن الحقيقة.

هل سيقول أحدهم بأن هذا دور الجهاز الإعلامي، لن أعترض على ذلك إلا أنني أشير إلى أن جهازاً تكسوه “الشِللية” لابد وأن يكون مشلولاً.


كاتب سعودي

9