يا صناع الدراما التونسية استيقظوا

لقد اعترضني شخصيا، بعض الشباب ممن راحوا يقلدون شخصية "علي شورّب" حالمين أن يصبحوا "باندية" مثله، وهو ما بدا لي خطرا داهما بأثر مباشر مما تبثه الدراما التونسية وتتباهى به.
الجمعة 2018/05/25
تجب مواكبة الأعمال بالنقد

أخذت الدراما التونسية، مؤخرا، تتناول الشخصيات التي كانت مهملة أو مستهجنة سابقا، مثل شخصية المجرم، التي باتت شخصية محورية في السنوات الأخيرة.

ربما لم يتعود التونسيون تقديم شخصية المجرم أو “الباندي” بمعنى الفتوة، وخاصة في قالب خال من أي تصور لهذه الشخصية، التي تقدم الدراما فقط الجانب المعلوم منها، وتصورها شخصية قوية ومسيطرة ومناهضة للسلطة. كما لا تغفل عن تصوير مبادئ هذه الشخصية التي تصبغها ببعض التجميلات من قبيل نصرتها للضعفاء وحفاظها على الأصول وأخلاق المجتمع، من قبيل الشرف وغيرها من الأخلاق الجمعية.

لكن هذه الصورة المركّبة تبدو غير متناسقة بالمرة، فهي تبرر أفعال الإجرام وفي الوقت نفسه تحاول كسب التعاطف عن طريق “ماكياج” الخير، كل ذلك وسط دوامة من الصراع تخوضها هذه الشخصية إما مع عوالم بعض أصحاب المال وجرائمهم المستترة، وإما مع السلطة التي تهيمن على المجتمع من خلال البوليس والسياسيين الفاسدين.

مع بروز مسلسلات مثل “أولاد مفيدة” و”علي شورّب” انقسم الجمهور التونسي، مؤخرا، بين مؤيد لتناول شخصيات الفتوات ورافض لها لأسباب أخلاقية وغيرها.

شخصيا لست ضد تناول هذه الشخصيات، لكن مع وضعها في إطارها الاجتماعي، وتقديم صورة من مختلف الجوانب لها وللشريحة الاجتماعية المهمشة التي تحيط بها، لتكون الصورة متكاملة وحيّة عن الواقع الاجتماعي سواء الحاضر أو الماضي، لكن هذا ما لم يحدث.

تناول شخصية الفتوة كان جليا في أدب نجيب محفوظ، وفي السينما المصرية التي استلهمت مادتها من نصوصه، مثل رواية “الحرافيش” وغيرها، إلا أن الدراما التونسية لم تستفد من الطرح العميق الذي قدمه المصريون على ضوء كتابات محفوظ. ولا علاقة بين شخصية “الباندي” التونسية والفتوة المصرية. رغم التشابه في الظروف، فكلاهما محكوم بنسيج من العلاقات الاجتماعية وعلاقة بالسلطة بين التضاد والعمل لصالحها، وغيره من نقاط التطابق.

ثم إن تناول شخصية إجرامية بتسرع ومن دون وجود فكرة وجيهة أو حكاية متينة الحبكة أو مغزى كبير كما هو حاصل هذه الأيام مع مسلسل “علي شورّب”، الذي تتبعه الكاميرا وتسلط عليه الضوء بمبرر ومن دونه، وبلا وجهة أو بناء درامي موضوعي، له انعكاسات سلبية خاصة على شريحة المراهقين والشباب التي تنساق بعماء وراء الشخصية الدرامية وتقلدها في أدق تفاصيلها.

 ولا أدل على ذلك من تلك الحوادث التي بدأت تظهر في الشارع بأثر من هذه الأعمال، ولقد اعترضني، شخصيا، بعض الشباب ممن راحوا يقلدون شخصية “علي شورّب” حالمين أن يصبحوا “باندية” مثله، وهو ما بدا لي خطرا داهما بأثر مباشر مما تبثه الدراما التونسية وتتباهى به.

هناك ميل مشروع من قبل الجمهور التونسي والعربي ككل لشخصيات الأبطال سواء في السينما أو الدراما أو حتى الأدب، وهو ما يعكس تعطش هذه الشعوب لـ”المخلّص” البطل الذي لا يقهر، والذي يمكن لها أن تمضي وراءه، ليجسد أحلامها في افتكاك حقوقها وحريتها، ويغذي أوهامها في الزعامة والسيطرة والانتقام. وهو ما تلعب عليه الدراما حين تمسك جمهورا عريضا من تلابيب أوهامه وخيالاته المضطربة، وتصور له باطلا على أنه حق وهذا ما ينبغي الانتباه إليه.

لا أنادي مطلقا بمنع عمل درامي أو غيره، فحرية الفن اللامحدودة ضرورة ملحّة، لكن تجب مواكبة هذه الأعمال بالنقد في ما لها وما عليها، ويجب التركيز على خلق جمهور له رأيه النقدي ليقيّم الأعمال الفنية جماليا وتعبيريا، وحتى تقنيا وأدائيا. والمبشّر أننا بتنا نلمس ظهور ملامح من هذه الرؤية النقدية عند الشباب، وبتنا نرى تنوعا في الأفكار، وتعبيراً عن وعي نقدي وحرية في التفكير، وشيئا من الجرأة في إبداء الرأي النقدي. وهو ما يؤشر على تطور ملحوظ في وعي الجمهور التونسي في فضاء الحرية المفتوح، ولكن هل ينتبه إلى هذا التطور صناع الدراما في تونس، وهل هم في وارد أخذه بعين الاعتبار، أم أنهم سيبقون على ما هم عليه.

14