"يا عيب الشوم".. عن تجارب نسوية مؤلمة بين القاهرة وعمّان

الورشة تهدف إلى خلق مساحة آمنة للمشاركات من مصر والأردن لحكي تجاربهن الشخصية عن التحرش على الخشبة.
الثلاثاء 2018/08/28
حكايات عنيفة تجسّد على الخشبة

“يا عيب الشوم”، هي جملة دارجة تستخدم في العديد من البلدان العربية للتعبير عن الاستياء من الحديث عن موضوعات بعينها يصنفها المجتمع كتابوهات، وفي المجتمعات المحافظة تستخدم هذه الجملة على نحو شبه يومي للحدّ من سقف حرية التعبير أو من حق الآخر في مشاركة مشاعره.

مثلت جملة “يا عيب الشوم”، عنوانا لورشة حكي نظمت أخيرا في القاهرة على مدار خمسة أيام، ورشة “يا عيب الشوم” هي جزء من مجموعة ورش للحكي يتم تنظيمها خلال الأسابيع القادمة بين القاهرة وعمّان، كنواة لمشروع مسرحي مشترك تحت نفس العنوان.

وتنظم هذه الورش تحت إشراف القائمين على مشروع “بصي” (أُنظري) في القاهرة، وبالتعاون مع الممثلة والحكّاءة الأردنية شيرين زعمط، بهدف إنتاج عرض مسرحي يعتمد على القصص والتجارب الشخصية المتنوعة، والتي سيتم توثيقها في ورش الحكي في القاهرة وعمّان ويعرضها حكّائين وحكّاءات من مصر والأردن.

وتهدف الورشة إلى خلق مساحة آمنة للمشاركين والمشاركات فوق سن 18 سنة لحكي تجاربهم الشخصية عن التحرش، واستكشافها عبر تدريبات من المسرح والدراما، وإيجاد منفذ لتجاوز هذه التجارب المؤلمة.

وشاركت الفنانة الأردنية شيرين زعمط في عدد من مشاريع الحكي في مصر وتركيا والأردن والسويد وإيطاليا والمملكة المتحدة، كما شاركت أيضا في تأسيس مبادرة “آت” وهي شبكة نسوية تدعو إلى حرية التعبير، وعملت كمخرجة مساعدة للمسرحية العالمية “ملكات سورية”، كما تعمل أيضا كمعلمة للدراما في إحدى المدارس الأردنية، وشاركت بالتمثيل في عدد من الأفلام مثل “لما شوفتك” للمخرجة آن ماري جاسر، والفيلم القصير “ولا كلمة زيادة” للمخرجة شيرين دعيبس.

وتقول سندس شبايك المديرة الفنية لمشروع “بصي” في القاهرة “إن عملية الحكي لا تكون سهلة دائما، فحكي التجارب المؤلمة ليس أمرا هينا”، وتتلخص فكرة هذه الورش في إتاحة الفرصة أمام المشاركات للحديث عن تجاربهنّ المؤلمة بهدف التخلص من آثارها السيئة، أما العروض المسرحية المستلهمة من هذه الورش، فهي بهدف زيادة الوعي المجتمعي وإلقاء الضوء على عدد من الظواهر الاجتماعية السيئة والسلوكيات العنيفة والمؤلمة التي تتعرض لها المرأة، والتي من أبرزها التحرش، فمن خلال هذه الورش يتم توثيق الحكايات التي تروى بمعرفة المشاركات، لتتحول هذه الحكايات في ما بعد إلى نصوص يمكن أداؤها على المسرح من خلال محترفين ومحترفات.

حكايات كثيرة ومؤلمة روتها المشاركات في الورشة، جميع الحكايات والتجارب لها علاقة بالعنف الأسري الذي تمثل فيه المرأة عادة الطرف الأضعف، وواحدة من هذه الحالات المشاركة كانت لسيدة مطلقة تناولت ابنتها الصغيرة قطعة من المخدر الذي يتعاطاه زوجها، لاعتقادها أنها قطعة حلوى، وحين غابت الطفلة عن الوعي منعها زوجها من التوجه إلى المستشفى خشية المساءلة، لكنها توجهت بها إلى المستشفى رغما عنه، ليتم إنقاذ ابنتها بأعجوبة، وتقول الأم “في ذلك اليوم عاقبني زوجي بالضرب، ولم تنقذني منه سوى الشرطة حين تم القبض عليه”.

حالة أخرى ظلت تعاني لسنوات من شكوك زوجها واعتداءاته البدنية عليها، حتى تخلصت منه أخيرا بالطلاق، تقول “كان كثيرا ما يوقظني في الليل لأعد له الطعام، وغالبا ما كان يختم ليلته معي بالضرب لأسباب تافهة، كتأخري في إعداد الطعام، أو نظرة صدرت مني ولم تعجبه”.

حكي التجارب المؤلمة ليس أمرا هينا
حكي التجارب المؤلمة ليس أمرا هينا

حالة ثالثة أرغمها أهلها على العمل كخادمة منذ أن كانت في السادسة من عمرها، وحين كبرت زوّجها أهلها رغما عنها وهي في الخامسة عشرة لرجل يكبرها بثلاثين عاما، تقول “كان زوجي يضربني كلما أراد معاشرتي، وحين كنت أشكو لأمي كانت تضربني هي الأخرى، شعرت بالعجز واستسلمت للأمر في البداية، لكني لم أستطع الاستمرار فهربت من زوجي وأهلي، وأنا الآن أعيش بمفردي”. ولا تختلف الحالات الأخرى عن الحالات السابقة كثيرا، فكلها تشترك في نفس ظاهرة الاعتداء البدني، والتي قد تصل أحيانا إلى حد التسبب في إحداث عاهات مستديمة.

ويكشف التقرير الرسمي الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر أن أقل من واحد في المئة فقط من السيدات ممن تعرضن للعنف الجسدي، هن من سعين للحصول على طلب المساعدة لوقف العنف من الشرطة أو المؤسسات التي تقدم خدمات اجتماعية للمرأة، كما أظهرت الإحصائيات أن خمسة وثلاثين في المئة من السيدات المتزوجات قد تعرضن للضرب من قبل أزواجهنّ مرة واحدة على الأقل، وأن نسبة كبيرة من هذه الحالات يتعرضن للضرب في حالة رفضهن معاشرة الزوج، أو حتى لأسباب أخرى كالرد على الزوج بلهجة لا تعجبه.

وتسعى العديد من مؤسسات المجتمع المدني في مصر إلى مواجهة ظاهرة العنف الأسري بوسائل مختلفة، ففي حين يتجه بعضها إلى مد يد العون إلى هؤلاء السيدات عن طريق المشورة القانونية، تعتمد أخرى على طرق غير تقليدية لإيصال أصوات النساء المعتدى عليهنّ إلى بقية أفراد المجتمع من أجل التعريف بتلك الظاهرة، عن قناعة بأن التعريف بالمشكلة هو أول الطريق نحو حلها.

ومن بين هذه المبادرات يبرز مشروع  “بصي” الذي يتيح مساحة حرة للسيدات اللاتي يتعرضن للعنف البدني بجميع أشكاله، سواء داخل الأسرة أو في الشارع أو مكان العمل.

وفي ظل ثقافة تنظر إلى المرأة كمصدر للمتعة لا يسع الفتاة سوى ابتلاع ألمها في صمت ومن دون إتاحة الفرصة لها للتعبير أو الشكوى، وهو ما تحاول ورش وعروض الحكي التي تنظمها مبادرة “بصي” التغلب عليه.

16